أسئلة البورترية في الآرت هاوس- مايكل براي الكندي وتقنيات الرسم الكلاسيكي

{{لوحة بعنوان “الأخوة”، لمايكل براي}}

رعت السفارة الكندية بدمشق وصالة الآرت هاوس افتتاح معرض الفنان التشكيليّ الكنديّ مايكل براي بتاريخ 16 آب/ أغسطس والذي يستمرّ حتى نهاية الشهر.

مايكل براي فنان كندي يعرض لأوّل مرة في سوريا، لكنه لا يبدو غريباً عن العربية ومناخاتها الثقافية، فهو مقيم منذ سنوات في مدينة دبي، وقبلها كان في القاهرة، مما يُنبئ عن خليط من الثقافات والرؤى البصرية والتشكيلية ستتفاعل ضمن تجربته، مع أنها لا تظهر للوهلة الأولى. إذ فاجأنا منذ ولوج صالة العرض، حين استطاع أن يُعيدنا إلى كلاسيكيات هذا الفن بدءاً من الموضوع وانتهاءً بالتقنيات، معتمداً على خبرته في تعليم مادة الرسم أو التصوير، حيث يمزج في رسومه الكثير من المعلومات النظرية حول الفن وتاريخ التصوير واتجاهاته مع الجانب التطبيقي والإيقاعات العملية لتلك المعلومات، وهذا ما ساعده على اكتشاف أدواته وطرائقه الخاصة في الشغل.

للوهلة الأولى ينتابنا الإحساس بأننا في معرض استعاديّ لأعمال كلاسيكية قديمة، لنكتشف مع التدقيق بأنّ تاريخ كلّ الأعمال المعروضة يعود لعام 2008 حصراً. إذ اختار الفنان موضوعه الأساسيّ من فنّ البورتريه، عبر سؤال فلسفيّ أو معرفيّ “أنت مين: أنا مين”؟ الذي شكل عنواناً لهذا المعرض. عنواناً كان ينضح من كل العيون التي واجهتنا في بورتريهات براي، مع أنّ الكثير منها كان يهرب من المواجهة، يختبئ خلف قتامة اللون، أو في الزوايا البعيدة عن خط النظر مع المشاهد، غير أنّ الفنان يُصر على ملاحقة أسئلته أو ملاحقتنا بها كمشاهدين، ففي أكثر من لوحة نجد الوجه يتناسل أو يتناسخ في عدد من الوجوه، كلوحة الأخوة، العائلة، الأخوات، لكنه في لوحة “الآخر” صنع شرخاً عمودياً في الرأس، وكأنه يؤكد وجود الآخر في داخل كلّ واحد منا، هي اللعبة ذاتها التي مارسها عالم النفس “ولهلام رايش” في كتابه “استمع أيها الصغير” ففي الرسوم التوضيحية التي رسمها رايش بنفسه اعتمد هذا الخط المنصف الذي يقسم كل الصور من الجنرال إلى المربية، مؤكداً ليس وجود الآخر في داخلنا، بل حتى ذلك الآخر الصغير والوضيع الذي نهرب منه ولا نريد الاعتراف به، بل نسعى إلى إخفائه عبر مظاهر السلطة ولإكسسوارات الخارجية.

بعيداً عن ملحاحية ذلك العنوان الذي اختاره براي لأعمال معرضه، نلاحظ أنه اتكأ على الكثير من التقنيات البسيطة في الرسم ليمنحنا مساحات أوسع من الرؤية الجمالية والأبعاد الدلالية للعمل، فإذا كنا نعرف جميعنا تقنية تقسيم اللوحة إلى مربعات حين يريد الفنان أن ينقل صورة ما لكنه سرعان ما يمحو آثار تلك المربعات تحت طبقات لونية، نجد أنّ براي على العكس قد تعمّد إظهار هذه الخطوط المتعامدة في خلفية اللوحة. لكنه لعب عليها بأكثر من صيغة، فهي تارة تشكل مساقط للرؤيا لوحة (CLAMP) وتارة تشكل قضبان نافذة أو سجن كما في لوحة (مموه – GILDED) وتارة تتحوّل إلى أسلاك شائكة كما في لوحة “أنا لا أحتاج أن تفهمني- I DON’T NEED YOUR UNDERSTANDING” حتى أنّ بعض هذه الدلالات تأخذنا في منحى أيديولوجي، حاول براي أن يؤكده في لوحته “عندما تمطر – WHEN IT RAINS” والتي تشكل صرخة ضد العنف في المنطقة العربية تحديداً، لأنه استخدم الكتابة العربية في ملء أوراق “فعل: ردّ فعل”.

هذه العناوين التي استعرضنا بعضاً منها في إشاراتنا السابقة لا تتشابك فقط مع عنوان المعرض في عمقه المعرفيّ، ولكنها تتشابك أيضاً مع رؤية الفنان لمصير الإنسان، وهي رؤية تغلب عليها سمات الحزن والتعب ولو امتزجت قليلاً بالأحلام.

ليس ذلك فقط، بل نجد أنّ تلك الملامح جاءت بسمات شرقية غالبا، مفعمة بالأسى والتأمل، حتى أننا نستطيع أن نميّز في بعضها غطاء الرأس، لكن براي لم يشتغل على هذه البورتريهات بعقلية استشراقية، بل جاءت انتماء لموضوعه.

وباستثناء عملين أو ثلاثة نفّذها الفنان على ورق مسطّح، نجد أنه اختار في أغلب أعماله نوعاً من الورق “المكرنش” غير مسطح، وهذا يمنحنا إيحاءً بأنّ اللوحة ليست قديمة فقط، بل أنها تعرضت لعوامل الرطوبة والزمن، وقد عزز براي هذا الانطباع حين سمح لوجود اهتراءات في جسد للوحة، وحتى في بعض أطرافها المقصوصة عشوائياً، وهو يؤكد أنّ هذا النمط من الورق شكل خياراً له، بل هو يشتغل عليه إن لم يتوفر جاهزاً.

وقد شكلت صالة عرض “الآرت هاوس” مكانا نموذجيا لتعزيز تلك الانطباعات السابقة، خاصّة أنّ المكان الذي أعيد ترميمه على أنقاض “طاحونة” قديمة ما زال فرع من نهر بردى يسير أسفله. وتتوزّع في أرجائه مجموعة قناطر تحمل السقف، حتى جدرانه كُسيت بحجر يمنح المكان جماليته الممزوجة مع أحاسيس بالقدم، وأعتقد أنه لو قيّض لهذه اللوحات أن تُعرض في صالة أخرى حديثة بمعنى مكوّنات البناء والفضاء كانت ستفقد جزءاً من أهميتها، وربما ستتخلخل الرسائل التي وصلتنا مفعمة بتلك النوستالجيا لمرحلة الكلاسيكية القديمة.

قليلة هي المعارض التي تحمل إلينا جديداً في إطار من الأصالة، ومعرض مايكل براي شكل إضافة نوعية في المشهد التشكيلي المزدحم على غير العادة في أشهر الصيف الدمشقيّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق