أسلمة اوروبا / محمد البدري

وقع طارق رمضان بين فكي اكثر رحي. فمن ناحية هو ابن عائلة مسلمة وسليل مؤسس جماعة الاخوان المسلمين في مصروعلي قناعة بان تطبيق الاسلام مهما كان مشوها افضل من أي شئ آخر لان الاسلام هو الدين الخاتم بل هو الدين الوحيد حيث كان الانبياء كلهم مسلمين وهو ما فتح النار علي معني اليهودية والنصرانية قديما وحديثا، لكن تلك قضية اخري لا مجال لها هنا. فك الرحي المقابل هو قلب اوروبا حيث ولد ونشأ وترعرع وتربي في مناخ عقلاني علماني حداثي يعج بالعلم والفلسفة والمنطق وغارق في ثقافات ولغات متعدده. قسوة الاتهامات عليه جاءت من بعض ابناء جلدته في بلاد المسلمين بانه يحاول تحديث او تغريب الاسلام بزرعه في ارض لا تقبل به لمعاكسته الثقافة والعادات عندهم وبالتالي هو يسعي لانشاء اسلام هجين بين ثقافتين لتحميله بعناصر اوروبية صليبية ومسيحية وعلمانية وربما يهودية. وتعرض لفك رحي آخر بين اقرانه وابناء اوروبا بانه يحاول اسلمة الفكر الاوروبي. بينما هو ذاته يعيش قلقا معرفيا فكل جديد ومفيد يأته موثقا وقابلا للنقد والنقض او بالنفي والبرهنة دون ردع او اتهام بالكفر او الخروج عن الملة، ياتيه من الثقافة الاوروبية بجذرها العلمي المعرفي. بينما ثقافته الموروثه من اهله وعشيرته لا موقع لها في عالم البحث عن صدق اي شئ في داخلها لانها كلها حق فوق كل الاباطيل وما عداها ليس سوي الباطل ذاته.

فالمسلمين العلمانيين او اللادينيين والملحدين في العالم الاسلامي جميعا يعرفون مدي الشلل الذي اصاب العالم الاسلامي والفكر الاسلامي لا لسبب سوي ان الاسلام هذا بات مغلقا علي نصوص لا امل في تجديدها الا بالتاويل واما بالاستبعاد إذا ما ثبت عدم ملائمتها للواقع، وهو مستحيل دينيا. وهو فك رحي رابع يؤرق سليل عائلة البنا ويضع عليه شروطا جديدة.

أخطر ما يواجه طارق رمضان وامثاله أن الابحاث التاريخية والانثروبولوجية الخاصة بالاسلام، باعتباره جزءا من ثقافة العرب، هو عمل اوروبي بامتياز . بمعني ان قناعات اوروبا وفهمها عن الاسلام هي ناتج الفكر الاوروبي وليس مجرد التصديق والتسليم العربي به او حتي تصديق لاقوال الدعاة الجدد. لكن ما الممكن أن يفعله المسلم الحريص علي دينه ومهموم ببقائه بينما الشخص ذاته منعما في خيرات اوروبا التي لم تظهر علي اي اساس اسلامي او عربي؟ فالتناقض واضح ومزعج في وقت واحد، ويجبر اي عاقل ان يصاب بالجنون عندما يتصدي لمعضلة تواجد الاسلام في ارض اوروبية او أمريكية او صينية او لا دين لها.

فالاسلام يحمل مظهرا تعبويا وجوهرا دمويا كلاهما يبدوان في تناقض صريح وفج مع اي ثقافة غريبة عليه. واوروبا الراسمالية العلمانية الديموقراطية لها ايضا مظهرا وجوهرا ستجد نفسها غير متآلفة مع نظيرهما الاسلاميين. فمسالة الصلاة ومواعيدها ورفع الاذان بصوت عال وتوقيتاته وشهر كامل كرمضان تشل فيه الحياه في العالم الاسلامي وموسم حج هو عيد باكمله ترحل فيه الثروة الي بلاد اخري. كل تلك المظاهر تقتطع وقتا ثمينا من زمن الراسمالية التي تعتمد العمل والانتاج والحقوق المؤسسة عليهما.

مظاهر أخري روج لها العالم الاسلامي كحجاب ونقاب المرأة رغم اختلاف المسلمين فيها وهي تتناقض في المظهر شكلا وفي الجوهر موضوعا علي ارضية الاداء المهني والحقوقي الانساني والوضعية الاجتماعية للمرأه ومدي ترقيها في السلم الاجتماعي والوظيفي وفي تولي مناصب سياسية مساواه مع الرجل.فجوهر الاسلام وفي عمق اهدافه يدعو لامتناعها عن العمل بل وعدم الخروج الا في الضرورة عملا بمبدا الوقر في البيوت المنصوص عليه قرآنيا. ولن نخوض في قضايا أخري كالحدود وتطبيقات الشريعة في حدها الاعلي كقطع اليد او الجلد علي ممارسة الحرية الجنسية. فتلك كلها قضايا تضع الاسلام باصوله التاريخية والعقائدية شريعة وعبادات في موقع العداء لتاريخية التقدم الانساني.

فالفكر الاسلامي مثله مثل الفكر العربي (إن لم يكن هو ذاته) هو ضيق في جذوره المعرفية. فالاول محكوم بنصوص والثاني لا مرجعية له الا الجاهلية العربية وعادات العرب ومفاهيمهم القبلية. فكلاهما إذن يعاني ازمة طاحنة إذا ما تعرضا لثقافات اخري وعادات وتقاليد حضارية مغايرة. إضافة الي ان الصراعات الداخلية في عالم العرب او عالم الاسلام (احداث غزة الاخيرة) تجعله في موقف ضعيف إذا ما حاول زرع نفسه علي الارضية الاوروبية. والاكثر خطورة ان الموكل اليه نشر الاسلام في باقي انحاء العالم حاليا هي السلفية الاسلامية بجذرها الوهابي العنيف. هنا تختفي مسالة حقوق الانسان التي تصل في حدها الاقصي الي حق المثلية الجنسي او تجاوز فكرة الاسرة في مجتعات الرفاهية الفائقة .

فما اكثر القضايا الحياتية والاجتماعية التي تتبناها وخلقتها اوروبا ولا جذر لها في ثقافة الاسلام. وما اكثر قضايا الاسلام المعادية للتطور التاريخي ومن اصول هي ضمن الجاهلية العربية. لهذا تبدو المسالة وكان اسلمة اي مجتمع هي تحويل انتباهه الي اتجاهات غير مجدية ولا نفع او جدي فيها. والاهم هو إعادة اشغال العقل الاوروبي بقضايا غيبية وتشريعات دينية تخلصت منها اوروبا بعد ان ادركت مدي الشلل العقلي والفكري الذي اصابها منذ ساد حكم الكنيسة وحتي عصور التنوير الاوروبية. بل لم يكن ممكنا في ظل الكنيسة او الاسلام حل القضايا الطبقية التي هي هم اليسار ولا حل اسلامي لها بل بالعكس. فالعبودية وتشريعات فقه الجواري والاماء جاهزة للتطبيق إذا ما نجح طارق رمضان في مشروعه ولو بعد عقود طويلة.

اما ما لم يحاول رمضان التعرض له عمدا فهي مصادر الكسب وعلاقات العمل التي اسست كلا من الراسمالية والاشتراكية في الفلسفة الاوروبية. فمسالة الجباية والخراج والجزية كلها في الجذر الاسلامي حيث لا حقوق لمن يدفعها وكل الحقوق لمن يجنيها دون حق اللهم الا بكونه أولي امر لم يستشر المحكومين في خيارهم له. اما في مسالة الحقوق باختلاف الجنس فهي تتناقض شكلا وموضوعا مع موروثات الماضي في العالم اجمع وليس اوروبا علي وجه الخصوص.

المشكل الاكبر والذي لا حل او تلفيق له يكمن في النظر والتدقيق في صحة اي شئ قبل اعتماده كايديولوجيا او عقيدة او دين. تلك هي مكتسبات اوروبا بعد زمني إيمانويل كانت وهيجل انتهاءا بالتفكيكية. فلانص له قدسية ولا فلسفة لها ديمومة. فما بالنا وما يجري من اسلمة علي يد مسلمين غيورين علي دينهم، تجعل مجرد التفكر في شئ مختلف هو عمل من الشيطان ومعاكسا لافكار البداوة وثقافة الصحراء تحت مسمي الاسلام. فنمط الانتاج في العالم وعلي راسه الولايات المتحده واوروبا بات معقدا الي حد ان اي تدخل في منظومة العمل او عادات الناس تؤدي وبسرعة الي ارتباك وتعطيل لمسارات الانتاج والربح المؤسس علي العمل وسعر قيمته في وحده الزمن. فالانتاج والربح كلاهما معطلين عن الحضور في الثقافة العربية عامة والاسلامية خاصة. فالنفط ساهم في محو تلك القيمة حيث الفائض لدي الدولة فاشترت ذمم الناس حفاظا علي موقع السلطة سياسيا وفرض الدين شعبيا بينما السلطة في اوروبا والعالم الحديث تتبدل لصالح المزيد من مكتسبات الانتاج وسعر ساعة العمل لصالح رجل الشارع.

اسلمة اوروبا هنا يمكن محاكاتها في نموذج قطارين يسيران علي نفس القضبان الحديدية لكن في اتجاهين متعاكسين. فالصدام حتمي لا محالة. ليس باعتبار اوروبا كانت مؤسسة للمسيحية السياسية واعتناقها دينا يختلف جذريا مع الاسلام ، إنما لان العلمانية المرتكزة علي الانسان كفاعل اول ويعرف مصالحه باكثر مما تعرفه الالهه وارباب الكون، تجعل الصدام حتمي بين الشريعة الاسلامية والقانون الوضعي. في ضوء هذا التناقض فان مراجعة تصريحات طارق رمضان حول قضايا بها توفيق او تلفيق بين تناقضات الاسلام وباقي مجتمعات العالم واوروبا خاصة جعلت الولايات المتحده ترفض منحه تاشيرة دخول الي اراضيها ومواجهه الشعب الامريكي وكذلك في هولندا حيث تخلت جامعتين عن خدماته.

عمل رمضان مستشارا في جامعات هولندا فيما يخص المسلمين وكان يحاضر فيها عن الاسلام كدين وشريعة. صحيح ان رمضان استضاف في حواراته الاعلامية حاخامات وقساوسة وملحدين ولا دينيين . لكن ما لم يقله ان الارضية والبيئة الهولندية هي التي تقبل بهذا النوع، وليس الاسلام، طالما ان الجميع متفقون علي انهم اعضاء في مجتمع يقبل الاختلاف. ومال لم يقله رمضان للاوروبيين انه حتي ولو اعلن ان دينه متسامح الي حدوده القصوي، فان كل بلد اصبح الاسلام بها اغلبية لا يسمح بهذا المناخ الحر. بمعني انه يعمل كحصان طرواده بقبول الحوار ولو مؤقتا حتي يسيطر علي المدينة بجنوده. وعندها لن تكون هناك جامعات تسمح لقساوسة او حاخامات او ملحدين ونساء بالظهور او حتي اعلان ديانتهم.

فموضوعات الحوار علي الارض الاوروبية تجري بدون سقف، فليس هناك حد اعلي للالحاد او اللادين. فالعصفور الاسلامي وجدها فرصة ليرفرف متناسيا انه ذاته مكبلا باقوال وايات لا تسمح له بالطيران باعلي مما تتيحه عقيدته الدينية. فقضايا الحرية وتحكيم العقل ومعها العنف والجهاد وموقف الاسلام من الفنون، كلها ليست في صالح طارق رمضان حسب الاسلام الصحيح والباطل والاصولي والسني وكذلك الشيعي الي حد كبير. كان رمضان مكشوفا امام محاورييه في اي حوار لانه قادر علي التواجد علي الارض الاوروبية لكنه لا يستطيع عمل ذات الشئ علي اي من بلاد الشرق الاوسط الاسلامية والمتاسلمة.

رمضان سليل عائلة حسن البنا مؤسس جماعة الاخوان المسلمين له علاقة دم وقرابة قويه بجمال البنا المصلح الاسلامي والذي تهاجمه مؤسسات اسلامية كثيرة وتمنع ظهوره علي فضائياتها رغم التزامه بكل ما في القرآن بعقل ورويه. فإذا كان رمضان يسعي الي اسلام اوروبي يوازن بين هوية دينية وبين هوية علمانية فانه يناقض ذاته. فعندما كان في فرنسا ابدي موافقته علي الحجاب والحدود، بينما جمال البنا يقول بعكس ذلك. هكذا اثبت حفيد البنا انه مراوغ يتحدث بلغتين ويتبني موقفين. فمن ناحية يريد تاييدا له من الجاليات الاسلامية وخاصة المتشدده منها بالتمويل والتي تطالب بحرفية النصوص ويريد تأييدا ديموقراطيا بقبول الآخر من الدول الاوروبية التي لا تعرف سوي العقل سلطانا علي مقدرات الانسان. لكن الهدف الذي يسعي اليه واحد هو هدم الحضارة تاسيا بأهل البداوة الذين اضافوا انفسهم عنوة الي قائمة المتحضرين برصيدهم من التحطيم للفنون باعتبارها اوثانا او اصناما ولم يفعلوا شيئا في التاريخ سواها دون ان يقيموا شئنا له معني في الفنون او العلوم او إحترم البشر كصانعين للحضارة.

صمت الشاب سليل عائلة البنا عما جري في قطاع غزة. كان من المفترض ان يقول ان حماس المسلمة قتلت مسلمين خلافا لما يقوله القرآن الذي يرفعه كلا الطرفين ويرفعه هو ايضا للاستشهاد به علي الطرف الآخر. بل إن العالم الاسلامي باكمله صمت ولم يدن احدا باعتبار ان ما حدث هي ارادة الله. كانت احداث غزة الاخيرة كاشفة لما ينتظر اي مجتمع يقبل بالاسلام دينا وبالشريعة قانونا. فهناك دائما من سيزايد علي من اخذ السلطة عنوه وبالعنف. كل ما في الامر هو المزيد من المال والسلاح حتي يصبح للانقلابي الجديد شرعية لاخذ السلطة مهما كان وضع الشعب والمواطن وقناعاته بمن في السلطة او بمن يحاول الاستيلاء عليها. فالاسلام هو ليس باكثر من تاريخ الاسلام. انقلابات ودم وحروب وقتل منذ اليوم الاول له ولنا في احداثه لحوالي الفية ونصف لم تتوقف فيها الحروب برفع المصاحف والاحتكام اليها ومعه السلاح برفعه والاحتكام اليه ايضا. وهذا بالضبط شكل الشعار الذي اتخذته جماعة الاخوان المسلمين حيث السيفين يحيطان بكتاب الله. فالسيف اصدق إنباءا من الكتب بما فيها القرآن. وكان التقدم الوحيد الذي انجزه الاسلام المسيس بالعقيدة الدينية هو استبدال السيفين بمدفع رشاش. مثلما هو واضح في شعارات الاسلام الحديث الذي يحاول د. طارق رمضان تمريره الي اوروبا.

عن مركز الدراسات والأبحاث العلمانية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق