أزمة اليسار التونسي: جمود جيليّ و”نضالية” تضعه في غير معسكره

لا تزال إشكالية العلاقة بين اليسار والإسلام السياسي تطغى على الجدل القائم في الأوساط اليسارية التونسية. وتكاد تتحول هذه القضية إلى شجرة تخفي الغابة التي تاهت فيها فصائل يسارية تونسية اشتبهت عليها السبل في المنعطف التاريخي الراهن. لذلك فإننا نتناول بالتحليل هنا البعض من المعوقات التي ما انفكت تذكي أزمة الفكر السياسي اليساري التونسي ؟

يجدر التشديد قبل كل شيء على أن اليسار التونسي يمثل، على نسبيته وهناته، معطى ثابتا في الواقع المحلي بعمقه الفكري والسياسي التاريخي ونضالا ته وبتعبيراته السياسية والنقابية والثقافية وكذلك بتنظيماته وهياكله وأطره المتنوعة وكل ما يجعلنا نكاد نسلم بوجود تقاليد، أو قل هوية يسارية في تونس.

غير أن هذا الإرث المعتبر لم يمنع من استفحال أزمة اليسار واتخاذها على مر السنين صبغة شبه مزمنة نحاول فيما يلي رصد بعض عناصرها.

من خلال النظر في تعاطي اليسار السياسي التونسي مع شتى المسائل في الظرف الراهن بوسع المرء أن يلاحظ دون كبير عناء خللا منهجيا بينا في مستوى الإلمام بتطور العلاقة بين الأوضاع المحلية والدولية وما بات يفرضه هذا التطور من تحديات. ويعود هذا الخلل فيما يبدو إلى ضعف الجهد النظري والمعرفي المبذول من أجل تمثل جدلي للتحولات الحاصلة بين المستويين المذكورين وذلك على الرغم من الغزارة المنقطعة النظير للمادة المعرفية في عصر الثورة الاتصالية.

نكاد لا نعثر في أدبيات اليسار السياسي على قراءة حصيفة لظاهرة العولمة، لتعريفها وتبيان القوى الفاعلة فيها وآلياتها واستتباعتها…
ولا تزال هذه الأدبيات بمنأى عن الغوص في بعض المفاهيم مثل مفهوم ” التبعية البينية “. وإذ نتبين هذا الأمر فإننا لا نتمالك عن الإشارة إلى غرابة مثل هذا التهاون على التقاليد اليسارية والمعرفية العامة في تونس و التي نضرب لها مثلا هنا بالوزير المصلح خير الدين باشا (الذي شغل هذه المنصب في سبعينات القرن التاسع عشر) حيث يقول: “…ثم إذا اعتبرنا في هذه الأزمان من الوسائط التي قربت تواصل الأبدان و الأذهان لم نتوقف أن نتصور الدنيا بصورة بلدة متحدة تسكنها أمم متعددة حاجة بعضهم لبعض متأكدة.” ( من مؤلف ” أقوم السالك في معرفة أحوال الممالك ).

لا نروم البتة من وراء هذا الاستشهاد التنويه بعبقرية خير لدين باشا كي نجعل منه مفكرا سابقا لعصره في تنبئه بالتبعية البينية كما قد يذهب إلى ذلك هواة المنطق الشكلي وذلك بالرغم من توصيفه المثير للانتباه للعلاقات الجديدة بين”الأمم” كما عايشها في المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر. وإنما الغاية كل الغاية هنا هي التوقف عند تفطن هذا المفكر إلى كبريات تحولات عصره دون أن ينسينا هذا التوقف ضرورة تنسيب الحقائق. فالرجل لم يكن بوسعه حتى مجرد تخيل قوة ونفوذ الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والعابرة للقارات والقوى الدولية العظمى والتكتلات الإقليمية الآخذة في التشكل بصفة مطردة و لا إعادة التوطين الصناعي والسرعة المذهلة في تنقل رأس المال المالي والمعلومات ولا أيضا بروز الشبكات العالمية في سائر المجالات بما فيها تلك الإرهابية والإجرامية ولا دور المنظمات غير الحكومية وما إلى ذلك من الفاعلين في العولمة وآلياتها وأنساقها وكل ما له صلة بالتبعية البينية الأنفة الذكر…

فهل سار اليسار السياسي التونسي على نفس منهج رائد الاصلاحات الوزير خير الدين في تبصر قضايا عصره؟
لا نظن ذلك بدليل أننا لا نكاد نجد أثرا لإسهامات فكرية جدية تسعى إلى المسك بناصية التطور المطرد للأوضاع الدولية في شموليتها من أجل تبيّن سبيل البديل التقدمي المنشود على الصعيد المحلي.

ورفعا لكل التباس فإننا نشير إلى أن القول بالتبعية البينية لا يعنى البتة وهم التكافىء في إطار مثل تلك التبعية أو الشراكة العادلة بين الشعوب الدول والمنظومات الدولية والإقليمية. على العكس تماما فالجميع يدرك أن الليبرالية الجديدة المتوحشة هي الرديف الطبيعي للعولمة وهو ما أدى إلى مزيد توسيع الهوة بين الطبقات وبين الشعوب والقارات، ومع ذلك فان التبعية البينية أصبحت واقعا موضوعيا لم يعد ينفع معه التمحور على الذات. وفي الوقت الذي ما تنفك فيه هذه التحولات تقوض أركان شتى المسلمات المعرفية و النظرية والإيديولوجية لتقوم مقامها مساءلات تضع كافة النخب أمام اختبار عسير لمدى قدرتها على رفع التحديات، فان القوى اليسارية في تونس لا تزال مشدودة إلى الايدولوجيا العالمثالثية ونظرية التبعية المتقادمة وتعمل جاهدة على إعادة إنتاج أفكار تجاوزها الزمن.

وحتى لا تبقى مقاربتنا النقدية هذه حبيسة البعد النظري التجريدي فإننا نضعها على محك الواقع الملموس ونحيلها على وقائع بلدتي “سليمان و”جبل الرصاص” اللتين كانتا مسرح المواجهات العنيفة بين قوات الأمن والجيش من ناحية، والفرقة الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة في شهر يناير الماضي.

فالناظر في دوافع تشكل التنظيم الإرهابي على أرض تونس بوسعه أن يتبين تشابك العوامل المحلية مجسدة في استفحال عطالة الشباب وانسداد آفاقه وما يتولد عن ذلك من شعور بالغبن والإحباط والاحتقان الناجم عن الوضع السياسي الخانق، مع العوامل الدولية متمثلة في قوة التنظيمات الإرهابية بشبكاتها الدعائية وأخطبوطها الاديولوجي والعسكري المعولم وما يقف وراء كل ذلك من نفوذ مالي متأت من البترودولار.
و بالرغم من الصدمة التي أحدثتها تلكم الأحداث على صعيد الرأي العام فان ردود فعل اليسار السياسي لم ترتق إلى مستوى الجرأة المطلوبة كي تتخطى معوقاتها في تبصر حقيقة الأشياء و تجاوز المحاذير التي وضعتها لنفسها حتى لا تتهم بالعمالة. فلا يزال جل قوى اليسار يغمض عينيه على ظاهرة الإرهاب ويأبى حتى التفوه بهذا المصطلح خشية اتهامه بالعمالة لمعسكر الولايات المتحدة الأميركية في حربها على الإرهاب وبتأييدها لمشروع الشرق الأوسط الجديد.

لذلك، فان فصائل عديدة من اليسار التونسي التي تدعي انحيازها للعقلانية والديموقراطية والعلمانية اشتبهت عليها السبل فاتخذت من رموز التيوقراطية بل و الفاشية مثلها الأعلى كما يدل على ذلك موقفها من حزب الله اللبناني. ورغم الحجج الدامغة التي يعترف بها قادة هذا الحزب حول ولائهم لإيران وتبعيتهم المذهبية والسياسية والعسكرية لغلاة القومية الفارسية المندفعة حاليا في عنجهيتها النووية فان الكثيرين من اليساريين التونسيين يرون في حزب الله قوة وطنية وحصنا أخيرا في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل ولسان حالهم يقول “ماذا سيبقى لنا إذا ما حسمنا في حزب الله؟”.

وهكذا فان القيود الايديولوجية والسياسية الشعبوية ما تنفك تشد هؤلاء اليساريين وتفرض عليهم تحنيط الواقع وتفقبر رؤيتهم له إلى درجة ابتداع كليشيهات بائسة على غرار رفض “الاستقواء بالأجنبي”.

ولا يختلف الأمر كثيرا عند اليسار السياسي التونسي في تناوله للأوضاع المحلية ولا سيما في مستوى رفض اعترافه بالخصوصية المحلية المميزة لتونس ضمن السياق العام الجغرافي-السياسي و التاريخي العربي والإسلامي. تلكم الخصوصية، التي يقاومها كثير من اليساريين بدافع نبذ الإقليمية والحدود المصطنعة، هي التي قد تمثل المتن الأساسي لمشروع مجتمعي ديموقراطي تقدمي ينقذ البلاد و العباد من شتى أصناف الاستبداد والتيوقراطية…

فهل معنى ذلك أن اليسار التونسي بلغ حالة من العقم الفكري أحالته على التقاعد المبكر وعدم القدرة على الفعل الايجابي في الواقع؟ قطعا لا، وستظل الإجابة عن هذا السؤال بالنفي ما دامت في تونس كفا ءات فكرية قادرة على التشخيص الجيد لمعوقات اليسار السياسي. والملاحظ أن هذه الكفاءات تظهر بين الفينة والأخرى في بعض الندوات الفكرية والتظاهرات السياسية التي تنظمها بعض أحزاب المعارضة. غير أن هذه المواكبة من المثقفين، الجامعيين بالخصوص/ ليست بالمستوى المطلوب لا سيما في هذا الظرف الذي يطرح تحديات خطيرة.

فغالبا ما يلزم جل الحاضرين من هذا الملأ المثقف وقاره ويأبى الخروج عن صمته محدثا بذلك الفراغ الذي عادة ما يملؤه النشطاء السياسيون غير القادرين على تقديم الإضافة.

ولا نظن أنه ما زال بوسع المثقفين اليساريين الجلوس على الربوة ومزيد الاحتفاظ بوقارهم والاستنكاف عن دورهم الحيوي في ترشيد اليسار السياسي التونسي والحركة الديموقراطية عموما.

أما “الحرس القديم” الذي يتبوأ قيادات الأحزاب والمنظمات اليسارية فهو مدعو إلى تعميم النقاش الحر في مستوى كوادر وقواعد الحركة الديموقراطية بعيدا عن المحرمات والتكفير السياسي طبقا لمبدأ الديموقراطية التشاركية.

و إذا ما رامت أن تفعل ذلك فان هذه القيادات ستقوم لا محالة برأب “الفجوة العمرية” وإعادة الاعتبار لدور الشباب في العمل السياسي وإحكام ترابط الأجيال. وبما أن النظرية و الفكر السياسي يظلان متجهين نحو المستقبل و الأجيال الصاعدة فانه من صالح القيادات اليسارية أن تتنازل عن الوصاية التي تمارسها على هذا الفكر الذي سينمو ويتطور في زمن غير زمانها. ولن يتسنى لها ذلك ما لم تراجع بصفة جذرية مقولاتها القديمة ليس فقط لغرض تدقيقها أو تحيينها ولكن أيضا للتخلي عن بعضها عند اللزوم. لذلك فان تأسيس ثقافة سياسية جديدة هو الكفيل لوحده بالحؤول دون ارتكاس الفكر الديموقراطي التقدمي حتى لا نجد أنفسنا أمام يسار بلا يساريين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق