“أفاتــار” والمســيح الأيكولوجــي / عباس بيضون

"أفاتــار" والمســيح الأيكولوجــي /  عباس بيضون

صادف جوليفر في رحلاته أحصنة حكيمة تعيش بعضها مع بعض بالمحبة والوئام والصدق والاكتفاء وتتعجب مما اخبرها به جوليفر عن طمع البشر وتنافسهم وتكالبهم على المال والسلطة ونزوعهم للعنف والحروب والشر. مجتمع الأحصنة هذا كان عند جوناثان سويفت نقيض الجنس البشري. ولا بد من ان سويفت المتشائم أراد من ذلك اظهار نقده المر للانسان والطبيعة البشرية. لا اعرف اذا كان جيمس كاميرون يتمثل بسويفت في «أفاتار». فكائنات الغابة ليست بشراً تامين، ان لها ذيولاً ووجوهاً قريبة من الحيوانات وربما من الاحصنة. وعليه فإن «افاتار» قد يكون أيضاً رحلة أخرى لجوليفر معاصر، وهي، كالتي سبقتها، هجاء صريح للانسان والطبيعة البشرية.

 

«أفاتار» رغم كل شيء ليس بعيداً عن «تيتانيك» فيلم جيمس كاميرون الأخير. تجمع بين الملحمتين وجوه كثيرة رغم ما يتراءى، لأول وهلة، من فوارق بينهما. «تيتانيك» يبني على تفاصيل حادثة واقعية ويكاد في امانته لها يتحول الى وثيقة عنها. «أفاتار» فيلم فانتازيا علمية. هذا صحيح لكن في الفيلمين مع ذلك، ذات السرد، إذا جاز القول، وذات المقومات الأساسية. في التيتانيك نحن أمام ذكرى الطوفان، أي اننا في حدث كوني يشهد اندثار عالم وبدء خليقة جديدة. في «افاتار» نحن أمام المفصل نفسه فثمة هنا أيضاً أرض جديدة وخليقة جديدة ممثلة في شعب «باندورا». في تينانيك كما في افاتار تواصل بين موضعين: الأول مغلق هو باخرة تيتانيك ومحطة أفاتار مع موضع مفتوح هو البحر في تيتانيك والغابة في افاتار، والملحمة في الفيلمين هي في الانتقال بين الموضعين كما انها في اندماج الأحداث بالمكان بحيث يبدو السرد السينمائي توسعاً في تفاصيل المكان والحدث معاً، وبحيث تتماهى رقعة الأحداث برقعة المكان. ثم ان في الفيلمين، كما سنرى، نفس فكرة الفداء المسيحي. موت بطل التيتانيك وهو واقف في الماء كالمسيح كان فداء لحبيبته الناجية والآخرين، وموت بطل افاتار الرمزي كان أيضاً فداء بقدر ما كان تجسداً للخليقة الجديدة. في فيلميه احتفظ جيمس كاميرون بنفس الرسالة ونفس البناء ونفس التقنية حتى ان بوسعنا القول ان الفيلم الثاني يترسم الأول. نجاح تيتانيك الهائل اغرى كاميرون بذلك. كان في فيلمه الجديد لذلك يقلد تقريباً نفسه، مع ذلك وربما لذلك ظل قادراً أيضاً على أن يسحرنا.

 

لنعد قليلاً الى «افاتار». لا اعرف لماذا تذكرني «المحطة أو القاعدة» بالباخرة تيتانيك. انها مثلها هائلة شاسعة بالطبع لكنها مثلها ايضا شبه متاهة. مثل التيتانيك للقاعدة دواخلها المقلقة وأروقتها الضيقة. إذا كانت التيتانيك باخرة فإن القاعدة تشبه مطاراً. اننا في داخل مغلق لكننا أيضاً في نوع من متاهة تكنولوجية. انها صورة كابوسية عن الحضارة المعاصرة. ثمة هنا بالطبع «عجائب» آلية، لكن يدهشنا مع ذلك ان الآلة التي تنقل جايك سالي الراقد فيها الى باندورا ليتجسد واحداً من كائنات بندورا بذيل وأذنين طويلتين، فيما يظل نائماً. آلة التجسيد والانتقال هذا بسيطة جداً، لم يتفنن فيها المخرج عن قصد فهي ليست سوى «تابوت». شكلها التابوتي ليس مصادفة فالمخرج يصر عليه، لا نبتعد كثيرا إذا قلنا انه «الموت» الذي يسمح لنفس جايك بأن تتجسد في شخص واحد من كائنات باندورا. لن نطيل، سنقول فوراً انها قصة المسيح بترتيب مختلف وربما بتعديل أساسي. جايك مشلول، هذا لم يأت اعتباطاً. انه مشلول، لقد شُلت قدماه فهو ميت حي، أي انه معلق بين الموت والحياة، يمكننا ان نفكر هنا بالمسيح المعلق على الصليب. بالمسيح الذي شفى المشلول وقال له قم. أيا فكرت فإن المسيح أمامنا. جايك نصف الميت، المشلول أو المصلوب سيدخل كالمسيح في التابوت لكنه لن يبقى فيه. سيقوم منه كما قام المسيح وسيتجسد في باندورا. هذه المرة لن يتجسد في انسان فالبشرية لم تعد تستحق، المسيح الجديد سيكون بذيل طويل واذنين طويلتين ووجه أخضر، سيكون كائناً من باندورا. انه تعديل اساسي، فالمسيح الجديد لن يكون إلهاً تجسد في انسان كما هي الحال في المسيح الأول. سيكون انساناً تجسد في كائن من باندورا، كائن من انسان وحيوان، كائن عاد ابناً للطبيعة لا قاتلاً ومدمراً لها، فجنود القاعدة يريدون تدمير الغابة بحثاً عن المعدن الثمين الذي يذكر اسمه باليورانيوم. المسيح الجديد أخضر كالطبيعة، انه، من وجهة نظر ما، مسيح أيكولوجي. هو هذه المرة روح الطبيعة الأم المتجسدة في كائن أخضر.

 

هذا ليس تأويلاً للفيلم الذي يحتمل تأويلات أخرى. إذا خرجنا من القاعدة الى الغابة وجدنا إن إغراق كاميرون التقني وعجائبه الآلية ليست إغراقاً في الخيال. كاميرون في أفاتار هو كما في تيتانيك يلجأ غالباً الى صور معروفة. الرخ السندبادي وطيور ألف ليلة وليلة الخيالية بالإضافة الى المخيلة الديناصورية بالإضافة الى لوحات روسو الجمركي وأزهاره العملاقة وجبال اللوحات الصينية المعلقة والاشجار العملاقة. انه خيال مسلوك ولا يقارن بخيال أليس في بلاد العجائب ولا يتجاوز عجائب «حرب النجوم» او افلام «هاري بوتر» على سبيل المثال. المبالغة هنا في التقنية وفي الحركة. ملحمة كاميرون هي في التفاصيل البهلوانية التي تتلاحق بلا راحة بما يشبه السحر وبنفس الابهار وقطع الانفاس الذي يحصل في سيرك. كاميرون في «افاتار» يلعب لعبة السيرك هذه، بل هو، بأحجام كبيرة ومجسّمة، يستعيد ما يشبه شريطا غرانديزريا (من غرانديزر) ان لم نفكر بـ«حرب النجوم». نحن هنا في جو مسحور ومن مفاجأة الى مفاجأة. كاميرون قادر على اغراقنا بهذه البهلوانية المستمرة وبسلاسة عرفناها في التيتانيك بحيث تنقضي ثلاث ساعات تقريباً ونحن لا نجد وقتاً لنفكر في الوقت.

 

هناك تأويلات غير مستورة. لا يخفى ان افاتار هو اعادة فانتازية وبالمقلوب لاستيطان أميركا، شعبا «فاني» ليس بشراً. انه من انسان وحيوان معاً في اشارة الى «السيبرمان» الايكولوجي العائد الى الطبيعة. لكن السيبرمان الايكولوجي له أمارات الهنود الحمر والتخطيطات الملونة على أجسادهم وله أيضاً أساطيرهم ودياناتهم وكلامهم. ليس هذا اعتباطاً، انه، بقصد، إعادة معكوسة ومعاصرة لرواية استيطان القارة الأميركية بل تأسيس الولايات المتحدة الأميركية. جرياً على ذلك نفهم ماذا يعني بالمعدن الثمين (اينوباتانبوم) ونفهم ماذا يعني بطرد السكان، كل هذا لا يحتاج تأويله الى تحليل طويل. لكن النتيجة مختلفة كما نرى، لم ينجح المستعمرون هذه المرة بابادة أو اقتلاع السكان أو بمعنى آخر قتل الطبيعة. لقد انتصر السكان هذه المرة وانتصرت الطبيعة أيضاً.

 

انه أيضاً التماهي بين قصتين أولاهما تاريخية والثانية راهنة. الأولى هي استيطان أميركا وإبادة شعبها الأصلي. والثانية هي الاعتداء على الطبيعة لا السيطرة عليها فحسب ولكن أيضاً تدميرها. إذا كان التماهي بين القصتين ذكياً فثمة قصة ثالثة على الطريق، هي الحرب التي تشنها أميركا على العراق وأفغانستان بلغة بوش التي يستعيرها الفيلم «الحرب الوقائية» والإرهاب ضد الإرهاب، هذه القصص الثلاث، رجوعاً الى الحكاية الأولى الجوليفرية السندبادية الديناصورية، تجعل افاتار فيلماً أشبه باللفائف القديمة، فهو عندئذ حكاية بأربعة طوابق ولكل منها أصل ومدخل معروفان. من الخرافة الجوليفرية الى حكاية اميركا والهنود الحمر الى المشكل الايكولوجي الى حرب العراق وأفغانستان. نحن إذاً أمام الخرافة وتفسيرها. بل نحن أمام الحكاية وعِبرتها. هنا يمكن ان نفكر بأن الملحمة المثيرة التي تقطع الانفاس هي أيضاً أمثولة. انها الحزورة وحلها في آن معاً، الرمز ومعناه. هذا لا يترك لنا شيئاً. اننا هنا لنصغي ونفهم فقط. ليس هذا فحسب، فالفيلم الذي يبني باستمرار على صور معروفة يشحنها بإثارة مضاعفة، هو الفيلم الذي يستعير أيضاً كلاماً شائعاً. كل هذا الكلام عن روح الأرض والطبيعة الأم ليس جديداً. قد نجد جدة ما في السيبرمان الايكولوجي، في المسيح الايكولوجي، في الديانة ذات المنشأ الايكولوجي، مع ذلك نشعر بأن الفيلم هنا لا يبهر. التبشير الايديولوجي يخنقه في الواقع ويمنحه كثافة وهمية تثقله وتعميه. ان دعوة «دينية» تتردد في الفيلم على نحو يجعل منه أحياناً عظة لا لزوم لها، تحمل الحكاية تفسيرها مما يقبضها ويحبسها. أوقع ذلك الفيلم أحياناً في سذاجة تعليمية كطواف البطل على القبائل وتوحيدها أو الصلاة المستجابة للطبيعة. هنا ندخل حقاً في «كيتش» ديني.

 

في النهاية لا بد من ان نحظى بالمعنى الأخير: جايك الإنسان يموت في حين ان جايك ابن الإنسان والإله الايكولوجي، جايك الأخضر ذي الذيل والسحنة الهندية يفتح عينيه. لقد انتهت إقامته بين البشر لكن ألوهيته ستتحقق على الأرض. الطبيعة والدين هما اللذان يتألهان هنا، والعالم يعود مقدساً.

 

السيئ هنا أن الفيلم يدعونا بدون ضرورة الى جدل سياسي مباشر لن يكون رابحاً فيه، لقد نعمنا بقصة حب وفداء وملحمة ساحرة ولا نجد حاجة بعد ذلك الى الغرق في نقاش حول إذا كان في وسع الأميركي المنشق، او الانسان المعاصر نفسه ان يكون المسيح الجديد، وان ينبري مجدداً لانقاذ الأرض والطبيعة والتذكر الأفلاطوني للروح القديمة.

 

عن جريدة السفير 9/4/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق