ألف تلميذ انقطعـوا عن الدراسة سنـة 2008! / منال حرزي

رغم تطور المنظومة التعليمية وارتفاع نسبة التمدرس بما يتماشى مع المعايير الدولية فإن آخر الاحصائيات والتي تعود إلى السنة الدراسية 2009/2008 تشير إلى أن نسبة الانقطاع المدرسي تقدر بــ6،1%.

وإذا كان العدد الاجمالي للتلاميذ خلال السنة الفارطة يقدر بـ471،170،2 تلميذًا فان عدد المنقطعين عن الدراسة بلغ في نفس السنة 727،34 تلميذًا. معضلة الانقطاع عن الدراسة في هذه المرحلة تضعنا في مفترق الطريق بين الأسباب الكامنة وراء الظاهرة وانعكاساتها وبين الحلول المعتمدة للحد منها.

يؤكد السيد بلعيد أولاد عبد الله، باحث في علم الاجتماع، أن عملية الانقطاع المبكر عن الدراسة ترتبط بعوامل عدة. فالوضع الاجتماعي للتلميذ يلعب دورًا فاعلاً في تدعيم العملية التربوية نظرًا لأهمية العامل السوسيواقتصادي ودوره الفاعل في تكريس عملية الانقطاع المبكر عن الدراسة فالعائلات التي تعاني الخصاصة والحرمان تدفع بابنائها إلى ترك الدراسة وتضطرهم للعمل لمد يد العون لها.

عوامل عدة

وفي ذات السياق يشير السيد بلعيد اولاد عبد الله إلى أهمية الجانب الثقافي للأسرة وعلاقته المباشرة بالانقطاع المدرسي فالوسط العائلي شديد الصلة بالنجاح المدرسي والعائلة التي تتبنى ثقافة التعليم يكون تأثيرها ايجابيا على الأطفال في حين يتجاوز علماء النفس والسلوك هذه العوامل ليؤكدوا ان الانقطاع المبكر عن الدراسة وعدم الرغبة في المتابعة نتيجة لمرحلة المراهقة التي يعيشها التلميذ وما لهذه المرحلة من انعكاسات سلبية على سلوكه، باعتبارها مرحلة تتخللها سلوكيات طارئة ومغلقة للمراهق بسبب المتغيرات الجسدية في تلك المرحلة.

وفي هذا الصدد يشير اخصائي في علم النفس إلى ان فترة المراهقة تساهم في افراز جملة من المتغيرات الفيزيولوجية التي من شأنها احداث ارتباك في سلوك التلميذ.

ووفقًا لذلك تتسم تصرفات التلميذ باللامبالاة وغياب أدنى شعور بالمسؤولية فيكون الاندفاع وعدم التروي مما يتسبب في الانقطاع مبكرًا عن الدراسة ويشير الاخصائي في علم النفس إلى ان مرحلة المراهقة لا تعد وحدها من العوامل الرئيسية المساهمة في هذه الظاهرة نظرا لوجود أسباب نفسية أخرى كميل التلميذ إلى العزلة وعدم قدرته على الاندماج مع زملائه.

وفي ذات السياق يرجع الأخصائي في علم النفس أسباب الانقطاع المبكر عن الدراسة إلى حالات الاكتئاب والقلق التي تصيب بعض التلاميذ جراء تفاقم المشاكل العائلية خاصة بين الأبوين.

فالعلاقات المتوترة في العائلة إلى جانب طلاق الأبوين لها أثرها السلبي في تشتت الأبناء النفسي وانعكاساتها التي تؤدي حتمًا إلى جعل التلميذ غير قادر على التركيز وعلى عدم تحمل هذه الظروف فتكون النتيجة ضعفًا في التحصيل الدراسي وانقطاعًا مبكرًا عن الدراسة..

من منظور علم النفس والاجتماع تتلخص أسباب الانقطاع المدرسي المبكر في الوضعية الاجتماعية للتلميذ والمستوى الثقافي للعائلة الذي يلعب دورا فاعلا في تدعيم العملية التربوية للتلاميذ ومواكبة مختلف مراحلها، إلى جانب الحالات النفسية التي تصيبه جراء تفاقم المشاكل العائلية، غير أن الاطار التربوي له رؤيته التقييمية الخاصة لهذه المسألة حيث تشير السيدة حياة، أستاذة أنقليزية، إلى أن معظم الأسر اليوم تتقاعس عن تحمل رسالتها تجاه أبنائها وبناتها.

وذلك لاعتقادهم ان التعليم هو من اختصاص المدرسة فقط فتكون قلة المراقبة أو انعدامها من طرف الأولياء لينجر عن هذا الوضع فشل متكرر ورسوب مستمر يؤدي في جانب كبير منه إلى انقطاع مبكر عن الدراسة.

ومن جهة أخرى تشير السيدة سعاد خليفة، أستاذة علوم فيزيائية، إلى أن طاقة الاستيعاب المحدودة لدى بعض التلاميذ من شأنها أن تؤدي إلى انقطاع مبكر عن الدراسة..

فطاقة الاستيعاب المحدودة ينجر عنها نتائج دراسية ضعيفة تقابلها رغبة قوية في الانقطاع عن الدراسة مضيفة ان كثرة المغريات في هذا العصر كالتطور التكنولوجي من شأنها أن تشد اهتمام التلميذ وتصرف اهتمامه عن الدراسة.

المدرسة.. والظاهرة..

يعتبر البعض ان المناهج والأساليب الدراسية المعتمدة من شأنها أن تدعم عملية الانقطاع المبكر عن الدراسة، وفي هذا الصدد يشير السيد محمد حليم – كاتب عام مساعد نقابة التعليم الأساسي ان السنوات الأولى والثانية من التعليم الأساسي تشهد معدلات كارثية ينجر عنها استمرارية الرسوب في ذات القسم لينتهي الأمر بالتلميذ إلى الطرد من المعهد.

ويرجع السيد محمد حليم أسباب ذلك إلى نظام الارتقاء الآلي الذي اعتمدته وزارة التربية والتكوين في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي.

فمن وجهة نظره يسمح هذا النظام بارتقاء حالات دون المستوى المطلوب ليجد التلميذ نفسه في المرحلة الاعدادية يعاني ضعفا فادحا في تحصيله العلمي، لتكون نتيجة هذه الوضعية استمرارية في الرسوب وانقطاعا عن الدراسة. وفي نفس السياق يؤكد السيد محمد حليم ان «القرارات المتخذة في صلب الوزارة والتي تهم المنظومة التعليمية اليوم تتسم بالتذبذب وعدم الاستقرار على خيار واحد فهي كلها عوامل تساهم في تشتت التلميذ وتذبذبه.

من جهتهم يعتبر بعض الأولياء ان المؤسسات التربوية اليوم تفتقر إلى وسائل تعليمية تجلب اهتمام التلاميذ حيث تؤكد السيدة آمال أن الاطار التربوي اليوم يقدم طرق تدريس مملة لا تستقطب اهتمام التلاميذ. وتضيف السيدة آمال أن قلة خبرة بعض المعلمين وعدم قدرتهم على استيعاب وفهم مشاكل التلاميذ التعليمية والتعامل معها بطريقة صحيحة من شانه ان يدعم ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة الأمر الذي يفنـّده مصدر مسؤول بوزارة التربية والتكوين حيث يؤكد ان المنظومة التعليمية التربوية اليوم هي منظومة رقميه عصرية وتعتمد مناهج وأساليب متطورة ثم إن النجاح المدرسي مقترن أساسًا بمدى رغبة التلميذ في الدراسة.

انعكاسات الظاهرة

تعددت الأسباب والظاهرة واحدة: انقطاع مبكر عن الدراسة تنجر عنه وضعيات اجتماعية عدة وفي هذا الصدد بينت دراسة اعدها المرصد الوطني للشباب تحت عنوان : «الظواهر السلوكية لدى الشباب من التشخيص إلى استشراف آليات الوقاية» أن 50 شابًا وفتاة موزعين على أقاليم تونس الكبرى وتتراوح اعمارهم بين 17 و18 سنة سبق لهم التواطؤ في أعمال مخالفة للقانون أوصلتهم إلى السجن.

وأرجعت الدراسة أسباب تنامي هذه الظواهر السلوكية المعقدة لدى الشباب إلى ظاهرة الانقطاع المبكر عن الدراسة ورغم صراحة القانون التونسي الذي يمنع تشغيل الأطفال فان نسبة هامة من الشباب المنقطع عن الدراسة تلتجىء إلى العمل خاصة في القطاعات غير المنظمة مما يجعل مراقبتهم أو ضبطهم عملية معقدة.

ورغم غياب إحصائيات دقيقة في هذا الشأن فإن دراسات عدة تؤكد أن نسبة هامة من المنقطعين عن الدراسة تتوجه إلى العمل مبكرًا وقبل السن القانونية.

عن جريدة الصباح التونسية 5/12/ 2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق