أسئلة تؤرقنا جميعاً / كامل يوسف حسين

من جديد يعود العراق الشقيق لاستقطاب الاهتمام، على امتداد عالمنا العربي، وذلك مع انطلاق الناخبين العراقيين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات ربما تعد الأكثر إثارة للجدل والنقاش في أي انتخابات عربية منذ سنوات بعيدة. وقد سبق لي أن أشرت إلى أنها في الغالب ستواكبها أعمال عنف مدوية، قياساً على انتخابات 2005 وفي ضوء قراءة التفاعلات التي سبقتها.

لكن ذلك لم يمنعني في حينه، من الإعراب عن تفاؤلي بالمرحلة المقبلة من مسيرة العراق، على الأقل مقارنة بسنوات الغزو والدمار، التي خاض القطر الشقيق عبابها، ودفع أبناؤه ثمنها غاليا من دمهم وأمنهم ونزيف وطنهم الراعف، ولا يزالون يدفعونه، وهو لن يسوقنا الآن إلى التراجع عن تمسكنا بهذا التفاؤل. وفي معرض تبريرنا لهذا التفاؤل أشرنا إلى عناصر عدة، في مقدمتها أن العراق يطل بالنسبة إلى الأسواق الدولية كفرص استثمارية فريدة من نوعها، وأن مؤسساته تشق طريقها إلى الشرعية وعبرها، وقوى الجيش والشرطة تغدو أكثر قابلية للاعتماد عليها، كما أن قادته السياسيين على اختلافهم قد بدأوا يدركون أن موارد العراق الكبيرة التي يمكن للجميع أن يستفيد منها، يفرض تطويرها التوصل إلى حلول وسط للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها.

هنا لابد لي من الاستدراك، لتأكيد مجموعة من الحقائق التي أعتقد أنها تفرض غابة من علامات الاستفهام، وفي مقدمتها ما يتعلق بالنقاط التالية:

أولا ـ مجرد انطلاق الناخبين العراقيين إلى المقار الانتخابية يفرض علينا أن ندرك أن أمن العراق لم يعد مسألة تتعلق بالتصدي لعناصر متشددة، أو إيقاف عصابات إجرامية، وإنما هو أوسع من ذلك بكثير. إنه قضية تضرب جذورها في بناء صرح الوحدة الوطنية من ناحية، والتوصل إلى المصالحة السياسية بين الجماعات العرقية والطائفية من ناحية أخرى، وتنحية شبح الحرب الأهلية نهائياً من ناحية ثالثة.

حقاً إن أمن العراق اليوم أفضل كثيراً مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، ولكن التحسن الذي طرأ هو تحسن نسبي، فإمكانية حدوث انفجارات وهجمات مدوية لا تزال واردة، ومستوى الخوف في العراق مرتبط بالجرائم التي ترتكب بقصد تحقيق النفع المادي، مثل جرائم خطف الأطفال، التي عادت معدلاتها إلى التزايد مجددا، حيث تم الإبلاغ عن اختطاف 249 طفلا في العام الماضي، بحسب تقارير الداخلية العراقية.

ثانيا ـ هذه الانتخابات، على الرغم من أهميتها التي لا موضع للتشكيك فيها، ليست في أهمية المفاهيم التي ستستقر في أذهان العراقيين، فهي ليست إلا البداية في إطار تطور ممتد، يتعين من خلاله إقرار حكومة تجمع بين الإنصاف وبين الاستجابة لمطالب الشعب، ولا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق لكي يتوقع أنه قد لا يفوز تحالف بعينه بأغلبية ساحقة، الأمر الذي يعني أن من كانوا يأخذون بتلابيب بعضهم البعض بالأمس سيتعين عليهم التفاوض في الغد القريب على كيفية توزيع السلطة. فهل هذا بمقدور الجماعات والأحزاب المعنية حقا؟

ثالثا ـ هذا التفاؤل الذي شددنا عليه لن يمنعنا من أن نطرح أسئلة يمر طريق المستقبل العراقي بالتوصل إلى إجابات صريحة عنها. ومن منظور بعض المراقبين كان انسحاب السنة من انتخابات 2005 كارثة حقيقية، فهل نحن بين يدي تكرار لسيناريو مقارب أم أن هذا الاحتمال سيتم تجاوزه؟

ما الذي ستكون عليه العلاقات بين المكونات العرقية والطائفية للعراق في المدى البعيد؟ كيف ستقسم الحكومة العائدات النفطية؟ هل ستصبح الحكومة مركزية بشكل أكبر أم أن شمال العراق سيزداد إيغالا في مسيرته الراهنة؟ كيف سيتم إدراج العناصر الكردية والسنية العسكرية في قوى الأمن؟ ما هي طبيعة العلاقات التي ستربط العراق بجيرانه وكيف ستؤثر على السياسات الإقليمية؟

رابعا ـ ثمة علامة استفهام أردنا إفرادها لأهميتها البالغة، فهل سيمضي برنامج الانسحاب الأميركي من العراق وفق ما هو مقرر له؟ الواقع أن هناك تيارات قوية في واشنطن تشدد على ضرورة بقاء قوات الاحتلال الأميركية في العراق سنوات عدة، إما بشكل مباشر وإما من خلال تغيير تسمياتها إلى «خبراء عسكريين». فهل يتحول الانسحاب من العراق إلى وعد انتخابي آخر لم يف به الرئيس الأميركي باراك أوباما؟

إن الذين تابعوا المرحلة المفضية إلى الانتخابات العراقية، على امتداد عالمنا العربي، لا يملكون إلا التساؤل، في ضوء التوترات وتبادلات الاتهام التي شكلت أبرز ملامح هذه المرحلة، عما إذا كان العراق بسبيله إلى أن يشهد انطلاقة جديدة نحو الخلاص من سنوات الغزو والدمار إلى سنوات الحرية التي جسد جواد سليم روحها في نصبه الشهير، أم أنه بين يدي التردي في مستنقع يشكل تنويعا على تلك السنوات الرهيبة المترعة بالعذاب والمعاناة؟

الرد على هذا التساؤل تقع مسؤوليته على كاهل السياسيين العراقيين، في المقام الأول، خاصة إذا تمكنوا بعد الانتخابات من التوصل إلى تشكيل حكومة معتدلة ومتوازنة وقادرة على تلبية احتياجات الشعب العراقي الجذرية، المتعلقة بالعراق الوطن والدولة، حكومة تعبر عن تطلع العراقيين إلى استعادة دولتهم وتشكيل مستقبلهم بأنفسهم، واستبعاد المنافي والمعاناة والانسحاق من قاموس أبناء العراق.

فهل سيتحقق هذا التطلع أم سيظل العراق يتخبط في سنوات الغزو والرماد؟ ربما كان شروق شمس الغد يحمل لنا الملامح الأولى من إمكانية التصدي لهذه الغابة من علامات الاستفهام التي تؤرقنا جميعا نحن العرب من الماء إلى الماء.

عن جريدة البيان 6/3/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق