أزمة سياسة أم أزمة ثقافة؟ / ممدوح طه

معيار الثقافة الصحيحة هو القدرة على التعامل الصحيح مع كافة شؤون الحياة، وفي ثقافتنا العربية الإسلامية قيم سماوية عليا تبلور القيم الصحيحة التي لا تلهم بالحلول العلاجية في مواجهة الأزمات فقط، بل تصنع العلاقات والظروف الوقائية التي تمنع نشأة الأزمات من الأصل، وتصوغ العلاقات بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والأوطان، وبين الإنسان والرحمن، وفق قواعد وضوابط إنسانية رحيمة وعادلة..

لكننا بكل أسف نعايش في عالمنا العربي والإسلامي سلسلة من الفتن والمشاكل والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومنبعها جميعا أزمتنا الثقافية.

السياسية هي الآلية والوسائل لكيفية حل المشكلات كافة، والثقافة بمرجعياتها الروحية والوطنية والقومية والإنسانية هي القيم الفكرية المحددة للغايات وللتوجهات السياسية، وحين نلحظ أزمة سياسة ندرك أننا في الأصل أمام أزمة ثقافة. ذلك أننا في صياغة حياتنا وسياساتنا واقتصادنا ومجتمعنا، قد ندرك صحة قيمنا الروحية العليا أحيانا، لكننا غالبا لا نقدرها حق قدرها، ولا نطبقها ولا نحيلها إلى أفكار وفلسفات وسلوكيات مستمرة.

بل نفصل بين قيم ديننا وأسلوب حياتنا، وبين مبادئنا ومصالحنا، وبين وسائلنا وغاياتنا، وبين ثقافتنا وسلوكنا، بما يضيع شخصيتنا ويربك توجهاتنا ويحرفنا عن طريقنا، وهذا سر عجزنا عن التأثير في أنفسنا وفي غيرنا، وبالتالي سر قابليتنا للتأثر بغيرنا، وسر تخلفنا وضعفنا وتبعيتنا.

وفي ثقافتنا العربية الإنسانية، المستلهمة من قيمنا الروحية الإيجابية والبناءة والدافعة إلى الحوار والتعاون الإنساني وإلى التقدم المعنوي والمادي، هناك أكثر من قاعدة مهمة صحيحة نعرفها ونرددها، لكن الأهم أن نحترمها ونعمل بها.

إن ثقافة أي شعب من الشعوب تنبع من مجموعة قيمه الأساسية التي تبدع أفكاره الإنسانية وتصنع سلوكياته الحياتية، وتحدد طبيعة علاقته بذاته وبالآخر، وباختلاف القيم تختلف الثقافات والأفكار والفلسفات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية، اختلافا قد يتصادم أو يتناقض أو يتعايش..

لذلك ظل عالمنا عبر مراحله التاريخية المختلفة، حافلا باختلاف المنابع وباختلاف الثقافات، وبالتالي باختلاف التوجهات من مجتمع إلى مجتمع ومن حضارة إلى حضارة. فهناك ثقافة صحيحة تمنع الأزمات، وهناك ثقافة مريضة تصنع الأزمات.. لكن الكارثة الحقيقية تقع حينما تتولى الثقافة المريضة قيادة العالم وتسعي إلى عولمته!

والثقافة المريضة لا تنتشر إلا في غياب ثقافة صحيحة قيما وسلوكا، ولا تصنعها إلا نخب مريضة لا يعلو صوتها إلا في مجتمع مريض، وأعراضها تظهر في الظلم والعدوان والعنصرية والاستعلاء والأنانية والطمع والاستغلال والنصب والكذب، لتحقيق مصلحة فرد على حساب فرد، أو طبقة على حساب طبقة، أو طائفة على حساب طائفة، أو مذهب على حساب مذهب، أو حزب على حساب حزب، أو عرق على حساب عرق، أو وطن على حساب وطن..

وهذه الثقافة المريضة هي التي لا تربط بين المصالح المشروعة والمبادئ المشروعة، والتي تنتهج مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، فلا تربط بين شرف الغاية وشرف الوسيلة، ولا تأبه بظلم الغير لتحقيق المصلحة الذاتية، ولا بخداع الغير لتحقيق الأهداف الأنانية.

والثقافة الأيديولوجية العرقية أو المذهبية أو السياسية المتعصبة، والأنانية المستعلية المريضة، هي التي سببت وتسبب للعالم الحروب والكوارث والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي هي في جوهرها أزمة ثقافية.

وما أوضاعنا العربية والإسلامية غير الصحيحة، وسلوكياتنا المضطربة والمزدوجة التي تمثل شاهد زور على قيمنا الروحية الصحيحة، إلا أزمة ثقافة بتأثير الثقافة المادية المريضة، المجافية للقيم الروحية والإنسانية.. والمطلوب إعادة تحديد الغايات والوسائل لتصحيح الاتجاه!

‘ن جريدة البيان 31/10/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق