” أفطروا لتقووا على ملاقاة عدوّكم”

علينا أن نعترف بأنّ ما حدث أمر نادر فريد منذ بدء الرسالة المحمّديّة إلى أيّامنا هذه مهما تكن معتقداتنا الدينيّة أو اللاّدينيّة. ولكن قد تكون الروايات المتداولة، مشافهة أو في الفضاء الافتراضيّ، مبالغا فيها تنديدا بما صرّح به الزعيم بورقيبة وتكفيرا له، أو تمجيدا لاجتهاداته ولمواقفه من الدين.

فهل تعمّد المجاهد الأكبر، على ما كان بوق الدعاية في تونس يلقّب به الحاكم بأمره طيلة ما يناهز الثلاثين عاما، فعلا أن يشرب، على رؤوس الملإ وفي واضحة النهار، كأسا من العصير (واستكثرت رواية أخرى العصير فقلبته إلى كأس ماء!) في أحد أيام رمضان من سنة 1960 للميلاد الموافق لـ1379 للهجرة؟

لا نستغرب ذلك من شخصيّة قويّة، فذّة، مثل بورقيبة لها مواقف من الدين واجتهادات مازالت إلى اليوم مثار جدل في عالم إسلاميّ غارق في سبات عميق من الكسل الفكريّ والبحث عن المرجعيّات الوهميّة.

فالرجل انتدب نفسه وكرّس حياته لتربية شعبه وتعليمه آيين المدنيّة الحديثة وآداب الحياة وفرحتها كما كان يعد شعبه. كان يخطب في الناس عبر المذياع ثم التلفاز وفي الاجتماعات الحاشدة ليحثّهم على النظافة والعناية بالهندام مثلا، بقدر ما كان يدعوهم إلى تغيير العقليّات ومحاربة الشعوذة والخرافة. ولا يرى ضيرا في تعليم الناس الطرق المثلى في التغذية والتعامل الصحّي مع الخضار، ويحدّثهم عن العاهة التي يشكو منها في خصيته، بقدر ما يدعوهم إلى التضحية والفداء وإعلاء قيمة العمل والتوق إلى الأفضل ومقارنة أنفسهم بالسويديين والدانماركيين والسويسريين. باختصار كان بورقيبة يمتّع شعبه بالحكايات الشيّقة وببطولاته وصولاته وجولاته وتفاصيل حياته بقدر ما كان يسعى إلى تدريبه على التفكير العلميّ والتحليل المنطقيّ. كان مدرسة هو المدير والناظر والمعلّم الوحيد فيها وكان عموم الناس يحبّون معلّمهم إجلالا وإعجابا أحيانا ورهبة وخوفا أحيانا أخرى، وانبهارا بخطيب مصقع ساحر في جميع الحالات.

وبحسب هذه العلاقة، التي نسجها الزعيم مع شعبه، فإنّ شرب كأس ماء أو عصير أمام جمهور من المسلمين يجلسون من معلّمهم و”إمامهم” مجلس المريد والمؤمن بكراماته ضدّ الاستعمار وضدّ التخلّف، لا يعدو أن يكون تفصيلا صغيرا ضمن عقد جامع بينهما تقتضي بنوده المصارحة والمكاشفة مقابل التقدير والثقة وغضّ الطرف عن الأخطاء والهفوات. فبورقيبة في واقع تلك الفترة، أي بداية السنوات الستين هو أبو الاستقلال، وإن كان منقوصا قبل جلاء الفرنسيين عن مدينة بنزرت سنة 1963، وهو الحكيم الذي صنع من ذرّات رمل مفتّتة شعبا جديرا بالكرامة على حدّ الاستعارة التي ما انفكّ الزعيم يردّدها.

{{ مزاعم الأعداء…والأصدقاء أيضا}}

ولكن أغلب الظنّ أنّ الرواية التي انتشرت قد صاغها خصوم بورقيبة “المرتدّ” “الزنديق”، للتشنيع بموقفه من صيام رمضان وإخراجه في صورة شيطان رجيم لا يتورّع عن مخالفة المعلوم من الدين بالضرورة، وصدم مشاعر المسلمين في الشهر الفضيل، وإقامة الحجّة العيانيّة على ارتداده عن دين اللّه. وربّما راق ذلك للحداثيين والعلمانيين والملاحدة إمعانا في إبراز جرأة بورقيبة في مسائل الاعتقاد وتحدّيه للمؤسسة الدينيّة والقوى المحافظة، ليقدّم في صورة الزعيم المسلم الحداثيّ اللاّئكيّ الذي لا يتردّد في مواجهة خصوم التقدّم والعقلانيّة.

ولا شكّ أنّ هذا المشهد لم يصوّر البتّة كما صُوِّرَ مشهد نزع الحجاب عن امرأة تونسيّة، وإلاّ لوجدناه في المواقع الإلكترونيّة المعنيّة والمنتديات التي تتوالد كالفطر بدل أن تظلّ محفوظة في الأرشيف. فالدولة التونسيّة لم تنشئ تلفزتها إلا سنة 1966 لتصوّر حركات الزعيم وسكناته وتوجيهاته وخطاباته في الناس، وكانت تكتفي إلى حدود تلك السنة بإذاعة خطب الرئيس في الإذاعة. ولكن العامل الأهمّ الذي جعل الكاميرا لا تسجّل هذا الحادث المزعوم أنّ خطاب 5 فيفري 1960 الذي تحدّث فيه عن رمضان كان خطابا روتينيّا من الخطب الكثيرة التي ما فتئ الزعيم يلقيها حيثما حلّ.

فالثابت أنّ هذا الحادث ملفّق غير مطابق للحقيقة التاريخيّة، بما أنّ تاريخ إلقاء الخطاب الذي أثار ضجّة (أي 5 فيفري 1960) يصادف ثلاثة أسابيع قبل بداية شهر الصيام، وهو ما ذكره بورقيبة نفسه في نصّ خطابه الذي سننشر جزءا منه في “الأوان” في مناسبة قادمة. والفرضيّة الوحيدة المتبقّية هي أن يكون الحادث قد وقع، إن وقع، في مناسبة أخرى ندعو المؤرّخ المتميّز كاتب “الأوان” عبد الواحد المكني إلى التحقيق فيها وإن كنا نستبعدها استبعادا.

والحقّ أننا لسنا نسعى بهذا إلى تبرئة بورقيبة من تهمة ما، ولا إلى تمجيده على صنيعه. فمن المعلوم عند من كتب سيرة الرجل ومن عاشره ومن نقل بعض أسراره، أنه من المفطرين في رمضان. وكان على ما يزعم الباحث الفرنسيّ مارتال، كاتب سيرة من سيره، يصدم وزراءه بدعوتهم إلى الغداء معه في شهر رمضان.

غير أنّ ما تنطوي عليه دعوته لإفطار رمضان في خطبته أمام حشد من “إطارات المنظمات القوميّة والسلك الإداريّ والسلك القضائيّ وموظفي كتابة الدولة للشؤون الاجتماعيّة وجميع من لهم مسؤوليّات في السهر على شؤون الشغل والشغّالين”، إضافة إلى مفتي الديار التونسيّة آنذاك فضيلة الشيخ محمّد العزيز جعيط (على ما ورد في نص خطاب بورقيبة نفسه)، أمر يتجاوز ولا ريب حقّ بورقيبة الإنسان في أن يمارس اعتقاداته واختياراته الشخصيّة في مجال الدين، ليمسّ ركنا مكينا من أركان الإسلام الخمسة، وليثير عميقا جملة من التساؤلات المشروعة عن الدواعي والأسباب والحجج والمبرّرات. فنحن أمام زعيم دولة ينصّ دستورها على أن دينها الإسلام، مهما قيل عن لائكيّة النظام التونسي والبورقيبي تحديدا، وأمام زعيم لم يسع البتّة إلى محاربة الدين الإسلاميّ، بل قدّم نفسه على أنه مجتهد لا يرى في الدين ما يناهض التقدّم والعقل وروح العصر، شاء مكفروه أم أبوا.

{{ عودة إلى خطاب الزعيم}}

نحتاج هنا لتنزيل موقف بورقيبة من رمضان إلى استعادة السياق الذي ورد فيه هذا الموقف، لأنّ من اطّلعنا على كتاباتهم في هذا الموضوع لم يراعوا أهميّة مقام الخطاب في بيان الأسباب والدواعي.

لقد كانت المناسبة التي جمع فيها الزعيم بورقيبة النخب الإدارية والسياسيّة والقضائيّة والنقابيّة هي تهيئة الجميع لسياسة “الحظائر”، التي رأى بورقيبة وحكومته أنها حلّ لمشكلة البطالة المتفشّية في تلك الفترة وما يتبعها من فقر وخصاصة وما تعانيه الدولة جرّاءها من صعوبات جمّة. والمعلوم أنّ دولة انتشت لتوّها بالاستقلال وجدت أمامها اقتصادا منهارا وغيابا يكاد يكون كلّيّا للاستثمار الخارجيّ وعجزا عن استثمار الأراضي الفلاحيّة التي استرجعت من المعمرين، لضعف الخبرة العلميّة والتقنيّة والإداريّة مع عجز عن التصنيع لإنتاج الثروات وتصديرها. ولهذا كلّه، كما يمكن لأيّ كان أن ينصوّره، انعكاسات اجتماعيّة وصحيّة مزرية.

والحلّ الذي ارتآه الزعيم هو التعويل على الطاقة البشريّة العاطلة لتعويض النقص التقنيّ، رغم وعي بورقيبة الواضح في خطابه بأن هذا الجهد البشريّ لا يمكنه أن يعوّض مردوديّة الاقتصاد الممكنن.غير أن تشغيل ما يناهز 150 ألف عاطل عن العمل في شعب فقير لا يتجاوز الأربعة ملايين مع غياب الاستثمارات ليس بالأمر الهيّن.

أضف إلى ذلك أن أجر العامل في الحظيرة لا يتجاوز المائتي مليم تونسيّ (وهو ما يعادل الرطلين لحما بأسعار تلك الفترة) مع كيلين من الدقيق دون أن يخضع ذلك “للقوانين والاجراءات الاجتماعيّة” أي بما لا يكفل حقوق العمال في بلد عرف الوعي النقابيّ القويّ الفاعل. ولكنّ البلاد كانت في حاجة إلى التشجير وتجديد الغابات وشقّ الطرقات واستصلاح الأراضي الفلاحيّة وغيرها من الأعمال الكبرى والشاقةّ.

وهذا التوجّه معروف عالميّا، ولا نستبعد أن يكون الزعيم ووزراؤه وخبراؤه قد استوحوه من تجارب رأسماليّة الدولة البيروقراطيّة المسمّاة عبثا بالاشتراكيّة، على النمط السوفياتي اللينينيّ الستاليني أو النمط الصينيّ الماويّ. وهو توجّه يقوم على ضرب من الإرادويّة السياسيّة والاقتصاديّة ترتكز على مفاهيم التضحية والعمل المؤقّت والجماعيّ والمشقّة وهضم حقوق العمال والفلاّحين، مقابل إطعام مسكين ما يسدّ رمقه ولو قليلا، حتّى يواصل التضحية بدمه فداء للأمّة والوطن والقائد الفذّ الملهم، ومشتقات هذه الخزعبلات التي لا تحترم ذاتا بشريّة ولا تراعي إلاّ ريطوريقا الإخلاص في العمل، واجتناب التقاعس، والمشاركة في بناء الدولة، والحماس الوطني الفيّاض لإدراك مصاف الدول المتقدّمة.. ولا تقدّم ولا هم يحزنون أو يفرحون بالحياة.

هذا هو موضوع الخطاب الذي أراد به الزعيم أن يسوّق فيه “المشروع العظيم” (والعبارة له) الذي أعدّته حكومته في ظلّ قيادته الرشيدة. وفي ختامه تطرّق إلى شهر الصيام.

{{ مشقّة الصيام تعوق العمل}}

نشير إلى أنّ بورقيبة عرض جملة من الصعوبات التي تحول في نظره دون كسب المعركة ضدّ البؤس والفاقة والفقر. ومن بين هذه الصعوبات التصوّرات الاجتماعيّة التي يعتقد التونسيّون حسب الزعيم أنّها من الدين، والدين منها براء على حدّ تعبيره. إذ يبرّرون الفقر مثلا بأنّه من سنن الله في خلقه بما أنه جعل الناس درجات وهوالذي يِؤتي رزقه من يشاء، وأنّ لكل واحد “قسمته” وما كتب الله له ولا يخلق الله نفسا إلاّ ساق لها رزقها. ولكنّ الزعيم لم يرض بهذا التفسير وأرجع الأمر إلى غياب روح العمل والبذل والجهد، معتقدا أنه يمكن التغلّب على الخصاصة بالعمل والكدّ.

ولمّا كان شهر رمضان على الأبواب لم يتردّد بورقيبة في التذكير بما يشهده هذا الشهر من تقاعس وتكاسل يتذرّع له الناس بالصوم وبأداء الواجب الدينيّ. والحاصل من ذلك أنّ ما تبذله الأمّة من جهود للتنمية يذهب سدى في شهر رمضان حيث “ينهار إنتاجها ويكاد يضمحلّ تماما وتسأل عن السبب فيجيبك مجيب بأنّه رمضان”( من خطاب 5 فيفري 1960).

لذلك فصوم رمضان “يحطّ من إمكانيّات الفرد ويجعله لا يقوى على واجب هو ليس واجبا شخصيّا بل واجب نحو أمّته ونحو دينه”، ويقصد الزعيم بهذا الواجب الوطني (نحو الأمّة)والدينيّ واجب الخروج من ربقة التخلّف والانحطاط بـ “العمل الدؤوب المتواصل والشغل المثمر المجدي”.

وهنا طفق المجتهد والمجاهد الأكبر يشغّل آليّة تأويل الدين نصّا وسيرة ليبرّر دعوته إلى التخلّي عن صوم رمضان وإسقاط هذا الركن من اركان الإسلام.

فلئن أباح اللّه للمؤمن المسافر الإفطار رحمة به من أتعاب السفر فمن الأولى أن يعفيه من مشاق العمل الذي “لا عيش له بدونه” ولا قوت لأبنائه دون ذاك المقدار من الدقيق الذي توفّره له الحظائر. وعلى هذا فإنّ الدين يسر لا عسر و”اللّه (…) قد خفّف على عباده جميع الفروض التي تشقّ عليهم وينالهم التعب في أدائها والصيام أشقّ هذه الفروض على النفس”.

وينبّه الزعيم إلى أنّه لا يدعو الناس إلى ترك الصيام، ولكنّ الصوم الذي يقعد الناس عن توفير أسباب الحياة والرفع من مكانة الدين وبلوغ الأهداف السامية هو أمر “يجعلكم في حلّ من الصيام على أن تؤدّوا صيام الأيام التي أفطرتم فيها عندما يتيسّر لكم ذلك يوم تحالون على التقاعد مثلا، أو حين تكون الظروف مواتية. وليس هناك مانع دينيّ يمنع من ذلك” .

والطريف أنّ الزعيم نسب هذه الفتوى إلى الشيخ محمد العزيز جعيط الذي كان حاضرا في القاعة والشيخ منها براء، بدليل الفتوى التي ألقاها في 13 فيفري 1960 م الموافق لـ 15 شعبان 1379 هـ ( أي بعد أسبوع من خطاب بورقيبة) بالإذاعة التونسيّة، ونشرتها بعض الصحف من الغد، مؤكّدا فيها أنّ الصوم من”دعائم الإسلام ونصّ على فرضه القرآن والسنّة وانعقد الإجماع على وجوبه واشتهر ذلك فصار من المعلوم من الدين بالضرورة يخرج منكر وجوبه من حظيرة الإسلام”. وهو قول بليغ في مناقضته تمام المناقضة لمزاعم الزعيم.

أهي طعنة أخرى من المؤسسة الدينيّة لاجتهادات الزعيم؟ أم هو واجب رجل الدين في حفظ ما يعتقد أنه حقوق اللّه بإزاء أهواء الملوك والسلاطين حتى وإن كانوا جمهوريّين؟ ألم يبدأ الزعيم نفسه بتوريط عالم دين تقليديّ بنسبة فتوى لا يجد لها سندا في أوراقه الصفراء ومخطوطاته التي ورثها أبا عن جدّ؟ أهي صورة أخرى من صور الصراع التاريخيّ بين الفقيه والسلطان كلّما وطئ أحدهما المجال الخصوصي للآخر وأراد اختراق الحدود وخلط الأوراق؟

{{ الجهاد.. الجهاد..في سبيل التقدّم}}

لم يكن الأمر في ما يبدو، على هذه الصورة التقليديّة من صراع رجل الدين مع رجل السياسة، فقد اعترف بورقيبة في خطابه نفسه بأنّه التقي الشيخ جعيط من قبل وجمعهما مجلس حضره فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور، وقدّم له الشيخ جعيط نفسه الحجّة التي يعتقد بورقيبة أنّها قاطعة في دعم اجتهاده بإمكان ترك الصوم.

فلو كان الرسول حيّا حسب الزعيم لذهب إلى ما ذهب إليه بورقيبة. ومن حسن حظ التونسيّين والمسلمين، في ما يبدو، أنّه وجد بورقيبة ليفهم مقاصد الدعوة المحمّديّة؟. فعند فتح مكّة أدرك رمضان المسلمين الفاتحين فصام بعضهم وأفطر بعضهم الآخر، فأفطر الرسول ولكنّ بعض صحابته ومقاتليه تمسكوا بالصوم فأمرهم بالإفطار قائلا ” أفطروا لتقووا على ملاقاة عدوّكم “. وعلّق بورقيبة على الحادثة تعليقين أحدهما يتصل بجدارة هذه الحادثة بأن تحلّل كلّ يوم جمعة في الجوامع، والأخرى أنّ مقاومة أعداء الدين اقتضت أن يفطر المسلمون “وماذا يفيد الدين يا ترى إذا تمسّكوا بالصوم ثمّ اندحروا أمام قريش؟”. انتبه أيها القارئ فالاستفهام إنكاريّ وترجمته في مقام الخطاب و”ماذا يفيد تونس يا ترى إذا تمسّكتم بالصوم ثمّ اندحرتم أمام الانحطاط والخصاصة والذلّ والمهانة ؟ ”

والقياس هنا واضح؛ كان الرسول يحارب قريشا لنشر الدعوة وبناء دولة المسلمين والتمكين للدين الحنيف، والتونسيون بقيادة بورقيبة يحاربون الفقر والخصاصة لبناء الدولة ونهضة الأمة وعزّة الإسلام. كلاهما في حالة حرب يُضعف فيها الصيام المجاهدين والعاملين ويُقوّيهم الإفطار لملاقاة العدوّ . ولئن كان فتح مكّة جهادا في سبيل الله، فإنّ العمل جهاد في سبيل عزّة تونس ونهضتها. ويزيد الزعيم قياسه وتمثيله تعميقا بأن دعا من يريد مزيدا من المغفرة والثواب إلى العمل ساعات إضافيّة بدل الصوم.

ولنا أن نزيد القياس والتمثيل تفصيلا، ولكن المهمّ هو هذا التأويل الذي جعل الإسلام يحضّ على الإفطار بعد إخراج الحدث المخصوص من تاريخيته وظرفيّته وطابعه الاستثنائيّ للوصول به إلى بناء قاعدة فقهيّة جديدة، بل قل قلب ركن الصوم إلى الحضّ على الإفطار.

أهو قياس صحيح؟ أهو قياس مغالطيّ ؟ لكن ألسنا في مجال الظنّ والتصوّرات والتقديرات؟ ألم يكن المجتهد الأكبر يؤوّل مقاصد الشارع على طريقته باحثا عن الإقناع بفكره مهما تكن ثخانة النصّ القرآنيّ وثقل التاريخ والتقاليد ووزن التصوّرات المستحكمة؟ فكيف نطلب ممّن يده في نار تشغيل شعب عاطل وبناء اقتصاد منهار أن يراعي الأقيسة المنطقيّة؟ ثمّ أتستقيم أمور السياسة والاقتصاد باستقامة الأقيسة وسلامتها من كلّ عيب أو شائبة؟

{{ هل تكفي آليّة التأويل؟}}

إنّ جوهر المسألة عند الزعيم المجتهد والأساس الذي بنى عليه اجتهاداته أنّ ما ذكره “هو ديننا الحنيف الصالح لكل زمان ومكان والمساير لجميع الظروف والبلاد التي تدعو فيها الحاجة إلى الشغل والعمل والجهاد في منطقة معيّنة لا يمكن أن يقعدها الدين عن ذلك، لا سيما وهو دين يدعو إلى الجهاد، وإذا قال قائل إن الدين يقعد بالمسلمين عن التطوّر والتقدّم، فإنّي أردّ عليه بأنّه يستحيل أن يكون الدين سببا في تأخرنا وفي ضعفنا”

ورغم ذلك، فإنّ نوعيّة الحجّة التي قدّمها بورقيبة قد لا ترضي المؤمنين ولا تطمئنهم نفسيّا، وقد لا تشبع كذلك رغائب نقدة الدين، لأن الخطّة التي اعتمدها تقوم على البحث عن أساس دينيّ ولو كان واهيا ليجعل الضمير الإسلاميّ لدى التونسيين بالخصوص يقبل التجديد والتطوير.

وإذا تجاوزنا التفصيلات المتعلّقة برمضان، فإن المسائل التي طرحها بورقيبة، بما في ذلك منع تعدّد الزوجات، وأثارت ضدّه حفيظة المحافظين والرجعيين إلى حدّ إخراجه من الملّة، تعود في تقديرنا إلى مبدإ أعمّ ذكره في خطابه الذي اعتمدنا عليه في هذا المقال ومفاده “إن ديننا دين فروض قائمة على العقل والمنطق (…) ولكن ما يتعارض منها مع ضرورة الحياة وما تقتضيه الحياة والكفاح من أجل الحياة فإنّها تسقط بطبيعتها ويصبح المسلم في حلّ منها” .

ترى لو عالجنا بعقولنا جميع الفروض الدينيّة فما الذي يتبقّى منها؟ أليست هذه المسألة هي التي ينبغي، أساسا وليس حصرا، أن نحتفظ بها من خطاب المجتهد الأكبر وأن يناقشها المسلمون؟ أليست هذه الجرأة في تقرير قواعد في التفكير في الشأن الديني أجدر بالانتباه والتجديد لدى أهل زماننا؟

لقد انتصرت في تونس، تاريخيّا، الدوغما الدينيّة حول رمضان ولم ينفع القياس ولا التأويل ولا المصلحة، وذبلت شيئا فشيئا تلك الأفكار الخضراء التي لم تجد مؤسّسة رمزيّة أو ماديّة تحميها وترعاها فتحوّلها إلى عقيدة منتشرة مقبولة مهما يكن عدد المفطرين في رمضان أو عدد الذين التحقوا بصفوف الصائمين، فالمسألة من بعض جوانبها مسألة اعتقاد شخصيّ وجزء من الحرّيات الدينيّة. بل إنّ دولة بورقيبة نفسه عملت في بداية السبعينات، لأسباب شتّى، على دوزنة الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة على إيقاع شهر رمضان، كأنّ حديث الزعيم عن العمل والإنتاج لم يكن، أو كأنّ تونس التحقت بمصافّ دول مثل سويسرا أو السويد.

ولكنّ السؤال الذي لم يحسم بعد، ونحن نستقرئ مظهرا بسيطا من تعامل بورقيبة مع المسألة الدينيّة، هو: ألا يعود هذا الإخفاق في تكريس تصوّر آخر لرمضان وللفروض الدينيّة وأحكام النصّ القرآني والمدوّنة الفقهيّة إلى نمط التفكير نفسه الذي مارسه بورقيبة؟ وهو نمط يقوم على البحث عن سند ديني تؤوّل به النصوص والأحكام، لترسيخ تصوّرات غير دينيّة، أو على الأقلّ لم تألفها نفوس المؤمنين ونصوصهم المرجعيّة على النحو الذي تمثّلوه به. ألم يجد الزعيم المجتهد نفسه مجبرا على سحب مشروع قانون يسوّي بين الذكر والأنثى في الميراث في بداية السبعينات؛ لأنّ نصّ الميراث جاء في القرآن صريحا فتوقفت آليّة التأويل، وفوّتت البلاد فرصة نادرة للذهاب بعيدا في المساواة بين الجنسين بما يتطابق مع المعايير الدوليّة وخلاصة الذكاء البشريّ؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق