أســـــود، دخـــــان الفاتيكـــــان / سمير عطاالله

أســـــود، دخـــــان الفاتيكـــــان  / سمير عطاالله

"لأن الأرض نفسها، التي غيرت كل ذلك العدد من المبادئ، يجب ان تغير مبادئ الحاضر".

ألبير كامو

 

عصفت بالحاضرة الفاتيكانية في الاسابيع الاخيرة، عواصف كثيرة. وحامت احدى هذه العواصف حول البابا بينيديكتوس الـ16 نفسه، يوم كان مطرانا على ميونيخ، عقر الكثلكة الالمانية، ثم يوم كان كاردينالا. وقد اخذت الوثائق المنشورة عليه، انه تلكأ في معاقبة قس موصوف بالاعتداء على الاولاد، مرة في ابرشية ميونيخ، ومرة في احدى كنائس كاليفورنيا.

 

وحاولت الكنيسة بادئ الامر ان تقول انها تتعرض لحملة منظمة، لكن بينيديكتوس الـ16 عاد فاصدر الاسبوع الماضي بيانا رسميا دعا فيه الى الندامة والتكفير. وكان الاحرى طبعا ان يدعو، سيد الاحبار، الى تطهير واسع في كنيسته، واعادة النظر في مؤسستها الدنيوية، خصوصا انها تحررت بعد الفي عام، من سيطرة الاحتكارية الايطالية والعقلية الايطالية والتأثيرات الاجتماعية الايطالية، في بلد اوصل مرة بنيتو موسوليني الى الزعامة، ومرة اخرى اوصل بالاقتراع المتكرر المطرب الفرفوش سيلفيو برلوسكوني.

 

لم يكن ممكنا في الماضي فصل الفاتيكان، على رغم "الكونكوردا" الشهير، عن روما السياسية وتقاليدها وغرقها العلني في الفساد. لكن كل شيء تغير مع وصول يوحنا بولس، مطران كراكوف، الذي لم يغير معالم الكنيسة ويمسح وجهها الجامد بتعابير الرحمة فحسب، بل ساهم في تغيير وجه العالم، واعاد بولونيا دولة مستقلة، وهز عظام يوسف ستالين الذي ذبح ذات مرة 22 الف بولوني في غابة كاتين، ثم ذهب باكرا الى النوم تلك الليلة، خلافا لعادته في البقاء مستيقظا اطول من المتآمرين، اي الشعب والحزب.

 

بعد البابا البولوني الباسم، الجوال، المتصالح، الذي سامح التركي الذي اطلق عليه الرصاص كي يزيل كل احتمال ازمة مع المسلمين، جاء بابا الماني، مطبق الامائر، تبدو ابتسامته دائما مفتعلة. فالالمان يولدون باحناك لا تضحك، خوف اضاعة الوقت، والتأخر على موعد المصنع. وفي ذلك تساوى هتلر واديناور والفراو انغيلا! وقد حمل البابا البولوني الى روما ثقافة تقبيل ارض البشر، كما سماها سانت ايكزوبيري، وحمل البابا الالماني ثقافة الادارة، والتنظيم، واعادة النظر في سبل الاستمرارية لاقدم مؤسسة قائمة على وجه الارض.

 

بدأت فضائح القساوسة والرهبان الداعرين ايام يوحنا بولس. صار رجال في الاربعين والخمسين من العمر، في فرنسا وكندا واميركا، يخرجون عن صمتهم وعذابهم، ليرووا ما تعرضوا له، اطفالا، في الاديرة ومدارس الرعية. وكانت القصص مقززة واجرامية ومن النوع الذي لا يغفره القانون العام، اذا ما غفرته افعال الندامة وصلوات التكفير ووعود التوبة! وبعض انواع هذه الامراض مستعص ولا يتاب عليه الا كذبا وتهربا. غير ان هالة يوحنا بولس تركت الفطاعات تمر على انها احداث من الماضي عفاها الزمن. والزمن الذي يعفو او يعفى عليه دائما زمن المجرم لان الضحية يلازمها زمنها حتى اهالة التراب فوق آخر رفة حياة.

 

لم يعد يوحنا بولس هنا كي يغطي بردائه الابيض ذكريات الالم في نفوس المصابين. وبدا من اتساع الحملة واصرارها، في الآونة الاخيرة، كأن الكثلكة في مواجهة شبيهة بأزمة ذلك الالماني الآخر، مارتن لوثر. وبعض الحاملين، اثاروا، ليس فقط معاصي ناكري النذور من مرتكبي الجرائم، بل ايضا معصومية البابا نفسه. فما كان منصور الرحباني مازحا عندما قال: "ما العصمة الا لنبي". لكن لسيد الفاتيكان عصمتين: دينية، باعتباره "الحبر الاعظم"، ورسمية، باعتباره رئيس دولة، وان تكن الاصغر على الكوكب.

 

تحت الضغط العالمي المتزايد، شكل الفاتيكان لجنة تحقيق في مئات – وربما آلاف – الشكاوى التي غامر المعتدى عليهم، بعرضها. لكن اللجنة مؤلفة من عشرة افراد والمسألة كارثة جماعية تشمل كرادلة وكهنة من النمسا الى ايرلندا. وفي الولايات المتحدة صرف 700 كاهن خلال ثلاث سنوات بتهم اعتداء مختلفة. على ان القصة التي فجرت كل شيء، هي ان البابا بينيديكتوس، لم يتخذ يوم كان كاردينالا في روما، قرارا في شكاوى ضد كاهن اميركي اعتدى على 200 ولد مصاب بالصمم، مفضلا بذلك ان يحمي الكنيسة، بدل ان يحمي اطفالها الذين ميزهم المسيح عن سائر الناس.

 

تحاول الكنيسة الكاثوليكية ان تدفع بالازمة الى عتم كراسي الاعتراف، فيما تسعى الصحف الانغلوسكسونية ("النيويورك تايمس"، "الغارديان"، مثالا) الى القاء كل ضوء ممكن على طبقة من المجرمين اختبأت خلف الثوب الكهنوتي، من اجل ممارسة الشذوذ الذي ولدت فيه، على ان هذه الظواهر المرضية لا تحارب الا بفضحها واحالتها على القانون العام واحكامه. لا يكفي ان تطرد الكنيسة الاميركية 700 كاهن ثم ترسلهم يمارسون الجرائم نفسها من دون غطاء الثوب. لقد خلخل الشك عقول المصلين وافئدتهم. كيف يصغون بعد الآن الى كاهن يقرأ فصلا من الانجيل، او يدعوهم الى المناولة، باليد التي عبث فيها في حياء طفل. او طفلة. لا حلول جزئية في القضية. الحل الوحيد هو ان تتأكد الكنيسة، ثم ان تؤكد، انها تطهرت من قتلة الارواح وجلادي النفوس. يجب ان تتأمل الكنيسة جيدا في الاثار الدائمة التي تركتها النزوات الشريرة على حياة الالوف من الناس، ويجب ان تفكر في اعداد الذين تحولوا الى شذاذ بفعل الاعتداءات الكريهة، ولم يولدوا في نقص او هوى بيولوجي.

 

ان تطرح هذه المسألة الوجودية في الكنيسة الكاثوليكية، لا يعني انها محصورة ضمن جدرانها. ثمة كنائس اخرى واديان اخرى سوف تخرج غدا لترفع عن ضميرها عقد الذنب التي الحقها بها كفرة محصنون باثواب تفوح منها رائحة العفونة. احدى الوسائل الضرورية هي التشهير بالمرتكب وليس التستر عليه، كما فعل المطران راتسينغر ثم الكاردينال راتسينغر، الذي رأى يوم صار في روما، ان يوحنا بولس اهتم بالعالم اجمع، او بالاحرى ربح العالم، وخسر سمعة بطرس. الم يكن يكفيه انه انكر سيده ثلاث مرات قبل صياح الديك.

 

لا بد من الفضح، ولو بعد حين. كان الدكتور سهيل ادريس قد بلغ الثمانين عندما قرر ان يكتب، في تلك الشجاعة التي رافقته ابدا، ان والده كان يُحضر الى منزل العائلة يافعا اشقر. اراد ان ينتقم لامه ولاشقائه ولبيروت المحافظة ذلك الوقت، من تهتك شاذ وبالغ الوقاحة. هذا ما يفعله ادباء كثيرون في اوروبا واميركا اليوم. يريدون ان يحموا الاجيال المقبلة من الاطفال من الفحش والتوحش، الذي يغري بعض البشر المشككين على خوف ضحاياهم من الفضيحة. القصص المؤلمة اكثر بكثير من ان تدرك الكنيسة ماذا ارتكب ادعياء يسوع والذين اقسموا على العفة والفقر واتباع ابن الانسان الذي وقف يصرخ بالراجمين: من كان منكم بلا خطيئة.

 

غير ان كنيسة المخلص لم تبن على اساس ان الضعف البشري هو القاعدة، بل اعطت رجلا يعيش بين الناس وينخرط في كل وجوه حياتهم، الحق في ان يكون معصوما كأنما هو جزء من الله وليس مولودا في عالم من الخطأة والمجرمين والشذاذ.

 

بعض المدافعين عن صمت الكنيسة على شذاذها يقولون، ان عالم المدنيين مليء بالانحراف، وينزلق نحو الانحطاط دون هوادة. وهذا صحيح. لكن العالم المدني متهم حتى يثبت العكس وليس عباءة بريئة حتى يثبت العكس. وانحطاط العالم المدني لا يبرر ولا يبرئ الانحراف الذي يصيب البعض خلف الجدران الدينية. ان يكون زعيم ايطاليا متهتكا وخليعا الى هذه الدرجة، لا يبرر لكاردينال في النمسا الاعتداء على الاطفال، والتغرير بهم وتهديدهم، وتلويث نفوسهم بالمرارة مدى الحياة.

 

يجب على الكنيسة الكاثوليكية ان تجلس هذه المرة في الجانب الآخر من كرسي الاعتراف. ان تقول لرعاياها انها لن تقبل بعد اليوم افاعي وعقارب في جيوب عباءتها. وانها سوف تضيف الى الوصايا العشر واحدة خاصة برجالها، حيث يتضاعف حجم الجريمة والاساءة والضرر. وانها لن تستر بعد الآن هذا النوع من الارتكاب.

 

ويجب ان تدعو الضحايا، في كل مكان، الى رفع رؤوسهم من اجل ان تخفض الى التراب رؤوس الفعلة والارتكاب.

 

 

عن جريدة النهار 21/4/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق