أزمة الحداثة في خصوصيتها العربية: بوارج الغزو والمقاومة

إن مشكلة العرب، وهم يدخلون القرن الحادي والعشرين، لا تكمن فقط في كونهم يدخلون بوابة هذا القرن مدفوعين إليه دفعا وعلى غير ما كانوا يتطلعون إليه، بل مشكلتهم تكمن أيضا في كون معظم الآخرين لا يعترفون لهم بدورهم الحضاري في الماضي، والبعض الآخر يقزم هذا الدور حتى يجعلهم مجرد ناقلين وليسوا مبدعين، ولذا فانهم يجدون أنفسهم في بداية الألفية الثانية غرباء في زحمة العولمة، يتقاذفهم الإحساس بالإحباط والعجز وتسيطر عليهم مشاعر الغبن تجاه الآخرين، فقد أقام الغرب – في نظرهم- حضارته على أنقاضهم وعمل على نفيهم حضاريا وتهميش مشاركتهم في صنع الحضارة الإنسانية كما قام بنفيهم وتهميشهم على الصعيد الجيو-سياسي فأحالهم إلى كيانات هزيلة مفتتة غير فاعلة على مسرح التاريخ المعاصر.

من هنا جاءت إشكالية الحداثة والانبعاث أو ما سمي بمرحلة النهضة العربية، فقد كانت فكرة الانبعاث رد فعل على ما أتى به الغرب، تمثل في خطاب انبعاثى مواز للحداثة ومذاك بدأت أزمة الجدلية بين الطرفين، أي بين أطروحات الحداثة الغربية وبين خطاب مواز لهذه الأطروحات. وهذه الجدلية كانت وما تزال تتحكم في العلاقة غير المنتجة بين الحداثة الغربية ومحاولات الانبعاث العربي سواء في مرحلة الحداثة أوفى مرحلة العولمة.

سوف لن نتعرض في هذا المقالة إلى أزمة الجدلية بين مفاهيم الأطروحتين، بل سنقتصر على محاولة البحث عن أسباب الرفض التلقائي الذي صدر عن العرب تجاه الحداثة الغربية لحظة التقائهم بها، لأن هذا الموقف عبر لا شك عن أزمة عميقة ما تزال حتى اليوم أسبابها ودواعيها قائمة.

كان موقف الرفض التلقائي يعبر في واقع الأمر عن الطبيعة الخاصة التي ميزت العلاقة بين الطرفين في مختلف مراحل تاريخها، فالعلاقة بين العرب وأوروبا تميزت بسمات يصعب وجودها في أية علاقة ربطت بين طرفين حضاريين آخرين- وهى سمات فرضتها الجغرافيا التي حكمت على الطرفين بالتجاور، وشاءها التاريخ الذي منح كل طرف منهما فرصة حاول من خلالها أن يقوم بدور الحامل لرسالة حضارية كونية.

يمكن لنا أن نعيد هذا الرفض التلقائي الذي يعبر عن تجليات العلاقة بين الطرفين عبر مراحل التاريخ المختلفة، إلى أسباب ثلاثة:

1- الحداثة مصدرها الخصم : لقد أدت جملة من الظروف الموضوعية إلى أن تقع النهضة في أوروبا قبل غيرها من المراكز الحضارية في بقية أنحاء العالم المعروف آنذاك، ولعل ذلك –إذا جاز التعبير – كان من سوء حظ العرب. لقد جاءت الحداثة من الجار الخصم الذي اتسمت العلاقة معه طوال العصور بالمنافسة والمواجهة، فالمنطقة التي عرفت فيما بعد بالعالم العربي والإسلامي، كانت دائما في مواجهة مستمرة مع أوروبا –فمن الصراع بين الفرس واليونان إلي المنافسة الدامية بين روما وقرطاجنة، إلى المواجهة بين الإسلام والمسيحية سياسيا إلى ثنائية العرب والغرب. فلا يمكن تجاهل هذه الخصوصية في العلاقة التي تعد من حقائق التاريخ البعيد والقريب كما لايمكن إغفال تأثيراتها على نفسية العرب لحظة التقائهم بحداثة الغرب، إذ بدا لهم الخصم وحداثته شيئا واحدا فأندمج الاثنان تلقائيا تحت طائلة رد الفعل الرافض.

لايمكن تشبيه رد الفعل العربي الرافض – على سبيل المثال – برد فعل اليابانيين أو الصينيين عند التقائهم بحداثة الغرب، فلم يكن بين هؤلاء وأوروبا تاريخ حافل بالصراع والعداوة والمنافسة على حمل رسالة حضارية كونية، فاليابانيون وكذا الصينيون، لم يكتشفوا أوروبا كقوة عسكرية غازية إلا في القرن التاسع عشر ولم تخض اليابان حربا حقيقية ضد الغرب إلا في القرن العشرين.

ما من شك في أن الحضارتين اليابانية والصينية تختلفان عن الحضارة الغربية وبالتالي لم يقبلا كل ما طرحته هذه الأخيرة من طريقة للحياة ورؤية للعالم، إلا أن رد فعلهما قد اختلف – على الأغلب – من حيث نوعيتهما ودرجة حدتهما عن رد فعل العرب على ما فاجأهم به خصمهم في إحدى حلقات الصراع معه، ولعل الفارق بين رد الفعل العربي ورد الفعل الياباني هو أحد الأسباب التي نتج عنها الاختلاف في النتائج التي حققها كل طرف منهما في تعامله مع الحداثة الغربية.

2- الحداثة ارتبطت بالغزو والهزيمة: لم يشاهد العرب التقدم الذي حققته أوروبا ولم يعاينوا مكتسبات الحداثة عن قرب إلا وسط هدير مدافع نابليون ونيران أسلحته المتطورة. وما تبع تلك الحملة من غزوات واحتلالات ظلت متواصلة دون انقطاع حتى لحظة كتابة هذا المقال في القرن الواحد والعشرين.

فقد أسرعت أوربا باستثمار مكتسبات نهضتها في ضرب العرب لإخضاعهم وفرض هيمنتها عليهم، ومما زاد الأمر تعقيدا أن الغزو توج بهزيمة ساحقة لم يشهد لها العرب مثيلا من قبل حيث استطاعت أوروبا أن تجتاحهم شرقا وغربا وان تحول ممالكهم وإماراتهم الهزيلة إلى محميات ومستعمرات وجماعات من الأهالي المحليين المدجنين.

كما رافق الغزو سلوك من قبل الغازي استهدف المقدسات والرموز الثقافية والتاريخية مما جعل رد الفعل الرافض لكل ما يصدر عن الغازي أمرا متوقعا واستجابة مشروعة في مواجهة تصرفات الآخر ضد كل ما يرمز إلى الذات والهوية حيث يصف الجبرتى جنود نابليون بقوله “دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول وتفرقوا بصحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته وعاثوا بالأروقة والحارات …ود شتوا الكتب والمصاحف وعلى الأرض طرحوها وبأرجلهم داسوها وأحدثوا فيه وتغوطوا وبالوا وتمخطوا وشربوا وكسروا أوانيه والقوها بصحنه ونواحيه وكل من صادفوه عروه ومن ثيابه أخرجوه”.

في تلك المرة اختلف الغزو عن المرات السابقة التي منى فيها بالفشل واستطاع العرب أن يستعيدوا الثقة بأنفسهم، فلو أن الصليبيين هم الذين جاءوا يحملون معهم الحداثة لكان للعرب المنتصرين-على الأرجح- موقفا أقل حدة ورفضا لهذه الحداثة ولتعاملوا معها بروح المنتصر الواثق من نفسه، فقد دلت التجارب السابقة بأنهم يتعاملون بإيجابية وانفتاح اكثر مع ثقافة وحضارة الآخر عندما يكونون هم المنتصرين أو حينما يحسون بأنهم صاروا أندادا لهذا الآخر كالبيزنطيين والفرس واليونان. ولعل هذا ينطبق على معظم تجارب الأمم الأخرى التي بنت حضارات كبيرة، فالاستفادة مما لدى الخصم من إيجابيات لا تحصل إلا في المرحلة التي يزول فيها خطره أو هيمنته، وقد بدأت أوروبا في الصعود مع الانحدار التدريجي لخصمها التاريخي ومنافسها أي العرب والمسلمين، ولم تستفد من العلوم العربية النظرية وتوظفها دون إحساس بالنقص إلا بعد إخراج هؤلاء من أوروبا في القرن الثالث عشر.

لقد كانت الهزيمة ساحقة وبالتالي كان رد الفعل التلقائي حادا وجذريا اختلط فيه رفض الهزيمة مع رفض كل ما يمثله العدو التقليدي المنتصر من طرائق ومناهج وأطروحات ورؤية للحياة.

لم يكن من السهل على العرب أن يتمثلوا بثقافة الغالب لأن الغازي المنتصر لم يكن طرفا مجهولا لديهم، بل كان خصمهم المعهود الذي طالما نازلوه وتقاسموا معه النصر والهزيمة طوال قرون عديدة، بالتالي فإن نصره رغم كونه ساحقا، إلا أنه لم يخلق لديهم عقدة نقص في الحال تدفعهم إلي المسارعة في التمثل به بل خلق لديهم حالة من الدهشة والشلل سرعان ما انقلبت إلى حالة من الرفض لكل ما يمكن أن يصدر عنه.

كانت الهزيمة أيضا شاملة فمجمل أراضي العرب وعواصمهم ومدنهم التي كانت تمثل منارات حضاراتهم وقعت جميعها تحت طائلة الاحتلال التدريجي، ولم تبق هناك مراكز منيعة استعصت على الخصم ووقف عند بواباتها عاجزا حتى يمكن تصور إمكانية قيام حوار بين ما تمثله هذه المراكز من ثقافة وبين ثقافة الخصم في موقف يسود فيه الشعور لدى الطرفين بعجز كل منهما في مواجهة الآخر، الأمر الذي كان من الممكن أن يغير نظرة العرب إلى الجديد الذي آتى به الخصم بعيدا عن مشاعر الإذلال والخضوع.

3- تأثر السلوك بطبيعة الموقع: لقد رأى البعض في تضاريس المنطقة العربية وموقعها بالنسبة للعالم إنها ميزات حافظت على الخصوصية العربية، فالأرض العربية متصلة ومحصورة داخل حدود طبيعية هائلة، غير أن هذه التضاريس لا تبدو لآخرين ميزات استراتيجية، بل نقاط ضعف، فالوطن العربي يمثل انخفاضا جغرافيا وسهلا منبسطا ومفتوحا أمام قوى الجوار وقوى العالم الخارجي ويبدو أن خصوصية هذا الموقع الجغرافي وجاذبيته قد أثرت في سلوكيات ونوعية ردود الأفعال الصادرة عن الجماعة التي تقطنه. فوجود المنطقة في موقع يتوسط القارات القديمة جعلها حيوية بالنسبة لجميع القوى في مختلف العصور، هذا إلى جانب عدم مناعتها الدفاعية، فترتب على ذلك أنها أصبحت على الدوام عرضة للاجتياحات والغزو وبؤرة للأطماع.

إذن يمكن القول أن الخاصية الجغرافية لهذا المنطقة وجاذبيتها جعلت سكانها أسرى موقفين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا أقوياء فيتخذون موقف الدفاع الهجومي، وإما أن يكونوا ضعفاء، فيجدون أنفسهم في خندق المقاومة ضد تدفق الضغوط الخارجية المستمرة في شكل اجتياحات وغزو، وبالتالي لم يعرفوا وضع الاستقرار المطمئن الذي يسمح بالحوار والتفاعل الحر مع ثقافة الآخر غير المصحوبة بالاجتياح والغزو الذي يستهدف وجودهم، فقد عاشوا دائما في مواجهة خطر خارجي مختلف عنهم في كل شي، من الصليبيين إلى المغول إلى الاستعمار الأوروبي إلى الاستيطان الصهيوني.

ليس من المستبعد أن يكون مثل هذا الوضع الذي لاتتشابه فيه مع العرب أية جماعة تاريخية أخرى، قد أثر في سلوكياتهم وردود أفعالهم تجاه كل ما يأتي من خارج حدودهم الجغرافية والثقافية والأيديولوجية، على اعتبار أن هذا القادم يحمل دائما صفة العدوان الذي يستهدف وجودهم وهويتهم.

ولعل مثل هذه الروح هي التي كانت سائدة لدى التقائهم بالحداثة الغربية التي جاءت تسعى بها إليهم البوارج الحربية العملاقة مصحوبة بالمدافع ورائحة البارود والخيول المدججة بالسلاح والمنعلة بالحديد.

* كاتب ليبي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق