أسئلة الترجمة في واقع فاسد وسقيم / شاكر الأنباري

ما زالت الترجمة إلى العربية قاصرة عن نقل المهم في الإبداعات العالمية، من فكر وأدب وعلم، وتكاد أصغر دولة أوروبية لا تقارن مع الدول العربية مجتمعة في غزارة ما يترجم. كل ذلك يجري في غياب خطة عربية واضحة أو مشروع للترجمة يسد النقص الحاصل في كل الحقول المعرفية. عدد قليل من الدول العربية تبنى خطة للترجمة، قادتها مؤسسات رصينة، كما هو حاصل في الكويت، ومصر، وشيئاً ما في سوريا، عدا ذلك تعتمد الترجمة على جهد فردي، أو جهد دار نشر تفكر بالربح وليس بمشروع نهضوي تنويري. دولة مثل العراق، نفوسها أكثر من ثلاثين مليوناً، لا أعتقد أنها اليوم تترجم أكثر من خمسين كتاباً في السنة، وليس وارداً لدى مؤسسة غير حكومية مثل اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين النهوض بأي مشروع للترجمة وذلك لانعدام التمويل. وزارة الثقافة هي الأخرى ليست معنية جدياً بمشروع وطني للترجمة، وهي وزارة أزمة لا وزارة للثقافة.

إن أغلب التراجم المقدمة إلى القارئ العربي، تخضع لاعتباطية الاختيار ومزاجية المترجم، وحسابات دار النشر، وهي تجارية في الغالب. فما أن يشيع كتاب مهم في أوروبا أو أميركا حتى تسارع دور النشر العربية إلى التسابق على ترجمته، وربما هذا ما جعلنا نلاحظ وجود أكثر من ترجمة لعمل واحد، سواء كان العمل رواية أو عملاً فكرياً. وقد جر كثير من الإشكالات بين دور النشر حول حق الترجمة، في ظل غياب قوانين ضابطة، ومتابعة صارمة حول الموضوع، وذلك واضح وطبيعي ومعروف، إزاء النهم الكبير للإطلاع على ثمرات حضارية مغايرة. لكن ما هو غير طبيعي أن تقوم دور النشر بترجمة الكتب المهمة، أو الأسماء المهمة التي تشكل في محيطها الحضاري ثقلاً مميزاً إلا أنها ليست حاجة اجتماعية راهنة في مجتمعاتنا. حيث الربح هو دافع الترجمة، بعد غمط حقوق الكاتب واعتصار جهد المترجم من دون رحمة. أما ترجمة العلوم فشبه معدومة، والخلل الحضاري فيها واسع وشامل. من النادر جداً ايجاد جامعة عربية تترجم آخر ما استجد في العلوم النظرية كالفيزياء، والكيمياء، وتكنولوجيا النانو، ونظريات الفضاء. السبب ببساطة هو تخلف تلك الجامعات سواء في العلوم النظرية أو التطبيقية. والقارئ في حقول مثل تلك هو متلق سلبي أغلب الأحيان، ضمن أرض غريبة، مفاهيمها مغايرة تماماً.

والناشر العربي أصبحت لديه حساسية عالية حول الكتاب الرابح، وهذا من حقه أيضاً، لكن في هذه الحالة ما ينبغي عليه القيام به هو تقديم كتاب مترجم يكون وفياً للأصل أولاً، ويمتلك الحد المقبول من النسق اللغوي العربي ثانياً، سواء في بناء الجملة العربية أو الحفاظ على التماسك النحوي وصحة الصرف أو نقل الفكرة تامة، ويكون خالياً من الأخطاء الطباعية. إن الحد الأدنى ذاك لا بد من توفره، وهذا ما يجب على رقابة المطبوعات الموجودة في بعض الدول العربية أن تركز عليه أولاً، وليس البحث عن كلمة نابية أو فكرة تمس هذا الخط الأحمر أو ذاك. ولعل تركيز الرقابات العربية على المحرمات في الترجمة، وغيرها، هو ما جعلها تنصرف، على ما أظن، عن سلامة اللغة العربية الموجودة في العمل المترجم، أو غيره، وهذا ما يلاحظ بشكل كبير في عدد من دور النشر العربية هذه الأيام، حتى بات ظاهرة لافتة للنظر. ما يتم منعه في معارض الكتب لا علاقة له بالنوعية، بل بالأفكار والأجواء فقط، وغالباً ما يشتمل ذلك على ثالوث الجنس، والدين، والسلطة.

تقرأ رواية مترجمة أو مجموعة قصصية، تقرأ كتاباً فكرياً لهذا الكاتب المشهور أو ذاك، فتفاجئك الأخطاء النحوية واللغوية والطباعية، وهشاشة تركيب الجملة، بل وركاكة الفكرة المنقولة، فتتعجب أشد العجب. هل أن كتّاباً مشهورين لهذه الدرجة يمكنهم أن يعبروا عن فكرة معينة بهذه الركاكة، وهل يفتقدون العمق حقاً رغم شهرتهم؟ هل فهم المترجم النص، بلغته الأصل، أم أن المترجم لا يدرك قوانين لغته الأم التي يترجم إليها، لذلك يصعب عليه صوغ جملة واضحة وعميقة بهذه اللغة، وبالتالي تفقد أعظم الكتابات عمقها وشفافيتها ووضوحها؟ مع التنويه هنا أن غالبية المترجمين ينقلون النص، أكثر مما ينقلون الحضارة ببعدها التاريخي، الحضارة الكامنة وراء الكلمات، وذلك لضعف المعايشة مع مجتمع النص غالباً.

معضلة الكتاب العلمي النظري المترجم، تتمثل بقصور اللغة العربية عن استيعاب المصطلحات الجديدة، فهي، حاضراً، وليدة مجتمعات متخلفة عن الحضارة الألكترونية التي يعيشها الآخرون، الغرب وأميركا واليابان على وجه الخصوص. في هذه الحالة قد يفضل القارئ المتخصص قراءة البحث العلمي بلغته الأم أكثر مما يفضل قراءته بشكل هجين في اللغة العربية. في مجتمعات لا تمتلك دراسات فضائية ومحاولات تطبيقية لتلك الدراسات على سبيل المثال، كيف لها استيعاب هكذا حقول عبر الترجمة؟ ثم يعجب القارئ، المتخصص، بهذه الاستهانة التي يتعامل بها المترجمون، والناشرون، مع الكتاب المترجم، فلا يرف لهم جفن في تقديمه بأخطائه النحوية المخجلة التي ينبغي على أي طالب في الثانوية أن يتقنها، أو في نقل الكتاب عن غير لغته الأصل رغم شيوع تلك اللغة بين المترجمين.

هل يعقل أن يترجم كتاب صدر باللغة الألمانية عن الفرنسية؟ أو كتاب صدر بالتركية عن اللغة الروسية مثلاً؟ بل وثمة مترجمون يدافعون عن الغلط، والتخليط، الحاصلين، ولا يرضون بالنقد الموجه لهم، كون الجهد حسب الدفع، ولا من يرى، أو يسمع. فيفكر المرء ويتساءل مرة ثانية، أين هي الرقابة إذن؟ حتى صار يشك أن الرقيب لا يفقه لغته أيضاً، وإلا لما ترك مثل هكذا نصوص تنزل إلى السوق، وبهذه الفضائح والمجازر اللغوية. إن من أبسط مواصفات دار النشر التي تحترم ذاتها، توظيف شخص يتقن اللغة ويمتلك قدرة على الحكم على أسلوب النص، ومدى سلاسته ودقته وبعده عن الركاكة، ناهيك عن المراجع الذي يتأكد من دقة الترجمة. ولطالما سمعنا بدور نشر عالمية تتحكم في صياغة إبداعات حتى الكتّاب المعروفين، كون دار النشر لها رؤيتها للكتاب الذي يخرج من مطابعها، ونوعيته، وسوية الرفعة الفنية التي يجب أن يكون عليها.

هل هي استهانة بالثقافة العربية وإدراك القارئ إذن؟ هل هو عدم احترام لتلك الثقافة من حيث العمق والدقة؟ هل هو عامل الربح والتجارة الذي يجعل همّ دار النشر التعجيل بإصدار الكتاب قبل غيرها من الناشرين؟ هل هي فوضى الترجمة التي تعتقد أنها تتعامل مع قارئ بليد، يأكل كل ما يقدم له كأي مخلوق جائع؟ أم أن السبب يكمن في فقدان المعيار في عملية الترجمة، والفوضى الضاربة في سوق الكتاب، وانشغال الرقابة بجوانب أخرى تعتقدها أكثر أهمية؟ كل تلك الأسئلة تثار أمام القارئ وهو ينتقل بين دور النشر علّه يجد استثناءات يعتد بها، إلا أنه سرعان ما يعاقر إحباطاً بعد إحباط، ويعود الى الحكمة المتوارثة التي تقول لا يصلح العطار ما أفسد الدهر. ويبدو أن الفساد شامل، وهو متغلغل في كل زاوية من زوايا حياتنا العربية السقيمة.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق