أساطير الإعجاز العلمي؟ / خالص جلبي

أساطير الإعجاز العلمي؟ /    خالص جلبي

أرسل لي الدكتور والكاتب حمزة الرستناوي بحثا شيقا يفند فيه مزاعم زغلول النجار، حول تركيب آيات سورة يوسف على الكواكب الأحد عشر، أنها فعلا 11 كوكبا في النظام الشمسي؟!

ونظرا لقصة بلوتو والخلاف حوله فقد ناقش الرستناوي هذه المسألة بدقة يحسد عليها، ليصل إلى نتيجة مفادها أن هذا اللون من التفكير خاطيء وخطير وغير مجدي بل ولا يخدم الإيمان الذي بدأ صاحبه في استخدامه لإقناع الناس بالقرآن لقوم لن يؤمنوا بهذه الطريقة قط.

وأذكر جيدا مع مطلع عام 2006م أن العالم انقسم إلى فريقين يختصمان، في مشكلة رسومات الكرتون، والسماء مشغولة بنبأ عظيم في الاستعداد لكشف آخر كوكب في المجموعة الشمسية، بإرسال مركبة الآفاق الجديدة (New Horizons) إلى بلوتو، الذي يبعد عن الشمس مسيرة خمسة مليارات كم، مقارنة بالأرض التي تبعد 150 مليون كم عن الشمس، أي أبعد من الأرض عن الشمس بـ 33.33 مرة، فيصل ضوء الشمس الكوكب في 4,5 ساعات، مقارنة بالأرض التي يغمرها في ثماني دقائق.

وتم إرسال المركبة على ظهر الصاروخ (أطلس) بسرعة أشد من طلقة الرصاصة بتسع مرات، ما تشكل أكبر سرعة قذف بها جسم فضائي حتى ذلك الوقت، ليصل إلى القمر في تسع ساعات، بدلا من ثلاث أيام قطعها رواد أبولو فيما سبق، وبعد محاذاة المريخ وحزام الكويكيبات (Astroides) ستأخذ المركبة دفعة من الكوكب الغازي المشتري(Jupiter)، فتصل بعد تجاوز زحل وأورانوس ونبتون إلى كوكب بلوتو على شكل مستقيم.

وبلوتو يسارع في الابتعاد عن الشمس حالياً، وإذا لم يتم التزود من المشتري؛ فسوف تتأخر وصول المركبة الحالية خمس سنوات إضافة إلى الزمن المخطط لها لتبلغه في 15 سنة بدلاً من عشرة. وهذا يعني أن اللقاء القادم مع بلوتو سيكون في القرن الثاني والعشرين، باعتبار أن سنة بلوتو ليست مثل سنة الأرض، فدورة بلوتو تزيد عن مائة عام مما تعدون، مقابل 365 يوما للأرض.

وكما كانت في بعثة المريخ الأخيرة (الباثفايندر والسوجرنير) حيث اقترب من الأرض مالم يقترب منذ ستين ألف سنة، كذلك الحال مع كوكب بلوتو حاليا. وهذا يعني أننا سنأخذ خبرا عن بلوتو مع البعثة الحالية (الآفاق الجديدة) بين عامي 2015 و2020 ميلادي.

وقريبا سوف تنزل الثلوج على سطح بلوتو من غازات الميتان وأول غاز الفحم والآزوت على شكل ندف الثلج، وليس من كوكب يتقارب فيه الصيف والشتاء مثل كوكب بلوتو.

ومع أن المناخ يتبدل في بلوتو إلى الصيف أحيانا، ولكن درجة الحرارة فيه تهبط إلى 230 تحت الصفر، أبرد من صقيع كندا في يوكوتان، كما أعلن الفلكيون في نهاية عام 2005م، مع العلم أن الصفر المطلق هو 273.15 تحت درجة تجمد الماء. وهذا يرجع إلى البعد السحيق للكوكب مقارنة بالأرض، فضوء الشمس يقطع الطريق إلى الأرض في ثماني دقائق عبر 150 مليون كم من مسافة ابتعاد الأرض عن الشمس (90 مليون ميل)، وهو يحتاج إلى 4,5 أربع ساعات ونصف حتى يصل بلوتو، في مسافة تبلغ خمس 5 مليارات كم (4 مليارات ميل)، والشمس على ظهر بلوتو تتراءى مثل القمر بدرا في ليلة العفراء.

وفي هذه الرحلة السحيقة لن يمكن الاعتماد على الحجرات الضوئية، وزودت مركبة (الآفاق الجديدة) ببطارية نووية يشرف عليها روبوت بحجم بيانو موسيقي، وسوف تنام المركبة عبر الشتاء الكوني، وتستيقظ في السنة مرة واحدة من أجل التأكد من صحة المسار، وقبل الوصول إلى بلوتو بأسبوعين سوف تنهض من السبات الشتوي؛ فترسل مسبارا يطوف بالكوكب يوما كاملاً قبل الرسو على ظهره.

إن عين العلماء حاليا متفتحة على شهية كبيرة لمعرفة تاريخ الكون الفعلي منذ الانفجار العظيم قبل 13.7 مليار سنة، وكما حفظت العظام في شرق أفريقا فانفتح سفر علم الانثروبولوجيا وتاريخ الإنسان، كذلك كان الحال مع حفظ تاريخ الكون على ظهر بلوتو الصقيعي.

والسيد (آلان ستيرن Alan Stern) رئيس البعثة العلمية يقول كما ينقل عنه أولاف ستامبف إن هذه البعثة هي تتويج لكل الرحلات السابقة، وسوف نلمس حائط النظام الشمسي الآن، وفي رحلتنا عبر النظام الشمسي لن نقطع مسافة خمسة مليارات من الكيلومترات فحسب ؛ بل العودة إلى الزمن القديم قبل أربع مليارات سنة، فتاريخ الكون من الانفجار العظيم مجمد على ظهر بلوتو، كما في حشرات الكهرمان التي عاشت زمن الديناصورات وأوحت بفلم جوراسيك بارك.

في الواقع بدأ مشروع الرحلة الجديدة منذ فترة عند وكالة ناسا لارتياد الفضاء، ولكن كلفة المشروع الكبير وصل إلى حافة المليار دولار فألغت المشروع، ولكن أمواجا من الايميلات انهمرت على وكالة ناسا مما حملها على إطلاق المشروع مع حملة تبرعات وصلت إلى 500 مليون دولار من أثني عشر جامعة وشخصيات علمية بل وعشاق الكوكب بلوتو. وكلفت هذه المركبة 800 مليون دولار.

إن اسم كوكب بلوتو جاء من عالم الرومان وهو رمز إله العالم السفلي، وبدأت قصة اكتشافه الغريبة منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث تمت ملاحظة كوكب مجهول السير أدخل الاضطراب على فهم مسار نبتون وبلوتو، وفي عام 1931 م جاء شاب متقد الحماس هو (كلايد تومبو Clyde Tombaugh) ابن مزارع من ولاية ايلينوي الأمريكية، بعمر 24 سنة، فتتبع مسار الكوكب المجهول إكس، في عمل وصل به حافة الإجهاد الإعظم، كاد أن يهلك بسببه، كما قال لاحقا، وهو يذكرني بتحضيري لامتحان التوجيهي في شبابي قبل دخول كلية الطب، فقد صور في عمل حافل متواصل 90 مليون صورة للكوكب المجهول (إكس X)، عسى أن يجتمع بكواكب أخرى فلم يحصل له إلا مرة واحدة وكشف كوكبا يتيما فقط، وهو دأب الأعمال العظيمة دوما، من فلك واقتصاد وفيزياء ورياضيات وموسيقى، كما في اكتشاف كوبرنيكوس المزلزل عن حركة النظام الشمسي، ورياضيات التفاضل والتكامل في وقت واحد على يد كل من لاينتس الألماني ونيوتن البريطاني، أو ديكارت في كشفه الهندسة التحليلية، أو آينشتاين في النسبية؛ فبقي أي آينشتاين بعدها عشرين سنة يبحث عبثا عن معادلة واحدة تضغط القوى الكونية الخمسة في معادلة واحدة فلم يفلح.

وفي عام 1951م قام فلكي هولندي هو (جيرارد كويبر Gerard Kuiper) بكشف مثير عن غلاف أو جدار من الكويكبات يطوق بحذر نظامنا الشمسي، مثل الدرع من حجارة وصخور وكويكبات، ولم تكن تلسكوبات ذلك الوقت قادرة على الجزم بما قاله على شكل نظري، حتى تم التأكد من ذلك عام 1992م، حيث كشف عن جدار مثير يمثل حزاما حاميا لنظامنا الشمسي في ظهر بلوتو، أخذ اسم (عناصر حزام كويبرKuiper – Belt – Objects KBO =) في المنطقة التي لا اسم لها، وما كشف عنه حتى الآن زاد عن 800 عنصرا تزداد باضطراد، أخذت اسماء مثل أوركوس وسيدنا وكيوار (Quaoar,Sedna,Orcus) ومما عرف عن بلوتو أن له ثلاث اقمار وغلاف جوي رقيق.

ياترى هل ما جاء في القرآن عن منام يوسف سوف يتحقق أنه رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا له ساجدين، ونحن نعرف من الكواكب في نظامنا الشمسي حتى الآن تسع هي (عطارد والزهرة والأرض والمريخ وحزام الكويكبات والمشتري وزحل وأروانوس ونبتون وبلوتو) فهل سيضاف اثنين آخرين للمجموعة، أم سيتم تبني نظام شمسي جديد، كما يفكر الفلكيون بهذا؟ لقد حصل العكس تماما فقد تم اكتشاف كوكب آخر من حزام الهولندي (كويبر) في صيف عام 2005م يبلغ قطره 2700 كم، ما هو أكبر من كوكب بلوتو، بحيث فكروا جديا أن يلغوا اسم بلوتو من مجموعة الكواكب التسعة واعتماد تقويم شمسي جديد يضع في الاعتبار المجموعة الهائلة من الحزام الكواكبي المطوق للنظام الشمسي.

وأخيرا تم الإعلان عن وفاة كوكب بلوتو، فلم يأخذ اسم الكوكب التاسع؟ وهناك من هو أكبر حجما وأجمل دورانا واستدارة عند حائط النظام الشمسي؟

إن الديموقراطية انتقلت من الأرض إلى السماء على نحو مقلوب، فليس هناك من مزايا لكوكب إلا فيما يقدم، وبذلك لم يتم تحقيق الديموقراطية إلا في دوران الكوكب ورقدة القبر، ففي القبر ليس من أمير وصعلوك، بل الجثث وهي رميم، وتلك الوجوه عليه الدود يقتتل؟

ولا فرق بين الأموات، في ديمقراطية صارمة، ومساواة عادلة، وسبحان من قهر عباده بالموت، ورفع السموات بغير عمد ترونها؟

كلما قرأت سورة يوسف أتعجب من أمور لا تنتهي، وهي سمة القرآن، فمع كل قراءة تتجدد المعاني، والبارحة وصلت إلى سورة يوسف فوقفت مرة أخرى كيف سجدت العائلة ليوسف وأن سجود أحد عشر كوكبا جاء تفسيره في النهاية بسجود الأخوة وهو أمر لم يحدث إلا حين طلب الله من الملائكة السجود لآدم فأبى إبليس.

كذلك وقفت عند موقف يعقوب وهم يخبرونه بكل بساطة أن ابنه الذي يحبه أصبح في بطن الذئب؟ قلت لمن حولي ماذا كان أحدنا سيتصرف لو جاءه خبر من هذا النوع؟ طرد الأخوة بالجملة، وحفلة تحقيق جهنمية، وضرب بالعصا والخيزران، وصراخ تنشق منه السموات، ولطم ولبط وخبط؟ قال يعقوب صبر جميل والله المستعان على ما تصفون؟ إنه موقف يخجل ويرتعش منه الإنسان على هذا الخلق السامي؟

ومما استوقفني عدد الكواكب أنها أحد عشر، " إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين." لقد ذهب أصحاب التفسير العلمي حين وصلوا إلى بلوتو، أنه الكوكب التاسع من المجموعة، وبقي أن يكتشفوا الرقم عشرة و11 فتصح الآية ويظهر الأعجاز؟ و(يزبط) المعنى؟، وهو تمحل ومماحكة وقلة عقل في فهم مرامي الكتاب والسبع المثاني من القرآن العظيم.

والجواب الذي جاء من المؤتمر العلمي الأخير لعلماء الفلك أعطى التفسير العكسي؛ فبعد أن كانت هناك توقعات بتوسيع النظام الشمسي ليضم 12 كوكبا، حدث العكس وانخفض عدد كواكب المجموعة الشمسية إلى 8 ثمانية، بعد أن قرر اتحاد الفلكيين الدولي في اجتماعه الأخير تجريد الجرم السماوي بلوتو من لقبه ككوكب. وبهذا يتغير عدد الكواكب من 9 إلى 8، وهم عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل وأورانوس ونبتون. جاء هذا بعد أن وضع اتحاد الفلكيين الدولي بالعاصمة التشيكية (براغ) في 24 أوجست 2008م تعريفا علميا محددا للجرم السماوي المسمى "كوكبا"، مما أدى إلى تجريد بلوتو من تصنيفه كـ (كوكب) لأنه لا يطابق المواصفات. وأدى هذا التعريف الجديد للكواكب، إلى طرد بلوتو من قائمة كواكب النظام الشمسي، بعد أن ساد له الاعتراف لمدة ثلاث أرباع القرن. ولكن هذه هي الحياة، وهذه هي روح العلم، حذف وإضافة لا يعرفان الهدوء؟

وكان الجرم السماوي بلوتو قد تم اكتشافه عام 1930، وقد تقرر أن يصنف من الآن فصاعدا إلى "كوكب قزم" مما يجرده من تعريفه ككوكب. ورغم أن القرار مؤلم إلا أنه كان من الضروري اتخاذه حسب تصريحات (هاينو فالكه) عالم الفلك من جامعة نييمجن. قال الرجل:

"كلنا نعرف بلوتو ونحبه جدا. بالطبع إنه شيء مؤلم فقدان شخص عزيز فجأة، لكننا اكتشفنا أنه واحد من كواكب قزمة كثيرة. يجب علينا أن نتقبل أن العلم يتطور وأننا نكتشف يوما بعد يوم أن نظامنا الشمسي أكبر بكثير وأكثر إثارة مما تخيلناه وأن علينا تغيير التقييمات الحالية.

وكان سبب هذا التحول الدرامي وإعلان نعوة بلوتو من قائمة الكواكب الحية بعد اكتشاف جرم سماوي تبين أن قطره أكبر من قطر بلوتو، فكان من الضروري تحديد التعريف الجديد للكوكب هل هو الحجم أو الدوران المنفصل لوحده حول الشمس أو كلاهما؟ أو غير ذلك؟ كان ذلك بعد اكتشاف عدة أجسام في نظامنا الشمسي تشبه بلوتو. ومثلا ففي عام 2007م تم اكتشاف جسما وراء بلوتو يفوقه حجما، وسمي هذا الجرم برقم "2003 313UB" أو بشكل غير رسمي "زينا".

وبسبب تفوق حجمه عن حجم بلوتو، وجد العلماء أنفسهم أمام السؤال؟ عما إذا كان يجدر ضمه إلى الكواكب التقليدية، أم تجريد بلوتو من لقبه ككوكب. وفي هذا الإطار يقول العالم فالكه: "هناك احتمالات متعددة لتعريف الكواكب. ولم نكن قد قمنا بذلك حتى الآن لأنها كانت موجودة بكل بساطة. لكننا توجب علينا لأول مرة التفكير في تعريف محدد للجرم السماوي المسمى كوكب".

وسوف يؤدي هذا القرار إلى تغيير الكتب المدرسية، حيث تم تحديد ثلاثة أصناف من الأجرام السماوية، كما يشرح عالم الفلك الأمريكي ريتشارد بينزل:

"تم تعريف مصطلح كوكب بدقة على أنه جسم له شكل مستدير بسبب الجاذبية الخاصة به، وله مدار ثابت حول الشمس لا يتقاطع مع مدار آخر".

أما الكوكب القزم فهو أيضا جرم سماوي له شكل مستدير بسبب الجاذبية الخاصة به، ولكن مداره يتقاطع مع مدارات أخرى، أما الأجرام الصغيرة التي تدور حول الشمس دون أن يكون لها جاذبية كبيرة بما يكفي لتكون مستديرة، فيطلق عليها جسيمات النظام الشمسي."

انتهت أسطورة بلوتو وتم حذفه من النظام الشمسي في الدرجة التاسعة وأصبح النظام الشمسي يعتمد نظام الثمانية، وهناك كواكب ملحقة، وهذا سيبقى حتى يحصل اتفاق جديد. وقد حاول علماء أمريكيون في المقام الأول الإبقاء على بلوتو ككوكب عن طريق اقتراح بجعل "كوكب" المصطلح العام لتلك الأجرام السماوية مع التفريق بين "الكواكب التقليدية" و"الكواكب القزمة".

هذه الاقتراح كان لينتج عنه وجود 11 أو 12 كوكبا في النظام الشمسي، ولكن أغلبية العلماء ومنهم هاينو فالكه رفضوا هذا الاقتراح فقال:

"هناك عوامل أخرى تلعب دورا، لكننا يجب أن نتجاهلها وأن نتقيد بالتعريف العلمي الصارم. هناك بعثات في طريقها الآن إلى بلوتو. إنها ذاهبة إلى كوكب، ولكنها سوف تعود من كوكب قزم. إن هذا لأمر محزن بكل تأكيد."

ولكن كنوع من التعويض تم اعتبار بلوتو نموذج لنوع من الجديد من الأجرام السماوية، وهي المتواجدة وراء كوكب نبتون. ولم يتفق العلماء حتى الآن على اسم لذلك النوع.

إن قصة يوسف تروي عن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر. فهل سيتم ترسيم النظام الشمسي هكذا؟ أو أننا أمام قصة أشد إمعانا في المغامرة وإغراقا في الألغاز؟

وأمام موضة الإعجاز العلمي لابد من التأسيس المنهجي للعقل الإسلامي الحديث، فقد راجت هذه الموضة حتى بارت. ومن حمل رايتها لم يتقدم كثيرا. وعلى الرغم من النشاط المحموم للجان الإعجاز العلمي في اللقاءات والمؤتمرات فلم تصل إلى فتح علمي يتيم، إلا من همهمة وموافقة اللجنة، على اكتشاف علمي قام به كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر؟

هذه الموضة، وهذا الاتجاه برمته، خطأ وخطر من ثلاث مداخل؛ شهادتنا ممن لا شهادة له من الكفار والملحدين ـ حسب وجهة نظرنا ـ وإعلان غير مباشر لإفلاس علمي في مؤسساتنا بعدم إفادتنا بالخبر اليقين عن تحقيق أي فتح علمي في جبهة من جبهات العلم إلا التكرار العقيم والنقل السقيم. وقبل كل شيء فإن مهمة القرآن هداية وموعظة وليست دليلا من الفيزياء والكيمياء.

نعم مازلنا نرزح في الظل والضلالة مع كل النصوص، و(فيزو) بكشف سرعة الضوء و(آينشتاين) بالنسبيتين، وأفوغادرو بالرقم الجزيئي والتفاعل، و(لافوازييه) مكتشف الأكسجين ومحطم أسطورة الفلوجستون، و(مندل) أبو قوانين الوراثة، و(مندلييف) عبقري سلم العناصر المعدنية، كلهم وصلوا إلى محيطات شاسعة من العلم الرباني بدون نص احد من كتاب مقدس إلا قدسية العقل والعلم، ذلك أن الكون كله آية، وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم..

أعرف إن هذا البحث مزعج وحساس، وقد يثير غضب البعض، ولكن لابأس من إنارة للوعي؛ فليس مثل الوعي نورا، وعلينا ان نقول كلاما يوقظ النائم، ويزعج المستيقظ، ويقلق المتشدد، ويطرب أولي الألباب.

كيف نحدد موقفنا في قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وموجة تحميل الآيات الى كل كشف علمي جديد؟

أعجبني ما قاله الطبيب (محمد كامل حسين) أنها: بدعة حمقاء، وتفاءل كثيراً بعد مقالته أن يكون قد وأد هذه البدعة، ولكن البدعة أطلت بقرنين ولجان الإعجاز العلمي في كل مكان يزعقون مع كل فتح علمي أن هذا سبق به القرآن، وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم.

ويعجبني ما كتبه المفكر الجزائري (مالك بن نبي) عن الفرق بين ما يبحثه القرآن، وما يعمل عليه العلم، فالقرآن وظف نفسه ليس للبحث في القضايا العلمية من فيزياء نووية وكوسمولوجيا (علم فلك) وانثروبولوجيا (علم الإنسان)، بل كان اهتمامه مصبوباً على إيجاد المناخ العقلي الذي يوفر الجو لنمو كل العلوم بشكل تراكمي سليم.

ويعجبني ثالثاً (الصادق النيهوم) حينما اعتبر القرآن أعظم كتاب بحث مشكلة تحرير الانسان من خلال مفهوم التوحيد، أكثر من أي كتاب آخر.

أما تدشين اتجاه كامل عن الإعجاز العلمي، والركض خلف العلوم والآيات وأيدينا مشرعة نصيح: لقد سبقتكم الآية بالكشف.. إنها موجودة في القرآن؟؟؟؟… يحمل مجموعة من الأخطاء القاتلة تنتهي مع الانحراف عن كل رسالة القرآن، فليس أضر على قضية رابحة مثل الدفاع عنها بمحامي خايب. والمحامون الخائبون في العالم العربي أكثر من رمل عالج في اليمن كما رأينا في بنت القذافي ومعها المئات في الدفاع عن الطاغية صدام؟؟

كما أن اللعب بالألفاظ، للوصول إلى الحقائق، كما هو في كتابات الشحرور الشامي، لاتزيد عن شعوذة جديدة، وكيمياء مزورة، فنخرج أرانب بيضاء من قبعات سوداء، كما فعل في تحويل الأنبياء إلى قوادين ـ عفوا من التعبيرـ فابن نوح لم يكن ابنه بل ابن زنا، وذلك في اللعب بكلمة ابن وولد؟ أو أن عبارة يضربن بأرجلهن تعني (الستربتيز = التعري) تجعلنا نحك رؤوسنا عجبا، ولكن مع ذلك وصف الله الشعراء بأنهم في كل واد يهيمون.

يقوم الفكر التقليدي والتراث كله على فهم أن المعجزة كسر للقانون واختراق للسنة؛ فحتى تثبت القدرة الإلهية يجب بناء الفوضى، ولكن لا يوجد خلف القانون إلا اللا قانون.

وحين نرى قدرة الله لا تظهر إلا بقدر خرق قوانين الطبيعة، وأن أقوى برهان على وجود الله زعزعة الثقة في نظام الطبيعة، هو جهل بالله وبالطبيعة وبالقانون على حد سواء، على حد تعبير فيلسوف التنوير الهولندي سبينوزا.

لقد ثبت فشل أسلوب المعجزة في التاريخ؛ فلم يؤمن فرعون مع تسع آيات بينات، وبقدر غزارة خوارق المسيح، قفز مسلسل البطش بالمسيح الى حافة المصلبة، كما راهن عليه الأنبياء الكذبة ومازالوا، والمسيح الدجال سوف يقوم بحملة معجزات تؤكد كذبه الى درجة إحياء الأموات.

وما سمي بالمعجزة انتظمت وفق قانونها الخاص الذي نجهله، لم يخرق فيه القانون أو يدشن الاستثناء، ولم يزد عن حدوث ظاهرة خاضعة لسنة الله في خلقه، مجهولة الكيفية لعقولنا، بسبب غموض قانونها أمام وعينا وقصور علمنا وقتها؛ فالله أجرى الوجود وفق سنته التي لا تتحول ولا تتبدل. هكذا قال القرآن سنة الله في خلقه وخسر هنالك المبطلون.

لو عرض اليوم الفاكس معكوساً ألف سنة الى الخلف لاعتبروه خارقياً معجزاً، ولو استخدم التلفون أو الكمبيوتر زمن البعثة لكان معجزة لا ذرة للتردد فيها!!

المعجزة تعتمد الخلاب والخوارقية، والقرآن حرَّم على نفسه هذا الاتجاه، في اتجاه بناء عقل منهجي سنني، فلم يستجيب لطلبات المشركين الصبيانية، بطلب لائحة من المعجزات، تتراوح من فتح بئر ماء ارتوازي في الأرض، وبستان تفاح وعنب، وفيلا أنيقة، والعثور على كنز روماني في الأرض، الى إحضار الله شخصياً مع الملائكة فيما يشبه الاستعراض العسكري.

جاء في سورة الإسراء هذه القائمة من الطلبات التعجيزية السبع؟

وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا(1) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب (2) فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (3) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا (4) أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (5) أو يكون لك بيت من زخرف (5) أو ترقى في السماء (6) ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه (7)؟ قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا؟"

ماهي الطلبات باختصار؟ إنها ليست كمبيوتر لاب توب؟ ليست انترنت متطور؟ ليست ماكينات صرف مالية في كل العالم؟ ليست علم النانو، والفيمتو ثانية، والانفجار العظيم، والميتوكوندريا في الخلية، والحامض النووي في ثلاث مليارات حرف، وتصنيع الجينات في معهد جيني أرت (Geneart) في ريجنسبورج في ألمانيا، ومزج الجينات بسلطة فواكه من البكتريا والنباتات والحيوانات؟

ليست كل هذا بل بئر ارتوازي؟ بستان من الفاكهة؟ بيت متحفي؟ الطيران في الفضاء؟ هبوط نيازك؟ ولكن أوقحها في قلة العقل حضور الله شخصيا مع الملائكة في استعراض عسكري، والعين البشرية تحترق بوهج بضعة آلاف شمعة، والسمع ينطفيء مع 200 ديسبل؟ مع بعض مكبرات الصوت في أماكن في العالم الإسلامي، فإذا أذن المؤذن نفخ في الصور؟

لقد طلب موسى رؤية الله، وهو جهل منه بقدر العين في استيعاب الأشعة الكونية ومقدار الشمعات، فخر صعقا، وحين نريد رؤية الفيروس لابد من المجهر الإلكتروني، وحين نريد رؤية الذرة لابد من البروتوني، ولكن هناك حواف حدية تتهاوى عندها قوانين الفيزياء والبيولوجيا كما يذكر كلود برناد ذلك في كتابه (الطب التجريبي) ص 84:

"فإذا برهنا في الفسيولوجيا على أن أكسيد الكربون مثلا يسبب الموت لأنه أشد قابلية من الأكسجين للامتزاج بمادة كريات الدم، فقد عرفنا كل ما تمكن معرفته عن علة الموت. وعرفنا من التجربة أن شرطا من شروط الحياة قد نقص أو غاب. ويعجز الأكسجين عن الدخول في الكائن الحي لأنه يعجز عن إزاحة اوكسيد الكربون ومنعه من الاتحاد مع الكريات، ولكن ما السبب في أن أكسيد الكربون أكثر من الأكسجين قابلية للامتزاج بكريات الدم؟ وما السبب في أن دخول الأوكسجين في الكائن ضروري لازم للحياة؟ نصل بهذا السؤال الى حدود معرفتنا الراهنة. وإذا افترضنا أننا نستطيع السير بالتحليل التجريبي الى ابعد من ذلك وصلنا الى علة غامضة نضطر الى الوقوف عندها بدون أن نهتدي الى العلة الأولى للأشياء "

المعجزة محدودة الزمان. محدودة المكان. محدودة الرؤية من أشخاص بعينهم. لجيل محدد لا يمكن تكرارها، فلا يمكن يومياً شق البحار وفلع الصخور، واستخراج الجمال من الأرض.

ولكن القانون المتعانق مع العلم وجدلية العقل يسخر الكون كله يومياً في كل وقت من خلال الإمساك بمفاتيح سننه. فتطير الطائرات فوق الغمام ويتخاطب الناس بالصوت والصورة أفضل من جن نبي سليمان، وتتفجر الذرة بما لايحلم به زيوس رب الآلهة في الأولمب من امتلاق القوة؟

القانون يمنحنا السيطرة على الكون، والدجالون كلهم تجرى على أيديهم معجزات، ولكنهم لم يكسبوا الأتباع، ولم يتركوا لأنفسهم تاريخاً سوى الهزأ والسخرية والتندر وسوء الاسم، كما في قرآن مسيلمة الكذاب، بسبب بسيط أنهم اعتمدوا الخارق والأسطوري والخلاب، يحلمون مثل اجتماع حفنة من الرجال العاطلين على مضغ القات وسف الكوكائين واستنشاق الهيروئين وهم يدردشون!!

ترك التاريخ لنا بعض (سور) مسيلمة من قرآنه المزعوم فإذا كان محمد (ص) نزلت عليه سورة (البقرة) فقد نزلت عليه سورة (الفيل) ما هو أضخم من البقرة " "الفيل؟ وما أدراك ما الفيل؟ له خرطوم طويل. وذيل وثيل؟ " بفارق أن سورة البقرة اختصرها من 286 آية إلى أربع آيات!

وإذا كان محمدا ص تحدث عن البعوض والهدهد والنمل والنحل فقد نسي أن يتحدث عن الضفدع وهو من أجمل الفقريات؟ لذا كان قرآن مسيلمة أحفل بالنكتة؟

" يا ضفدع بنت ضفدعين. نقي ما تنقين. لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين. نصفك في الماء ونصفك في الطين)؟!!

إذا كنا سنعرف الله ونؤمن به، من خلال الخلاب والأسطوري وخرق القانون وإدخال الاضطراب الى نظام الطبيعة؛ فهذا منهج أقرب الى الإلحاد منه الى الإيمان. فهل بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون؟

ومن الغريب حقا أنه مع كل إلحاح القرآن وطبيعة الانتصارات التي حققها نبي الاسلام باعتماد القانون والمنهجية والعقلانية وافتتاح عصر جديد، بقدر ما كبت ثقافتنا على وجهها باتجاه السحري والأسطوري والخلاب، فكتب معظم تراثنا بهذا الضوء، وسطرت السيرة بكرونولوجيا غزوات وخوارق، في نكسة عقلية غير مفسرة وغير مفهومة، قادت الفكر الإسلامي الى وضع الكارثة التي نعيشها في الوقت الراهن.

عند هذه النقطة بالذات رسخ الفيلسوف (إقبال) مفهوم ختم النبوة على نحو رائع. إنها فكرة عملاقة تعني نهاية مرحلة توجيه الانسان ليقوم بنفسه، فالنبوة تحولت هكذا من نموذج قديم الى نموذج لا ينقطع مطلقاً، من نوع جديد يعتمد زخم العقل والعلم، وآيات الله في الآفاق والأنفس، والكشف عن مصادر الطبيعة والتاريخ.

مع هذه الفكرة ينتهي عصر (الخوارق والتفوق والامتيازات) فلا نبي بعد، ولا خوارق تدشن، وليس هناك من كاهن يعتمد، أو عراف يصدق، ووقت السحر ولى، ولا مكان لوراثة الملك والجملوكيات، والعلم هو الذي سيحتل الساحة من خلال الكشف عن القانون وتسخيره في كل مستوى.

جاء في كتاب (تجديد التفكير الديني) لمحمد إقبال ص 144 ما يلي:

" إن النبوة في الاسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة الى إلغاء النبوة نفسها. وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا الى الأبد على مقود يقاد منه، وأن الانسان، لكي يحصل كمال معرفته لنفسه ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو.

إن إبطال الاسلام للرهبنة ووراثة الملك، ومناشدة القران للعقل وللتجربة على الدوام، وإصراره على أن النظر في الكون والوقوف على أخبار الأولين من مصادر المعرفة الإنسانية، كل ذلك صور مختلفة لفكرة انتهاء النبوة. "

هذا ماقاله إقبال أما نحن فمازلنا نتناقش في مناطق من العالم العربي، حول هدم الكعبة لمنع الاختلاط، وجواز إرضاع المراهق، وهل يسمح للمرأة بقيادة السيارة؟ والتصفيق والزعيق والبعيق للقائد الديكتاتور أن يطيل عمره في مناسبة وغير مناسبة راكبا على ظهور العباد إلى يوم الدين.. اللهم آمين أمين؟؟

سئل أردني لماذا أنت مكشر؟ أجاب: قهوتنا مرة. وطبختنا مقلوبة. وبحرنا ميت. وخليجنا عقبة. ومغنينا مهاوش. وأغنيتنا ياويلك ياللي عادينا ياويلك ويل؟

 

عن موقع إيلاف

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق