ألا حذاء ( زيدي ) يعيد لنا كرامة غزة؟! فخر الدين فيّاض

لا يخالجني شكّ في أنّ أميركا هي (الشيطان الأكبر) في العالم، والشيطان هو الكائن الذي يرفض ويتمرّد ويوسوس ويخرّب ويستمرّ قدماً، غير عابئ بخسائر ” الإخوة المؤمنين ـ الطيبين والسذج”.. فالمهمّ هو طريق صعوده، وسرّ الشجرة المحرّمة لا يعرفه سواه!!

ولا يخالجني شكّ في أنّ إسرائيل مشروع إمبرياليّ متوحّش، ماكر ومخادع، لكنّه، في الوقت نفسه، مشروع حقيقيّ ومصيريّ وعصيّ على التحطيم، فضلاً عن رمي أصحابه في البحر.

ولا يخالجني شكّ، أيضاً، بأنّ العالم العربيّ قد تحوّل إلى أضحوكة من الصعب تكرارها في زمن العولمة، إلاّ إذا قارناه بأفاضل أفغانستان وحشّاشيها أو بملالي إيران ونوويّيها!!

ولست ممّن تفاجؤوا بالموقف العربيّ ممّا يحصل في غزّة.. فالغضب العقائديّ الذي يفرغ شحنة الإيمان والهتافات ” القوموية ” التي تفرغ شحنة الوطنيّة، والتوتّر أمام شاشات التلفزة وهي تعرض شوارع غزّة وقد زرعتها قوات الاحتلال بالجثث لكسر ملل الركود ورتابته، أمر أصبح اعتياديّاً إزاء محنة الفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين.. ومحنة بقية شعوب العالم العربيّ تحت حصار الاستبداد والأنظمة التوتاليتاريّة.

غزّة تحت الحصار..

أطفال المدارس يلتهمون محاياتهم بدلاً من سندويشات الزعتر.. وأحمد كفّ عن قراءة شعر أراغون ونزار قباني.. بعد أن تحجّبت المعلّمة وكفّت عن الضحك..

غزة تحت النار..

أطفال المدارس تستقبلهم القذيفة الإسرائيلية بدلاً من أحضان الأمّهات.. وأحمد كفّ عن قراءة غسّان كنفاني ومحمود درويش بعد أن كفّرهما القادة المجاهدون أصحاب مفاتيح الجنة..

غزّة تفقد بريق عينيها الذي زرعه ذات يوم الأمير الأحمر حسن سلامة.. الأمير الذي جيّش عفاريت الكون ضدّ المشروع الإسرائيلي، وسار بمعيّة الكوفيّة التاريخيّة لأبي عمّار نحو مقر الأمم المتحدة في نيويورك حين رفع غصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى وخاطب الكون أنّ القضية الفلسطينية في قلب العالم وليس قلب العرب فقط.. وبدت المنظمة للحظات أنّها تسير في اتّجاه جدليّ تاريخيّ وهي تقود شعباً شردته قوة غاشمة عن أرضه.

لكنّ المنظمة التي استقرّت داخل (دولتها!!) حوّلت حسن سلامة من فدائيّ مطلوب من جميع دوائر المخابرات في العالم إلى وزير وتاجر سلاح وصاحب سلسلة مطاعم (ماكدونالد) في الشرق الأوسط!! ، والجماهير التي صعقها منظر الوزير وقد تنكّر للأودية والجبال والمخيّمات عاقبته بالإخوّة المجاهدين حكّاماً جددا لدولة الكارتون والقشّ.

القادة المجاهدون، بدورهم، كفّروا الأمير الأحمر وخوّنوه. فقد خلب عقول النساء بدونجوانيّة عالميّة، ولم يحرص على كتب الفقه والأخلاق الإسلاميّة القويمة وخرج عن الصراط المستقيم..

غزة تحترق..

فلا ضير إن احترقت غزّة، فالإخوة المجاهدون الذين يستنكرون تخلّي العالم عنهم (وعن شعبنا) يعلنون صمودهم حتّى آخر طفل فلسطيني فيها. لكنّهم، مع ذلك، يصرّحون أنّ إسرائيل لن تبيد شعباً بكامله.. فسيبقى من يقترع في الانتخابات و ” نطبّق عليه أحكام الشريعة ويكتب لنا فيه الأجر والثواب”!!

خلال ساعات، كانت إسرائيل قد حصدت أرواح أكثر من مائتيْ فلسطينيّ، وملأت المشافي بالجرحى.. وربّما لو أرادت لكانت قد حصدت الآلاف وحوّلت جميع الأرصفة إلى مشاف. وكيف لا ؟!! حين لم يضيّع الإسرائيليون وقتهم بالخطابات والعقائد طيلة ستّين عاماً، في حين أنّ مدارسنا تحوّلت إلى مخافر وجوامع، وجامعاتنا إلى أقبية للمخابرات ومقرّات لـ (الدرك العصملي) أمّا قضاؤنا فقد تحوّل إلى (محاكم للثورة) ودساتيرنا تحوّلت إلى قوانين طوارئ، وكتب المعرفة والعلم إلى كتاتيب صفراء وأناشيد في حبّ المصطفى والصالحين!!

ألم يكن من أثمن هدايا يهوه إلى شعبه هم قادتنا التاريخيّين الملهمين، الرموز الأبدية الذين حولوا حياتنا إلى مسيرات وملصقات وتماثيل، وصبغوا روح البلاد بديماغوجية ( فليخسإ الخاسئون .. والله أكبر)؟!!

ما الذي أراده شعب يهوه أثمن من تلك الهدية: أن يكون أعداؤه (مفكّري) الأصوليتين القومية والإسلامية وجماهير غفيرة وغفورة تملأ الشوارع برائحة اليانسون والبخور والرسائل الخالدة.

دبابات جورج بوش دخلت العراق خلال ساعات، وسقطت بغداد والتمثال التاريخي لصدام حسين، وتحولت المسيرات المليونية (المؤيّدة) لصدام إلى مسيرات عكسية ضربت تمثاله وصوره بالأحذية.. وبعد خمس سنوات احتلال، ينبري منتظر الزيدي بحذائه ويعيد مجد العراق ومجد صدام ويهزم أميركا بعرف الجماهير العريضة و(زنادقتها) المفكّرين.

الآلة الوحشية الإسرائيلية اتخذت قرارها في دفن غزة، وتحويلها إلى أشلاء أمام عيون العالم أجمع، لتقدّم درساً دموياً في بشاعة القتل والمجازر الجماعية ضدّ الإنسانية جمعاء.. وتعلنها بوضوح وقح أنّ (هذا الشيء!!) المسمّى أمما متحدة أو مجلسَ أمن لم يخلق إلا لإعطاء الشرعية للأقوياء أمّا (المستضعفون في الأرض) وأصحاب الكتاتيب فلهم أمم متّحدة في السماء!!

عدّاد الموت يسير بسرعة البرق في غزة، وأهلنا يقتلون على الطرقات وداخل المنازل والمدارس، والمجاهدون يعلنونها حرباً أو صموداً حتى النصر أو الشهادة (حتى لو أبيد قطاع غزة).. فصواريخ القسّام و(إيمان العمائم) ستحوّل الأف 16 إلى (خردة يتفرج عليها العالم!!) .. وبالطبع مهما خسرنا من أرواح، مدنية وغير مدنية، ومهما لحقنا من دمار ودماء وأشلاء وجوع ودموع فسنخرج، بعرف الإخوة المجاهدين، منتصرين في النهاية، وإن لم تصدقوا فخير دليل على ذلك حرب تموز وحذاء منتظر الزيدي!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق