أزمة تعليم أم أزمة ثقافة؟ / عبدالسلام بنعبد العالي

سنوات طويلة والمشرفون على التعليم يسعون إلى مقاومة ظاهرة الغش في الامتحانات. إلا أن الظاهرة لم تفتأ تتفاقم. وقد وجدت في تقدم وسائل الاتصال ما ساعدها على أن تستمر في البقاء رغم حرص رجال التعليم على مقاومتها باستخدام كل أدوات الزجر التي وصلت إلى حد حرمان التلميذ أو الطالب الذي ثبت غشه من المشاركة في الامتحانات عدداً من السنوات. وعلى رغم ذلك فإن المتمدرسين لم يكفوا عن «إبداع» أساليب جديدة وصلت حتـى الى استخدام آخر مستحدثات التواصل التي تمكّن الممتحَن من أن يتلقى ما يريده من أجوبة.

وجهــت أصابـــع الاتهام بهذا الصدد إلى كثير من الأسباب. فاتُّهم المتمدرسون أولاً بأنهم كسالى لم يعودوا قادريـــن علـــى «حفظ» معلومات، وأنهم متواكلون يريدون بلوغ أهدافهم بأقل تكلفة، وأن طرق التواصل الجديدة تشجعهم على هذا الكسل والتواكل و «الانتهازية».

رد البعض بأن المسألة لا يمكن أن تعود لهؤلاء «الأبرياء»، الذين لا يمكن أن يكون أغلبهم عديم الأخلاق مستهتراً لا ينظر إلى ما يتلقاه بعين الجد والتقدير، فعزا الأمر إلى نظام الامتحانات الذي ما زال يجر مفهوماً عن المعرفة ربما تجاوزه العصر. إذ أن المعارف غدت في متناول الجميع. وما تقدّم وسائل الاتصال إلا دليل على أن المادة المعرفية ليست هي ما ينبغي أن يعطى للتلميذ وما يطلب منه «حفظه»، بل إن التلميذ مطالب باكتساب مهارات وقدرات على إعمال الفكر وإتباع مناهج. وما ينبغي أن يطلب منه قد لا ينفعه فيه غش وانتحال. لجوء المتمدرس إلى أساليب الغش والحالة هذه هو نوع من الاحتجاج على أساليب التدريس المتداولة، وهو ليس موقفاً ينم عن استهتار وتواكل، وإنما عن عدم اقتناع وعدم رضى.

يعمم البعض الآخر المسألة فيذهب أبعد من ذلك بكثير، فيعتبر أن المنظومة التعليمية بكاملهـــا، ببرامجها ومناهجها وأطـــرها وتلامذتـــها مسؤولـــة، لا عن الغش في الامتحانات وحده، بل عن تدهور التعليم وتدني مستواه بصفة عامة.

لكن لو حاولنا أن ننظر لظاهرة الغش هذه «فيما وراء الخير والشر»، واكتفينا بوصف ما تنم عنه من دلالات لتبين لنا أنها تدل أساساً على أن الممتحَن لا ينظر إلى ما يتعامل معه على هذا النحو بعين التقدير. انه لا يرى قيمة كبرى لما يطلب منه. لا يعطيه قيمة. قيمته الوحيدة هي في ما يُجنى من ورائه من نجاح. وهي قيمة عابرة تزول بزوال الامتحان. قد نسأله: وأين هو التحصيل والتثقيف؟ أليست غاية التعليم وقيمته تكمنان في ما يكرسه من ثقافة؟

قد نتمكـــن مــــن طريق محاولة الإجابة عن هذا السؤال من وضــع اليد على مكمن الداء. ذلك أن التربية والتعليم ليسا رهينين فحسب بما يتّبعانه من أساليب، وما ينهجانه من طــــرق ويعتمدانـــه مـــن برامج، وإنما أيضاً وربما أساساً بما يكرسانه من قيم وما يتناقلانه من ثقافة. فإذا كان المتلقــــي «لا يجد نفسه في تلك الثقافة»، ولا يتعرف فيها على أسئلته وانشغالاته، على ما يهمه ويقض مضجعه، فهو لن ينظر إلى التعليم الذي «يلقّنه» إلا كامتحانات ومحن تمكّن مـــن يجتازهـــا من الحصول على الشهادات وارتقاء السلالم.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق