أصنام في الإسلام حول كتاب “أكثر أبو هريرة” للباحث المغربي مصطفى بو هندي

دعيت يوم 4 يوليو 2007 من طرف جمعية الروتاري بمدينة الحمامات (تونس)، للحديث حول كتاب  لي، يتناول موضوع اللباس وقوانينه في الحضارة العربية الإسلامية.  وقد دار نقاش طريف حول البحث التاريخي، وحول جرأة الباحث وضرورة تناول بعض المواضيع المسكوت عنها في التراث العربي حتى ولو أدى ذلك إلى زحزحة بعض المسلمات التي استقرت في أذهان عامة الناس، وخاصة ممن لم يرتد الجامعات ولم يتسلح بالمعرفة لتكون له نظرة نقدية ووقفة محايدة إلى حد ما من الماضي.

وقد أخذت مثالاً للاستدلال على ذلك بحثا قام به أحد زملائنا في المغرب الأقصى [1]،  تناول فيه مسألة صحبة أبي هريرة للنبي محمد (ص)، وروايته للحديث.  ولكنني فوجئت بعد المحاضرة، ومن خلال صداها على ألسنة البعض ممن نصب نفسه صنوا لأهل العلم والمعرفة – وهو ليس من أهلها – وممن قلد نفسه “مهمة الدفاع” عن التراث العربي الإسلامي – كما لو أنه ورث ذلك بحجة عدلية – ورفع “راية الجهاد” في المقاهي، ليعتبر أن كل ما يقال علماً هو من صنع أمريكي وغربي وهلم جرا…

 ويُستنتج من كل ذلك أن الحضارة العربية الإسلامية عرفت جملة من التطورات المادية والذهنية حتى إنه لا يمكن اليوم النظر في الماضي دون تحريك الأصنام.  فقد تحول رواد الإسلام الأوائل إلى أصنام ثابتة ومقولبة ومصنفة لا يمكن لأحد أن يزحزحها حتى ولو كانت جوفاء.  فهي في نظر العموم والعامة شخوص لا غبار عليها ولا عيب فيها.  هي من النتوءات التي نستظل بظلها ومن الأصنام التي نطوف حولها ونحتمي بشموخها المصنوع.

فقد تطرق الباحث المغربي الدكتور مصطفى بو هندي إلى شخصية أبي هريرة الراوي المشهور والحجة الذي لا يشق له غبار والسند الذي لا مطعن عنه في رواية الحديث.  ومن المعروف عن أبي هريرة أنه روى حوالي 8740 حديثا من جملة 62169 حديثاً مثبتة في الصحاح، وهو ما يساوي حوالي 14.05 بالمائة من مجموع الأحاديث [2].  ولم تكن روايته للحديث، رغم هذه النسبة العالية من مساهماته في إيصال ما قد يكون قاله الرسول إلى المسلمين فيما بعد، محل اطمئنان معاصريه.  فقد أثير حولها الكثير من الجدل والطعن والشك وهو ما جعل أبا هريرة نفسه يتعرض إلى هذا التشكيك ويرد عليه [3].  وقد أثبت الدكتور مصطفى بو هندي باعتماد المصادر العربية الإسلامية وكتب الحديث بطريقة علمية، متوخياً منهجاً دقيقاً يعتمد نقد النص بالنص ذاته، ليخلص في النهاية إلى أن أبا هريرة لم يكن صحابياً ولم يكن مسلماً في حياة الرسول (ص)، وهو ما يرخي بضلاله على مصداقية الرجل، خاصة وأنه يروي مباشرة وبغير سند، بل تحول هو نفسه إلى سند بالنسبة للمحدثين اللاحقين.

ويتبين من خلال الدراسة المذكورة أن أبا هريرة يكون قد أسلم ما بين عامي 14 – 20 هجري عن سن تتراوح بين 33 – 39 سنة، في حين أن الرسول (ص) قد توفي في السنة الهجرية 10هـ – 11هـ.  وهو ما يطرح السؤال التالي: هل يمكن أن نثق برواية أبي هريرة غير المسندة؟  وهل يجوز تحريك “صنم” أبي هريرة من عليائه؟

ليس القصد من السؤال أن نشكك في التراث العربي الإسلامي، وليس القصد من إثارة هذه القضية “الانخراط في الهجمة الشرسة” على الحضارة العربية الإسلامية، كما يروج بعضهم  ضد كل من يريد النظر في التراث نظرة علمية خالية من العاطفية العمياء.  وإنما للقول بأن العرب المسلمين قد حنطوا التاريخ، وحولوه إلى جملة من الأصنام التي لا يحق للبحث التاريخي والعلمي أن ينبش في ترابها، ولا يجوز للعلم أن يلج كهوفها المغلقة بفعل المعاصرين، وليس بوصية من الأوائل أو بمانع ديني لا يحتمل تحليلاً وهو صريح التحريم.   فقد قال الذهبي “سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس”، فهل يمكن لباحث اليوم أن يقول مثل هذا الكلام؟  قطعاً بقول مثل هذا الكلام ستثور مقاهينا الكثيرة والتي يؤمها من تمكن من فك رموز الحرف دون الإيغال في سر الكلام، وسيصمت مثقفونا لأنهم مكبلون بهاجس الخوف وموثوقون بحبل الانسجام الاجتماعي.

وقد يتساءل المرء ما سر هذا الكلام وما سبب هذا الحديث؟  وهو محق في تساؤله لولا انحباس الفكر في الأغلب من وطننا العربي، فكم هي الكتب المصطفة أمام البوليس تنتظر تأشيرة للخروج؟  وكم هم المثقفون الذين يتكلمون في السر ويسكتون في العلن، خوفاً من الرقيب الذي يسمع كل شيء ويروي عنهم كمية الهواء الذين يتنفسون؟ ولكن المؤسف ليس ذلك، وإنما أن ينتصب من لا علم له ليلجم أهل العلم والمعرفة ويلصق بهم ما “لذ” لعقله العاطفي وما طاب “لذهنه” المسكون بالخوف من الانتماءات والولاءات الافتراضية.

إن العالم العربي الإسلامي غير قادر على الخروج مما هو فيه، لأنه ينظر إلى الوراء بعين القداسة فقط.  وهو غير قادر على الإبداع في أي شيء، لأنه منكفئ على “بطولاته” الماضية ولا يريد لها أن تتزحزح، حتى ولو كانت زحزحتها تصحيحا لمسار نظن أنه الأسلم.  وهذا شان أبي هريرة، الصنم الذي يقف في الماء على الطين، ويقدسه الكثيرون ممن لا يعرفونه إلا سماعاً وليس اطلاعاً.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] د.مصطفى بوهندي،   “أكثر أبو هريرة: دراسة تحليلية ونقدية” الطبعة الثانية الدار البيضاء 2003

[2] د.مصطفى بوهندي،  أكثر أبو هريرة/ دراسة تحليلية ونقدية/الطبعة الثانية  الدار البيضاء 2003، ص 23

[3] نفس المرجع والصفحة. انظر حول مختلف الروايات التي تتعرض لإكثار أبي هريرة بالتجريح في نفس المرجع ص 24-25

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق