أقتل ! أقتل ! أقتل

جيمي ماسي رقيب خدم في المارينز ودخل العراق مع دخول القوات الأميركية عام 2003 . ولم يستطع هذا الجندي الذي تربى وثقف ودُرّب على القتل بدم بارد، الاستمرار إلى ما لا نهاية، إذ حصل مع نهاية العام 2003 على تسريحه من الجيش، آملاً في العودة إلى حياة طبيعية. بيد أن لعنة القتل لاحقته وخلقت عنده ربما تأنيب ضمير يصعب التخلص منه، وذلك حتى بعد تأليفه كتاب “أقتل ! أقتل ! اقتل” (دار الطليعة الجديدة، دمشق 2006)، الذي يعتبر محاولة للتطهر والتخفيف عن الذات المعذبة.

يُعتبر هذا الكتاب شهادة حية تتناول موضوعين هامين في حياة الرقيب السابق: الموضوع الأول ويتعلّق بتجنيد المجندين وتدريبهم في قوات المارينز، والثاني ويتناول تجربة ماسي الشخصية أثناء غزو العراق، إذ يتضّح من شهادته أن تجنيد الشبان الأمريكيين يجري في المناطق الأكثر فقراً في الولايات المتحدة الأميركية حيث يتم تقديم إغراءات مادية ومعنوية لهؤلاء بغية جذبهم إلى الجيش. أما في ما يخص التدريب في معسكرات المارينز، فهو يرتكز إلى تحويل هؤلاء المدنيين إلى عسكريين يتحولون بدورهم إلى آلة للقتل، وذلك عبر نزع الصفات الإنسانية عن المجنّد والعمل على تبليد مداركه وغرس العنف في أعماقه لكي يمسي آلة قاتلة لا تحسّ بأي شعور بالذنب، بل على العكس، ينتابها الشعور باللذة والاستعلاء وتحقيق الهدف. هكذا يصبح حلم الجندي أن يكون سوبرمان لا يُقهر ولا يساوي القتل عنده سوى تعزيز قوته واعتداده بذاته.

وتؤكد تجربة جيمي ماسي أن الولايات المتحدة لا تنشر الديموقراطية ولا الحرية في العراق، بل الموت والإبادة، كما أنها تمارس القتل المتعمّد وتعتبر كل العراقيين إرهابيين محتملين لتبرير جرائمها. فشهادته تروي إجهاز جنود من وحدته على الكثير من الناس العزل بدم بارد، وتعبيرهم عن نشوتهم في القتل بعبارات جنسية وقحة.

وتبرز ثقافة القتل هذه في أوضح صورها في العقيدة العسكرية الأميركية، حين يقول جيمي ماسي في شهادته: ” لقد تلقيت إعداداً كي أكون قاتلاً مشوّهاً نفسياً، وكل ما أعرف فعله هو إقناع شبان يافعين بالتطوع في صفوف المارينز كي يقتلوا المدنيين. فالمدنيون بالنسبة لي ليسو سوى نعاجاً ضعيفة وصغيرة، وأنا لست إلا كلب حراسة يعيش على النهب وقد أطلقوا عليّ اسم ( جيمي الكلب المفترس)”. ومن ثم يردف : “العالم كله بالنسبة لي فريسة افتراضية، نعم أنا مازلت أعتبر المدنيين فرائس، نعم لقد تدربت لأكون هكذا، اكتشف نقاط ضعف المدنيين وأبحث عن كيفية استغلالها والاستفادة منها، وأحافظ على الشك في نواياهم. وإذا أظهروا إشارة تنم عن ضعف ما، فهم هالكون.الألم يتملكني، الألم، إنه الضعف الذي هجر الجسد”.

ويؤكد جيمي ماسي على عملية التثقيف التي تلقاها أثناء وجوده في المارينز، إذ يقول : “لم أولد في هذه العقلية، قوات المارينز هي التي رسختها في ذهني… مكافأتنا هي النقود والجنس، إذ من الممكن أن يموت رجال قوات المارينز غداً، لذا كل شيء مسموح لهم، إنهم سوبر ستار”.

ويضيف جيمي ماسي في صحوته الوجدانية التي كانت سبباً في تأليف هذا الكتاب: “أنا الآن على بعد آلاف الكيلومترات عن كربلاء في العراق، غير أن الحرب دخلت معي إلى بيتي. ورغم أنني أعيش هنا بأمان في جبال الأبالاش في أمريكا الشمالية، إلا أن القنابل ما زالت تنفجر في داخلي ونيرانها تجلب لي العار. أشم رائحة اللحم المتفحم، رغم أن الهواء عذب هنا ويعبق برائحة الأزهار العطرة.

لقد تذكرت وأنا أقرأ هذا الكتاب أحد الشبان الذين دفعهم الحماس للذهاب إلى العراق أثناء الأيام الأولى لغزو العراق، وكنت أجريت لقاء مطولاً معه بعد عودته تحدث فيه عما جرى معه خلال أيام أسره من قبل الأمريكان ما يقارب شهرا أمضاه بين الأمريكيين. ولأنه يتقن اللغة الإنكليزية، فقد كان يعرف ما يدور بين الجنود وما ينوون فعله تجاه بعضهم البعض وتجاه المعتقلين المرضى والمصابين، قبل أن يستطيع الفرار. ومعظم مارواه لي يتفق مع ما جاء في شهادات هذا الكتاب.

هذا وتتجلى الديموقراطية الأميركية وثقافة الإلغاء بمنع صدور هذا الكتاب في الولايات المتحدة الأميركية، حيث رفضت دور النشر والمؤسسات الإعلامية نشره، فكان أن صدر فيما بعد في فرنسا، باللغة الفرنسية، أواخر عام 2005 عن دار بناما، وقد ساعدت الصحفية الفرنسية ناتاشا سولنييه الرقيب جيمي ماسي في نقله إلى الفرنسية ونشره. شكل هذا الكتاب صدمة للرأي العام الفرنسي والأوروبي لأنه لم يكن من تأليف مدني أو شخص كاره للحرب، بل من وضع جندي أمضى ثمانية عشر عاماً في قوات المارينز واعتمد أسلوبا مباشرا لدرجة استخدام ألفاظ سوقية وقحة تصف بصراحة ممارسات إباحية رخيصة يقوم بها جنود المارينز أثناء خدمتهم، وقد نقلت المترجمة رجاء شلبي ذلك بأمانة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق