أشاد بها أرسطو: المؤسسات السياسية في جمهورية قرطاج الديموقراطية

“اشتهر القرطاجيون بإرسائهم مؤسسات جيدة ذات مؤهلات خارجة عن المألوف… والكثير من هذه المؤهلات بلغ حد الامتياز. وهو ما يقيم الدليل على حكمة القائمين على شؤون قرطاج بما جعل العنصر الشعبي محافظا بمحض اختياره على وفائه للنظام المؤسساتي القائم. وهكذا فان قرطاج لم تعرف أبدا من الانتفاضات والنظم الاستبدادية ما يستحق الذكر…” ( أرسطو:كتاب السياسة II-XI).

من نافل القول أن اهتمام وإشادة أرسطو (824- 322 ق.م) بمؤسسات قرطاج السياسية في مؤلفه “السياسة” أمست منذ زمن بعيد مأثورة لدى العارفين. ومن المعلوم أيضا أن هذه الإشادة أنما تندرج ضمن عديد الشهادات المأثورة الأخرى في التنويه بالمؤسسات القرطاجية والتي وصلتنا عن طريق أدبيات القدامى من المؤرخين والفلاسفة والجغرافيين مثل أفلاطون (427-346 ق.م) والمؤرخ اليوناني الكبير بوليبيوس (202-126 ق.م) والمؤرخ والأديب الروماني تيتوس ليبيوس (59 ق.م-17 م) وكذلك ديودروس الصقلي( مؤرخ يوناني عاش في القرن الأول ق.م)، هذا فضلا عن الإشارات الواردة في مدونات قديمة أخرى لمؤرخين وأدباء وجغرافيين مثل سترابو(57 ق.م-21م) في كتب الجغرافيا 1 ،4، 9 ، وكذلك المعلومات الواردة في النقائش حول ذات المسألة…

كل ذلك يؤلف إلى جانب الدراسات المتخصصة مادة معتبرة لتسليط بعض الأضواء على المؤسسات السياسية القرطاجية بما من شأنه أن يحفز على التفكير بشمولية أكبر في موضوع حيوي مثل موضوع المؤسسات السياسية في عمقه التاريخي.

وإذا ما اعتبرنا تنوع روافد المعلومات المصدرية وتباينها في الزمان والمكان يصير بالإمكان النظر إليها في إطار منهج «السياقات المتقاطعة” (l’inter contextualité)، المعروف كمنهج بحث في مجال العلوم الاجتماعية لاسيما وأن هذا المنهج يمكن أن ينهل من تقاطع المعارف، بما أن المعلومات المصدرية الثمينة حول المسألة تنساب من “اختصاصات” متنوعة (رغم المهجة الموسوعية التي ميزت أعلام الفكر في التاريخ القديم وهو ما يحملنا على تنسيب مفهوم الاختصاص عندهم ).

ولعل ما يؤكد طرافة هذا المنحى في مقاربة هذه المسألة أن أرسطو بالذات كان سباقا إلى المقارنة بين مؤسسات قرطاج السياسية ونظيراتها في اسبرطه وكريت، أي في سياقات مختلفة ومن زاوية الفلسفة السياسية والقانون الدستوري وهو ما يضيف إلى أثره قيمة منهجية على قيمته التاريخية.

أما ملاحظات بوليبيوس حول المؤسسات السياسية القرطاجية فقد أعاقها امتثال المؤرخ رغم علو شأنه إلى الإديولوجيا الرسمية الرومانية التي كان يشتغل في إطارها 1)) والتي جرته إلى إبراز تفوق المؤسسات الرومانية على نظيرتها القرطاجية. غير أن هذا لا يعني في شيء استنقاص المؤسسات الرومانية التي تختزل لدى العديد من الأخصائيين رمزية هذه الحضارة وتمثل لديهم أعظم إنجازات الرومان.

ماهية ودينامية المؤسسات السياسية القرطاجية:ثمة جدل لا يزال قائما بين الأخصائيين حول ما إذا كانت قرطاج قد عرفت النظام الملكي. ومن بين الآراء المرجحة لاحتمال قيام هذا النظام والمخالفة لها نشير إلى أن هذا الجدل من الزاوية النظرية ليس اعتباطيا ولا شكليا وإنما يتعلق بجذور وطبيعة النظام السياسي القرطاجي التي تمتد إلى أبعد من القرن التاسع ق م. ذلك أن النظر في هذه المسألة من شأنه أن يفك على الأقل لغزين أساسيين على صلة وثيقة فيما بينهما: الحكم الوراثي ومبدأ الحق الإلهي في الحكم.

فالنظام الوراثي ينفي كما هو معلوم التداول على الحكم ويستند إلى مبدأ الحق الإلهي في السعي إلى تأبيد الحكم في السلالة الواحدة وهو ما يفضي إلى اختلاف مؤسساتي نوعي بين الملكية والجمهورية القائمة على مبدأ التداول.

وقد مثل استعمال القدامى ولاسيما منهم أرسطو مصطلح “الملوك”(basileis) في إطار مقارنته بين ملك اسبرطه و”ملكي» قرطاج (المدينتان الدولتان كان يحكمانهما ملكان) غير أن مقارنته تلك أفضت إلى القول بأن الحكم في اسبرطه وراثي مدى الحياة بينما في قرطاج هنالك تداول على الحكم المحدود في الزمن عن طريق الانتخاب. وبناء على هذا التفريق وعلى الوقائع التاريخية التي تثبت مبدأ التداول والانتخاب في قرطاج فإنه بالإمكان تنسيب فرضية قيام الملكية في قرطاج التي كانت جمهورية تعود فيها السلطة التنفيذية إلى مؤسسة الأسباط التي ينبثق عليها حكم السبطين.

يفيدنا الأخصائيون في تاريخ قرطاج أن مؤسسة الأسباط ضاربة في القدم ومتأصلة في الحضارات السامية وقد يعود وجودها إلى أبعد من سنة 400 ق م ويحتوي مؤلف أفلاطون ( 427- 346 ق م) “القوانين” على إشارة هامة إلى هذه المؤسسة في قرطاج حيث نعثر في خاتمة الكتاب الثاني على لسان أثبني كان يحاور كلينياس(Clinias)، ما يلي: «إني أفضل على ما يمارس في كريت ولسيديمونيا قانون القرطاجيين الذي يمنع على كل حاملي السلاح شرب الخمر خلال كامل مدة الحرب، وينطبق المنع في المدينة (قرطاج) على العبيد من الجنسين وعلى الحكام خلال سنة حكمهم وعلى القضاة عند قيامهم بمهامهم وعلى كل أعضاء المجلس عند التفاوض والتصويت.”

ولا نخال ذكر “الحكام” هنا عند أفلاطون غير تعبير عن وظيفة السبطين التي يتم الارتقاء إليها عن طريق الانتخاب السنوي كما تجمع على ذلك سائر المصادر ولا سيما منها تيتيوس ليبيوس.

ويعتبر الأستاذ الشاذلي بورنية (الشاذلي بورنية ومحمد الطاهر: “قرطاج البونيةّ مركز النشر الجامعي 1999.) أن “صلاحيات السبطين تتمثل في رئاسة مجلس الشيوخ ومده بجدول أعمال جلساته أو المسائل المبرمجة للمداولة وبيّن أرسطو لجوءهما إلى مجلس الشعب في حال انعدام اتفاق بينهما وبين مجلس الشيوخ. وثمة مسائل يحيلانها على مجلس الشعب لإبداء رأيه فيها.”

أما عن الصلاحيات العسكرية فلا يمكن البت فيما إذا كانت في وارد مهام السبطين بل أن حنبعل خلال الحرب الرومانية القرطاجية الثانية ( 218-203 ق.م ) كان على رأس هيأة أركان الجيش القرطاجي دون أن يكون واحدا من السبطين.

أما مجلس الشيوخ فهو بمثابة الهيئة التشريعية المتصلة هي الأخرى بالمهد الحضاري السامي والتي يعود منشأها إلى أواسط القرن السادس ق م، ولئن ظلت شروط الارتقاء إلى هذا المجلس غامضة فان أ. ملتزر يرجح أن يكون عدد الشيوخ في المجلس يناهز الثلاث مائة.

ويعتبر أرسطو أن طريقة “اختيار شيوخ قرطاج أفضل من الطريقة المعتمدة في اسبرطه حيث لا ينظر في اختيار الشيوخ إلى مقياس السن بل الفضيلة”. فالشيوخ قائمون على أمور هامة فإذا كانوا غير أكفاء أضروا بالدولة كما أضر شيوخ لاسيديمونيا بدولتهم.” (نفس المصدر السابق). كما يبين أرسطو أهمية المشمولات التي تعود بالنظر إلى مجلس الشيوخ لاسيما إذا ساد الانسجام بينه وبين السبطين. وأهم هذه المشمولات على الإطلاق هي قرار الحرب والسلم.

وترتكز المنظومة المؤسساتية القرطاجية أيضا على “مجلس الشعب” وهو كذلك من المؤسسات القديمة المنحدرة من الجذع المشترك الحضاري السامي على غرار مجلس شعب مدينة صور الفينيقية ويعود منشأه إلى حوالي منتصف القرن السادس ق.م. كما يرجح المختصون أن مصطلح “شعب” هنا مرادف للمصطلح اللاتيني ((populus.

كما بينت المعلومات المصدرية أهمية صلاحيات مجلس شعب قرطاج التي تبدو في الأصل تشريعية وتحكيمية، حيث يعتبر أرسطو أن السبطين ومجلس الشيوخ “إذا أجمعوا على الأمر لا يعرضوه على مجلس الشعب وفي غياب الإجماع يحتكمون إلى الشعب الذي يحسم الأمر. أما تدابير السلطة التي يعرضها السبطان والشيوخ على الشعب فلا يكتفون بأن يحملوها إلى مسامعه فقط بل من صلاحياته أن يبدي حكمه فيها. كما أنه متاح لأي مواطن ممن تولوا التداول في شأنها أن يعارضها وهو ما لا أثر له في بقية الدساتير.”( نفس المصدر السابق). وتبدو هذه الملاحظة لأرسطو على غاية من الأهمية حيث تدقق في طبيعة المهمة التحكيمية لمجلس الشعب على أنها ليست مجرد مهمة استشارية بل تتضمن صلاحيات فعلية تتجسد بالخصوص ساعة الاختلاف بين السبطين ومجلس الشيوخ.

عندها لا يتم الاكتفاء ب”حمل” الاختلاف “على مسامع الشعب فقط”، بل يكون هذا الأخير ملزما “بالحكم”. ولا نظن أن يحدث ذلك دون تداول ونقاش وهوما نستشفه من الجزء الثاني من الملاحظة التي تشدد على أن أنه “متاح لأي مواطن ممن تولوا التداول في شأنها أن يعارضها وهو ما لا أثر له في بقية الدساتير”. معنى ذلك أنه يتم التدرج بالنقاش من المستوى الجمعي لمجلس الشعب إلى مستوى العضوية الفردية لهذا المجلس فلا يقع الاكتفاء بالموقف الإجمالي لعموم أعضاء المجلس من المواطنين بل يؤخذ في الحسبان كذلك بالرأي المخالف ليس فقط للكتلة والجماعة بل وحتى للفرد.

لقد اكتفى الأخصائيون –وهم في ذلك لا يجانبون الصواب- بتبين الصورة الذهنية عند أرسطو والقائمة على فكرة التوازن بين المؤسسات التي يدعمها الدور التحكيمي لمجلس الشعب وهي الفكرة المحبذة لديه والتي جنبت في رأيه قرطاج “الانتفاضات والاستبداد”. ومن ثم، يخلص هؤلاء إلى القول بأن الديموقراطية القرطاجية لم تكن ديموقراطية مباشرة بما أن صلاحيات مجلس الشعب لا تخول له وضع القوانين.

بيد أن الثقل الفعلي لهذه المؤسسة في الشأن العام القرطاجي والاعتبار البين الذي تحظى به على مستوى الهيكل كما في مستوى الأعضاء مثلما يبين ذلك أرسطو نفسه يضعان النظام القرطاجي على مقربة من الديموقراطية المباشرة، بل إن هذا التفرد الذي “لا أثر له في الدساتير الأخرى” هو الذي مثل المحمل الذي هيا قرطاج للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما في الديموقراطية انطلاقا من القرن الثالث ق.م كما سنبين ذلك لاحقا من خلال دينامية المؤسسات القرطاجية. يبقى أن نشير إلى أن مجلس الشعب هو الذي ينتخب السبطين بناء على اقتراح ترشيحهما من طرف مجلس الشيوخ.
أما محكمة “المئة وأربعة»التي تعطى انطباعا باضطلاعها بالسلطة القضائية فيكتنفها شيء من اللبس.

يرجع س. غزال تاريخ نشأة هذه المحكمة إلى منتصف القرن الخامس ق.م ويقارن أرسطو بين طريقة اختيار القضاة في هذه المحكمة ومجلس «الرقباء الخمسة” في اسبرطه مفضلا الطريقة القرطاجية التي تتم من داخل الأرستقراطية بينما في اسبرطه يتم الاختيار عن طريق العامة.

ويرد ذكر تدخل محكمة المئة وأربعة بالخصوص في معاقبة بعض القيادات العليا القرطاجية في صورة انحرافها. ففي سنة 342 ق.م حكمت هذه المحكمة على القائد العسكري حنون الأكبر بالإعدام بعد أن حاول هذا الأخير الاستئثار بالحكم وإقامة نظام ملكي. كما ذكر تيودروس الصقلي أن ذات المحكمة حكمت على بدملقرت بالإعدام سنة 308 ق.م بعد أن تمت أدانته بتهمة الخيانة العظمى والتواطؤ مع القائد اليوناني أقاتاكاس للاستئثار بالحكم.

وفي معرض هذه القراءة الوصفية والتحليلية للمؤسسات السياسية القرطاجية يجدر التوقف عند ملاحظتين عامتين:

–تتعلق الأولى بالجذع المشترك الذي يؤلف بين المؤسسات القرطاجية ونظيراتها في الحضارات السامية القديمة وهو ما قد يصحح عديد الأفكار المسبقة حول منشأ المؤسسات التمثيلية.

–أما الملاحظة الثانية فتتصل بإشعاع مؤسسات قرطاج المدينة على باقي المدن البونية حيث تفيدنا النقائش باقتباس كامل المنظومة المؤسساتية لهذه المدينة من طرف بقية المدن البونية التي قامت فيها نفس الهياكل التمثيلية مثل مكثر ودقة وألتيبيروس (المدينة).

على أن هذا التوصيف للمؤسسات القرطاجية يظل منقوصا ما لم يتم التطرق إلى تطورها عبر التاريخ القرطاجي الطويل ورصد ديناميتها أخذا بعين الاعتبار الجدلية الاجتماعية الخاصة بقرطاج في تفاعلها مع المؤثرات العامة السياسية والعسكرية والاقتصاد البضاعي والتبادل الثقافي لقرطاج مع محيطها المتوسطي عبر الحقبات التاريخية. ونقترح في هذا الصدد تحقيبا بسيطا يعتمد القرن الثالث ق.م حدا فاصلا بين عصرين بدت خلاله – كما يشدد على ذلك الأخصائيون – ملامح التحول النوعي تتجلى على المؤسسات السياسية القرطاجية.

ففي سياق التاريخ القديم، وتحديدا في حوض البحر الأبيض المتوسط، كان تنقل الأفكار والتثاقف يتمان بصفة متوازية مع تنقل البضائع وربما بأكثر أريحية وتسامح من اليوم. ورغم التوتر والحروب الدورية التي كانت تنشب بين القوى المتنازعة في حوض البحر الأبيض المتوسط لم يكن هناك “صدام للحضارات” والديانات في زمن لم تهيمن فيه بعد الديانات التوحيدية على ضمائر الشعوب.

ومن هذا المنظور فان المختص الفرنسي في تاريخ قرطاج جيلبير شارل بياكر يشدد على استفادة قرطاج من دينامية داخلية استثنائية ارتبطت بتكثف التبادل التجاري مع العالم الهيلينستي وذلك رغم الحروب الطاحنة التي شنتها روما على قرطاج خلال هذا القرن بغاية القضاء عليها. ويبين المؤرخ الفرنسي انتشار البضاعة والأفكار الهيلينستية بصفة غير مسبوقة في قرطاج خلال هذا العصر. ويتوقف جون بول بريسون وسيرج لانسال طويلا عند تأثر القائد القرطاجي الملحمي حنبعل بشخصية وأفكار وخطط الإسكندر المقدوني وهو الذي تربى على يدي المعلم اليوناني “سوسيلوس”.

كل هذا وغيره كان له تأثيره البين على المؤسسات السياسية القرطاجية التي عرفت إرهاصات الديموقراطية الشعبية منذ النصف الثاني للقرن الثالث وفي غمرة الحروب الرومانية القرطاجية الأولى والثانية والثالثة وكذلك الحرب الأهلية القرطاجية التي جدت بين 241 و238 ق.م.

وقد كان لهذا التطور المشهود في قرطاج قادته ورموزه ومتعهدوه المنحدرون من سلالة البرقيين. وشاءت صيرورة الصراع الاجتماعي والسياسي أن تضع هذه السلالة في مواجهة سلالة الحنونيين المحافظة والداعمة للحكم ذي الطبيعة الأوليغارشية، علما وأن هذا المنحى لم يكن يخلو من التواطؤ مع الرومان. فخلال الأزمة السياسية والعسكرية التي عرفتها قرطاج في الحرب الأهلية 238 اشتد الصراع على قيادة الجيش بين القائد الأسبق حنون الذي عجز عن مواجهة تمرد المرتزقة والأهالي وعبد ملقرت البرقي الذي حسم الأمر لفائدته بعد أن عرض على منافسه اللجوء إلى التصويت فصوت له الجنود والمواطنون القرطاجيون، ومن يومها أصبحت القيادة العسكرية منتخبة واتسعت صلاحيات مجلس الشعب القرطاجي بشكل غير مسبوق. كما تمكن البرقيون بفضل هذه الصلاحيات المكتسبة لهذه المؤسسة من تعزيز جانبهم وكبح جماح المتنفذين من الأوليغارشية المتخاذلة في التصدي للخطر الروماني والمنتمين بالخصوص إلى الارستوقراطية الزراعية التي كانت في تعارض مع التجار والحرفيين وعموم الشعب القرطاجي وذلك عند اتخاذ قرار الحرب الثانية سنة 218 ق.م ورفع التحدي الروماني.

وفي سنة 196 ق.م لما قرر حنبعل وضع حد لاعتزاله الحياة السياسية والعسكرية ‘ثر هزيمته أمام القائد الروماني شبيون الإفريقي في واقعة جامة سنة203 ق.م عاد إلى قيادة قرطاج من الباب الكبير حيث انتخب كأحد السبطين من طرف مجلس الشعب ومكنه هذا التأييد الشعبي من القيام بإصلاحات هامة لاسيما على صعيد مالية الدولة التي أخضعها للشفافية وقاوم الفساد وحاكم المحتسب العام (وزير المالية) إلا أن عملاء روما تآمروا عليه ولما اكتشف المؤامرة فر إلى آسيا الصغرى (وربما عدنا إلى هذا الموضوع بأكثر تفاصيل في مقال خاص).
ليس مجرد وقوف على الأطلال

مع كل إطلالة ولو كانت خاطفة كهذه على أطلال قرطاج يكون الإمتاع حاصلا لاسيما بالنسبة للمفتونين بالتاريخ القديم. ولا تعكر متعة النظر في الماضي لذاته إلا رداءة حاضر يجسد قطيعة تامة مع تراث الجمهورية الديموقراطية القرطاجية التي عرفت التداول السنوي على الحكم عن طريق اقتراع المواطنين القرطاجيين في حين أن الحكم الفردي ظل يجثم على نفس الأرض القرطاجية منذ خمسين سنة من تاريخ تونس المعاصر.

وحيث لا نستطيع تجريد التاريخ من رمزيته فان رموز الجمهورية الديموقراطية القرطاجية بأبطالها ومؤسساتها هي اليوم على طرف نقيض مع كل ما يرمز للحكم الفردي.

كما أن متعة التأمل في هذا الماضي المجيد تعكرها أيضا التيارات الاديولوجية والسياسية الشمولية التي ما انفكت تسلط ضغطا شديدا يمثل بتر وتشويه التاريخ أحد أدواته الرئيسية. وإذ تفعل ذلك فان هذه التيارات تستفيد من جو التجهيل العام وانعدام حرية التعبير الذي تتعهده الأنظمة السياسية في بلداننا. فهل نكتفي بالدعوة إلى تحييد التاريخ وإنصافه أم نفتح المجال للتاريخ كي ينصف نفسه بنفسه؟ وكيف يكون موقفنا من التيارات السلفية التي سطت على مفهوم الهوية وجعلت منه رهينة وقضية استراتيجية مركزة في خطابها الماضوي على التاريخ المشوه حتى أصبح الماضي يلتهم الحاضر؟ كيف نتجنب مع ذلك الوقوع في فخ السلفية حتى لا نجيب عن ماضوية الأصوليين بماضوية مضادة؟ وما العمل مع البعض الذي يحسبون نفسه على العقلانية ويتعمد في ذات الحين التخوين الفكري لكل من تحدثه نفسه مساءلة التاريخ القديم حول بعض الإشكاليات مثل البعد الحضاري المتوسطي وتأثيره على مسألة الهوية ؟

وعلى كل، ومهما كانت المحاذير التي تفرضها الموضوعية والنزاهة العلمية وتنسيب الحقائق فان تأصيل المفاهيم الذي يساعد على تأصيل الوعي الديموقراطي والمؤسساتي من خلال النظرة الحصيفة للتاريخ يظل أمرا ضروريا لاسيما مع استفحال محاولات الالتفاف على بعض المقولات أو نسفها مثل الديموقراطية وما يستتبعها من مؤسسات تتصل بما تناولناه في هذا المقام. فللذين يعتبرون الديموقراطية بدعة غربية والذين يرون أن نظام الشورى الإسلامي تجاوزها في سقيفة بني ساعدة نقول أنه من الأجدر نفض الغبار على التراث الديموقراطي والمؤسساتي الضارب في القدم والذي لم يدخل البلاد على رؤوس الرماح والذي تكتنزه نقائشنا وتناولته مؤلفات القدامى والمحدثين حتى نضع الأمور في نصابها بعيدا عن الانتقائية والتزييف.

أمران أساسيان فقط نريد التوقف عندهما أخيرا وعلى ضوء ما تقدم: يتعلق الأول بنظرية الحق الإلهي في الحكم والتي تمثل كما تبينه التجربة الديموقراطية والمؤسساتية القرطاجية نقيض الجوهر الديموقراطي وذلك منذ التاريخ القديم وليس فقط أبان مقاومتها من طرف فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر.

أما الأمر الثاني فيتصل بما يتطلبه القطع مع نظرية الحق الإلهي من إرساء قوانين ومؤسسات ونظم وضعية قادرة على تجريد العلاقة بينها وبين المواطن وتاركة جانبا انتماءه العرقي والديني والطائفي… وفيما عدا ذلك فليتنافس المتنافسون.

(1) كان بوليبوس صديقا للقنصل الروماني شبيون اميليان الذي استعان به كمستشار عسكري عند غزوه وتدميره لقرطاج سنة 146 ق.م

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق