أزمة الخطاب السياسي العربي الحاكم: إشكالية المتلقي وصاحب الخطاب

لا تعانى مصداقية الخطاب السياسي العربي الحاكم من اقتناع المتلقي بأن الخطاب ليس ترجمة للواقع كما يدركه هو وكما يدعي ذلك ظاهر الخطاب فحسب، ولا من الشك في شرعية صاحبه، بل إن هذه المصداقية تجد نفسها محاطة بشك آخر يتمثل في اعتقاد المتلقي بأن صاحب الخطاب- في أحيان ليست قليلة- يعد ناطقا بلسان وليس معبرا بالأصالة عن نفسه. فخصوصية المنطقة العربية جيوستراتيجيا وتاريخيا تجعلها من أكثر البيئات نزاعية، وبالتالي من أكثر مناطق العالم عرضة للتدخلات الحادة من قبل الفواعل الدولية الكبرى في النظام الدولي.

إن مثل هذا الوضع يدعو قطعا المتلقي إلى الاعتقاد بأن مشيئة هذه القوى تلعب دورا أساسيا في تشكيل إرادة صانع القرار وتؤثر في أفعاله وخياراته، لذلك فإنه حينما يقدم أي نظام سياسي عربي على ما يسميه محللو الأنظمة السياسية بالتنازلات في إطار عملية المخرجات والمدخلات بين النظام وبيئته فان تلك التنازلات قد لا تكون تمت في إطار التفاعل بين النظام ومحكوميه، بل قد تكون هذه التنازلات الظاهرية ـ التي تتضمنها أطروحات الخطاب ـ مجرد استجابة لتدفقات أفعال وضغوطات القوى الكبرى التي تمارسها على صاحب الخطاب لضرورات تقتضيها مصالحها الإستراتيجية أو لدوافع تتعلق بالسياسة الداخلية لهذه الحكومات (التي تواجه في بعض الأحيان الاتهام من القوى السياسية والرأي العام في بلدانها بأنها تتبنى وتساند حكاما يرفضون أدنى المظاهر الصورية للديمقراطية في إدارة شؤون الجماعات البشرية التي يحكمونها). لذا فإن هذا الخطاب عن الديمقراطية مثلا، وبما قد يعنيه من مكاسب بالنسبة للمتلقي أو المحكوم، يظل رغم ذلك بالنسبة إليه محكوما بشبه مسلمتين:

1- أن التنازلات التي يتضمنها الخطاب ليست في الحقيقة استجابة لطموحات المتلقي أو المواطن، بل هي بالدرجة الأولى تنازلات يقدمها صاحب الخطاب لإرضاء القوى الدولية التي تمارس عليه ضغطا لا يقدر على تجاهله.

2- أن مفهوم الديمقراطية الواردة في الخطاب لا يعني سوى أنها وسيلة لتجديد البيعة لصاحب الخطاب من حين لآخر وليست وسيلة لانتقال السلطة إلى آخر قد ترتضيه الجماعة.

إن مثل هذا الشعور الذي ينتاب المتلقي كلما أتى الخطاب بتنازلات غير معهودة من جانب صاحب الخطاب، لا يعنى سوى أن المتلقي يتهم هذا الخطاب بأنه ليس ترجمة لإرادته ولا هو أيضا تعبير عن إرادة صاحبه، بل إنه نزول عند رغبة طرف ثالث لا يعرف عنه هو الآخر حرصه على مصلحة الإنسان العربي.

فإذا أضفنا إلى هذه التهمة شك المتلقي في أن المعاني الظاهرية لمفردات الخطاب ليست هي المرامي الحقيقية لصاحبه، فإن ذلك – في ظننا-لا يؤدى إلا إلى استفحال أزمة المصداقية التي يعاني منها هذا الخطاب.

يبدو أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم العربيين أو صاحب الخطاب والمتلقي، واقعة في أسر موروث ثقافي يتحكم فيها ويعيد إنتاجها في مختلف العصور, فالثقافة العربية متهمة بأنها تنظر إلى أية علاقة ثنائية على أساس أنها ليست علاقة تبادلية في الأخذ والعطاء” فهناك سلسلة من الخصائص تترابط حلقاتها” وأولى هذه الحلقات وأعمقها جذورا هي نظرة العربي إلى العلاقة بين الأرض والسماء. بين المخلوق والخالق.. العلاقة بين الطرفين ليست التبادل بالأخذ والعطاء, بل هي علاقة الحاكم بالمحكوم والحاكم هنا مطلق السلطان”1

إذا صح هذا التصور فإنه على الأغلب قد انعكس في المجال السياسي فطبع العلاقة بين المتلقي وصاحب الخطاب السياسي الحاكم. فالخطاب بالنسبة لصاحبه هو بمثابة تنزيل أمر وبالتالي ينشئ علاقة مع المخاطب مفادها أن المقصود من الخطاب هو إحاطة المتلقي علما أو تبليغه بمشيئة صاحبه وليس عرضا لأفكار قابلة للجدل.

لعل نظرة صاحب الخطاب إلى ردود أفعال المتلقي والتقليل من اعتبارها، متأتية – في أحسن الأحوال- من قناعته بان المتلقي هو دون سن الرشد ولذلك فلا ينبغي الاعتداد برأيه المبنى على نقص في الإدراك وجهل بالوقائع، فالحاكم الراعي اعلم بمصلحة رعيته القاصرة التي لو تركت لنفسها لضاعت وتشتت بين الإغراءات وتعددية الخطابات السياسية “فمهمة الراعي أن يجمع شمل الرعية ويقودها وما يجمعه الراعي الشرقي هم الأفراد المتناثرون المشتتون الذين يلبون نداءه إذا دعاهم للاجتماع بصوته وصفيره”2

فالراعي أدرى بالطرق والمسالك الآمنة التي تؤدي إلى مواطن الماء ومنابت العشب الطري. والحاكم الفرد أيضا هو الذي يختار لرعيته الطريق الذي يراه مفضيا إلى المستقبل الأفضل لهم. وإذا تكأكأ بعضهم، فإنه لا مناص من دفعهم إليه دفعا، كما أنه لا يسمح لغيره أن يخاطبهم بخطاب غير خطابه فقد يفتن أنفسهم الضعيفة فيضلون سواء السبيل، حيث” يؤكد الحاكم الفرد سلطته بالصلة الشخصية مع الشعب الذي يستحيل عندها جمهورا أي حشدا مغفلا هو في حقيقته كتلة صماء من الغرائز والأحاسيس… فالصوت الأكبر الحي هو الأكثر وقعا في النفوس ويأخذ شكله الأمضى عندما يستخدم لغة المحاكمة المنطقية في صيغة المخاطبة، يتلاعب بالغرائز الأخس في جمهور أخرس”3

ليس بالضرورة أن تكون العلاقة بين الحاكم العربي ومحكوميه على غرار تلك الصورة تماما، ولكنها من المحتم تلتقي معها في بعض جوانبها وتتقارب منها في كثير من معانيها ،وأيا تكن درجة تشابه هذه العلاقة مع تلك الصورة فإنها – أي العلاقة- في كل الأحوال لا تنتج إلا نوعا من الخطاب من أهم ميزاته أنه يصدع ولا يجادل كما أنها تقود إلى النتيجتين التاليتين:

1- أن تحويل أطروحات الخطاب إلى واقع سياسي اجتماعي، اقتصادي هو أمر رهن مشيئة صاحب الخطاب وحده وليس متوقفا على طبيعة ردود أفعال المتلقي التي تبدو في نظر صاحب الخطاب قليلة الاعتبار إذا كانت رافضة ومستحسنة إذا كانت مبتهجة.

2- إدراك المتلقي لعدم جدوى ردود أفعاله المعبرة عن عدم رضاه وبالتالي فان صدق ما يقوله الخطاب عن الواقع أو عدم صدقه يتساويان لديه. وليس من المستبعد أن ينصرف في تلك الحالة اهتمام المتلقي عن كل ما هو سياسي ” فكلما ضعف لدى المرء الإحساس بالفعالية السياسية قل احتمال أن يكون منخرطا في السياسة، فما يقوم به لن يحدث فرقا على أية حال”4

لعل ذلك هو عين ما يحدث في الواقع العربي حيث السياسة ليست من شأن المواطن بل هي من شأن الحاكم.
مجمل القول حول أزمة المصداقية في الخطاب السياسي العربي الحاكم هو أن هذه الأزمة- في اعتقادنا- تجد جذورها في أركان الخطاب الثلاثة:فصفة صاحب الخطاب أو شرعيته السياسية لا تبدو مستمدة من الرضي الحر لأغلبية من يخاطبهم. هذا إلى جانب أن المتلقي -ولظروف دولية وإقليمية بالغة التعقيد- يتهم الخطاب بأنه في أحيانا كثيرة مجرد صدى لمشيئة قوى خارجية لا تحتفظ لها ذاكرة المتلقي التاريخية بأي نوع من ذكريات المودة والعطاء.

وتجد أزمة المصداقية لهذا الخطاب أبعادها الأكثر تعقيدا في الاعتقاد السائد لدى أغلبية المتلقيين بأن مصلحة صاحب الخطاب هي المنطلق الأساسي لخطابه، بل هي المفتاح الذي بواسطته تُفك رموز الخطاب، وبالتالي فقد تفسر الدعوة إلى الحرب أو الجهاد – على سيبل المثال- بأنها ليست من أجل الدفاع عن الوطن، بل دفاعا عن صاحب الخطاب،مثلما قد يفسر الجنوح إلى السلم بأنه ليس من أجل رفاهية الوطن بل بأنه الشرط الأساسي الوحيد لاستمرارية صاحب الخطاب في موقعه.

كما يعاني موضوع الخطاب من إشكالية أنه ليس ترجمة للواقع كما يراه المتلقي ويعتقده، وكما يدعى أيضا ظاهر الخطاب، لذلك فإن مفاهيم مثل الوطنية والإخلاص والخيانة تطالها جميعا أزمة المصداقية كبقية مفردات الخطاب حيث تتبادل معاني هذه المفاهيم مواقعها في ذهن المتلقي مثلما يستبدل صاحب الخطاب معنى وجوده بمعاني وجود الدولة والوطن.
لعل نتائج أزمة المصداقية هذه ما كانت لتكون على هذا القدر من الخطورة لو أن الأمر يتعلق بخطاب حول موضوع عرضي وفي مواجهة متلق أتت به مناسبة عابرة، ولكن الخطاب الذي نحن بصدده يمثل إشكالية تعبر عن علاقة ثابتة بين حاكم ومحكوم يجمع بينهما وطن .ومن هنا تأتي خطورة النتائج المترتبة على أزمة المصداقية في الخطاب السياسي العربي الحاكم لأنها لا تطال طرفي العلاقة فحسب، بل تمتد إلى موضوع العلاقة نفسها فيغدو ضحيتها الحقيقية هو الوطن.

المراجع:

1- زكي نجيب محمود ” تجديد الفكر العربي” دار الشروق بيروت 1980

2- Michel Foucault ( vers une critique de la raison politique ) paris 1986

3- انطون المقدسي ” العقل وغير العقل في الوجود العربي” العقلانية العربية والمشروع الحضاري ”
منشورات المجلس القومي للثقافة العربية الرباط 1992

4- روبرت أ. دال ” التحليل السياسي الحديث “ترجمة علاء أبو زين، مركز الأهرام للترجمة / القاهرة 1993

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق