ألوان الجدار

عاش الفتى نتيجة هذه الهجرة ثمانية أعوام خلف ما سمي يومئذ بالستار الحديدي (خريف 1957- ربيع 1965)، وتنقل بين واجهتي النظامين: الاشتراكي والرأسمالي، فمن المعروف أن المعسكر الشرقي قد جعل من برلين الشرقية واجهة (فيترينة) لمزايا النظام الاشتراكي: ضمان الشغل، العناية بالثقافة والفنون، العناية بالشباب، تمكين أبناء العمال والفلاحين من دخول الجامعة، العلاج المجاني، وغيرها من مكاسب النظام، وجعل النظام الرأسمالي من برلين الغربية واجهة لمزايا النظام الرأسمالي، وخصص ميزانية ضخمة لتزيين هذه الفيترينة.

كان التنقل قبل بناء الجدار لا يكلف أكثر من عشرين مليما، يؤم الفتى مساء “مقهى الصحافة” بشارع “فريد ريش” القريب من مقر البرلمان الألماني قبل الحرب، والمجاور للمخبأ الذي انتحر فيه هتلر بعد دخول الجيش الأحمر برلين، والقريب كذلك من مسرح برشت، ومن جامعة برلين القديمة التي انتسب إليها يوما محمد علي الحامي غداة الحرب العالمية الأولى، ويسهر ليلا بشانزيليزي برلين الغربية (كورفورستن دام) .

سمحت هذه الهجرة للفتى بالتعرف العميق إلى طبيعة النظام السياسي في هذه الأقطار، فقد كانت “جمهورية ألمانيا الديمقراطية” تمثل أنموذجا متميزا بينها، ومنها تمكن من زيارة المدينة الساحرة بودابست، وسمع تفاصيل اجتياح الجيش الأحمر لها (1956)، وشاهد آثار الرصاص على واجهة العمارات، وزار للمرة الثانية موسكو لحضور ندوة الطلبة التونسيين بأوروبا الشرقية، ولم يكن هذه المرة خاضعا لبرنامج صارم، ومراقبة لصيقة. هذه الزيارة هي التي جعلت إيمانه بالتجربة الاشتراكية يهتز، ويشعر أن نظم المعسكر الشرقي ستتهاوى يوما ما، إن لم يبادر قادتها بالإصلاح، ويسمح لسكانها بهامش كبير من الحرية.

هــذا الشعور هو الذي جعله من أوائل من كتب في العالم العربي عن حركة المثقفين المنشقين في الاتحاد السوفياتي سلسلة من المقالات بعنوان “ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان”.

كتب الفتى في أحد نصوصه عن هذه الزيارة، وعن مروره للمرة الثانية بالعاصمة البولونية قال:

“وتمت الزيارة الثانية للاتحاد السوفياتي بعد مرور ثمانية أعوام على الزيارة الأولى، وتعمقت في هذه الفترة ثقافة الفتى السياسية، وأصبحت تجربته أكثر نضجا، ولم تكن الزيارة رسمية يراقبها العسس من كل جانب، بل نظمت لحضور ندوة الطلبة التونسيين بدول أوروبا الشرقية، وعاش الفتى بعض الأحداث قد تبدو جزئية، ولكنها كانت كافية لتدخل القتامة على الصورة القديمة المشرقة، ولتتسرب الريبة إلى نفسه، ولم يصل الأمر في هذه المرحلة إلى حد خيبة الأمل، والحكم نهائيا على سلطة تزعم أنها اشتراكية، سيحدث ذلك لاحقا.

ولا يسمح المقام هنا إلا بالتلميح إلى بعضها، فهو لم ينس تلك الصور التي عاشها بالرغم من مرور أربعين سنة، لم ينس ذلك الضجيج الذي سمعه فجر اليوم الموالي من وصوله إلى موسكو، وسكناه بأحد الأحياء الجامعية، وهو ضجيج أحد الطلاب السوفياتيين، وقد كان يستعد للعودة فجرا إلى أسرته بإحدى القرى فأخذ يحشو الخبز في جرابه حشوا دون أن يسأل عن هوية النائم بجواره، ولم يره من قبل، كما أن الفتى لم يلمح له وجها، وكان كل ما لاحظه تلك الحركة السريعة والمتوترة لحشو الخبز، وإخفائه في الجراب، ولما سأل الطلاب الأجانب المقيمين بالحي الجامعي عن سر ما لاحظه فكان الجواب أن الخبز متوفر في العاصمة موسكو باعتبارها تمثل واجهة النظام، وتؤمها وفود من الغرب، أما في القرى فهنالك أزمة في الخبز تحدث من حين لآخر، فالطالب أراد الإفادة من عودته إلى أسرته ليتحفها بالخبز، وقد أصبح الحصول عليه في مغازات الدولة أمرا صعبا، وهنا تذكر الفتى ما تعلمه نظريا، وهو أن نقطة القوة في النظام الاشتراكي تتمثل أساسا في توفير الضروريات في المرحلة الاشتراكية من مواد غذائية، وسكن، وتعليم وعلاج مجانيين، وشغل قار، ثم سأل يوما ما عن سر ذلك الضوء المشع من غرفة صغيرة مقابلة للباب الذي سمح له بالدخول منه من أبواب جامعة موسكو، ولا يمكن الدخول إليها إلا بإذن ، أو باستظهار هوية الإقامة فجاء الجواب: هنالك آلات تصوير تصور ليلا نهارا كل الداخلين من أبواب جامعة موسكو، وحدثت القصة الثالثة في طريق العودة من موسكو إلى برلين الشرقية، وفي نقطة المراقبة على الحدود السوفياتية البولندية لما دخل عون في زي مدني، وأشار إلى تفاحة كانت بجانب الفتى فظن أنه اشتهى أن يأكلها فناوله إياها فأخرج العون سكينا، وشطر التفاحة شطرين بحثا عن رسالة، أو ميكروفيلم أراد تسريبه أحد أعداء الثورة إلى الغرب، ومن هذه القصص تلك الأخبار المتواترة عن فتيات اختفين فجأة من الساحة الموسكوفية، وأرسلن لقطع الأشجار في غابات سيبيريا وذنبهن الوحيد أنهن وقعن في حب بعض الطلاب الأجانب، ورفضن أن يتحولن مخبرات عنهم، ومرة أخرى كان للعاصمة البولندية فرصوفيا دور في بث الشكوك، وطرح التساؤلات، فمن المعروف أن لهفة دول شرق أوروبا على العملة الصعبة كانت كبيرة، واستنبطت الطرق المشروعة وغير المشروعة للحصول عليها فتفتقت أذهان المختصين في الاقتصاد السياسي الاشتراكي عن فكرة فتح مغازات في الفنادق الراقية التي ينزل فيها الوافدون من الغرب الرأسمالي تبيع بالعملة الصعبة السجاير الرأسمالية، والقهوة الصافية، وليست المخلوطة المزيفة، وتباع فيها كذلك الفودكا الحقيقية المصنعة للتصدير إلى أسواق البلدان الغربية، وهي بضائع لا يجد لها المواطن العادي أثرا في مغازات الدولة، وإن وجدت فلا بد من الدفع بالعملة الصعبة، أما العملة الوطنية فلا تقبل في هذه الأسواق.

وكان الفتى ذات مساء بأحد هذه الفنادق، فرأى أحد المواطنين البولنديين يحملق في البضاعة المعروضة بمغازة الفندق، ثم جرى الحديث بينهما فقال له: إنني عامل بأحد المصانع هنا، وتحاول أبواق دعاية النظام يوميا أن تقنعنا بأن السلطة في بلادنا هي بيد الطبقة العاملة، وأمر أمام هذه الفنادق كل مساء لألقي نظرة على هذه البضائع، ولا أستطيع اقتناءها بالعملة الوطنية، وأرى بائعات الهوى يشترين بالدولار ما طاب لهن ولذ فأسأل نفسي: هل السلطة حقا بأيدينا معشر العمال، أشك في ذلك كل الشك.

لم يشعر الفتى في هذه المرحلة بخيبة الأمل، ولم تتهاو الأحلام، ولكن الشكوك اشتدت وطأتها، وبرز سؤال محوري: هل فعلا هذه الممارسة السيئة هي تطبيق لما قرأ من نظريات جذابة ومتألقة، ثم ما قيمة هذه النظريات إذا كانت الممارسة بهذه الصورة من السطحية والرداءة؟”

إن انتخاب الفتى أمينا عاما لاتحاد الطلاب الأفارقة مكنه من زيارة بلغراد لحضور ندوة عن إفريقيا، وقد بدأ المعسكر الشرقي يوليها عناية خاصة بعد وصول بعض حركات التحرر الوطني الثورية إلى السلطة مثل النظام الجزائري الجديد، وما حدث في تنزانيا، وغينيا، وتجربة نكرومة بغانا، وما آلت إليه الأوضاع في الكونغو بعد سقوط لومومبا، وما يزال الفتى يتذكر حوارا دار بينه وبين “بوتكين” أحد كبار المختصين في شؤون القارة السمراء، وعضو أكاديمية العلوم بموسكو، وكان موضوع الحوار أن الفلاحين هم الذين يمكن أن يقودوا السلطة نظرا لغياب الطبقة البروليتارية في البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، وكانت هذه الأطروحة قريبة إلى الرؤية الماركسية الصينية، ولكن “بوتيكين” أصر على أن القيادة يجب أن تكون للطبقة العاملة، إذ أن وعي الفلاحين لا يؤهلهم لتسيير شؤون الدولة، ولما سأله الفتى: هل أين هم البروليتاريون في هذه البلدان؟ فضرب مثلا بعمال السكة الحديدية في تنزانيا قائلا: إنهم يمثلون نواة طبقة البروليتاريا!

هذا نموذج من نماذج كثيرة على التحجر العقائدي الذي شوه الفكر الاشتراكي، وشوه بالتالي التجربة الاشتراكية نفسها، فما دامت الرؤية اللينينية الستالينية تقول لا بد أن تكون القيادة بأيدي الطبقة العاملة فلا بد من العثور عليها، ولو في صفوف مئات من عمال السكة الحديدية!

ولا بد من الملاحظة أن هذا الموقف قد تطور في أوساط الماركسيين الذين تحرروا من المقولات الدوغماتية، وبدءوا ينظرون لدور البورجوازية الوطنية التي قادت حركات التحرر الوطني، ثم استلمت السلطة في البلدان الآسيوية والإفريقية قائلين: إنها قادرة على قيادة تجارب اشتراكية بالتحالف مع فئتي العمال والفلاحين، ومع قوى التقدم في صفوف النخبة المثقفة.

هذا التحول في تحليل قضايا العالم الثالث أبرزته ندوة إفريقية التئمت بلندن، وحضرها الفتى ممثلا لاتحاد الطلبة الأفارقة، والتقى فيها بالمناضل المغربي الشهير المهدي بن بركة قبيل اختطافه في باريس عام 1965.

****

أود التلميح هنا إلى أن دور البورجوازية الوطنية قد حظي بالتنظير والدراسة من المفكرين الماركسيين، سواء كان ذلك من المختصين في قضايا العالم الثالث في المعسكر الشرقي يومئذ، أو من الماركسيين العرب، وتباينت الآراء حول دورها التاريخي، وفرض نفسه بحث الظاهرة بعد أن قادت حركات التحرر الوطني، وتولت السلطة غداة الاستقلال، فهنالك من ذهب إلى أنها لا تستطيع أن تقود حركات التحرر، ثم قيادة مرحلة تصفية الإرث الاستعماري، بل سرعان ما تحولت في بعض الحالات إلى طبقة “كومبرادورية” تسهل الهيمنة الامبريالية، وأيدت – انطلاقا من التجربة الناصرية- التيار الذي رأى ضرورة دعم التجارب التقدمية التي تبنها البورجوازية الوطنية، وتعميق التناقضات بينها وبين قوى الهيمنة الأجنبية، وأنها قد تنجح في بلورة تجارب اشتراكية جدية يمكن أن تقدم نموذجا ثالثا للسياسة التنموية (الطريق الثالث)، وقد أطلق عليه يومئذ مفهوم “الطريق اللارأسمالي”، ومن المعروف أن تجارب الستينات التنموية قد سقطت الواحدة تلو الأخرى، وتولت قيادة المرحلة الجديدة طبقة اجتماعية ارتمت في أحضان الهيمنة الامبريالية تحت شعار “النظام الاقتصادي العالمي الجديد”، ومن أبرز سمات هذه الطبقة التي تنعت نفسها زورا وبهتانا بالليبرالية اعتمادها على السمسرة والمضاربات، وعداؤها للفئات التي تؤمن بالدولة الوطنية، وتناهض خوصصة الدولة لفائدة السماسرة، إنها فئة اجتماعية لا علاقة لها بمفهوم المصلحة العليا للوطن. إن شعورها بأنها نبات طفيلي في مجتمعها جعلها تتحالف مع القوى الأجنبية، وتتوكأ في الداخل على قوى الظلم والاستبداد، وهي تعرف جيدا أن الليبرالية الحقيقية التي عرفها المجتمع الغربي معادية بطبيعتها للنظم الاستبدادية، لأنها واعية بصواب مقولة ابن خلدون قبل ستة قرون “الظلم مؤذن بخراب العمران”.

****

تمت الإشارة إلى أن الهجرة قد تركت أثرا بعيد المدى في التحول السياسي والفكري للفتى، ولكن هذا التحول قد تزامن مع الجانب المعرفي في حياته، فهي التي مكنته من إتقان اللغة الألمانية، والدراسة في مدينة جامعية عريقة اشتهرت بتقاليد الطباعة العربية، ونشر عدد كبير من مصادر التراث العربي الإسلامي، كما عرفت مدينة لايبزيغ برسوخ تقاليدها الاستشراقية، وشاءت الصدف أن يكون من العرب الأوائل الذي درّسوا في معهدها الاستشراقي، وتعلم عليه العربية عدد من المستشرقين الجدد الذين رعاهم النظام ليؤسس مدرسة استشراقية ماركسية، وقد نجح في ذلك إلى حد كبير، ولكن نقطة الضعف فيها تمثلت في إخضاع المنهج الجدلي الهيغلي الماركسي لمقولات لينينية، بل وستالينية كذلك، والغريب أن تأثير هذه مقولات قد تواصلت حتى بعد المؤتمر العشرين.

وسمحت له بالتعرف إلى رسوخ التقاليد الجامعية بالغرب، والتتلمذ على أساتذة مرموقين اشتهروا بصرامة المنهج، وسعة الاطلاع، وعلاقة الاحترام والانضباط مع طلابهم، وكانت هذه الهجرة فرصة أيضا للاطلاع على الثقافة الألمانية بجوانبها الفكرية والأدبية والفنية، فقد أصبح ذلك الفتى المتحلق حول شيوخ لا علاقة لهم في جل الحالات بالثقافة والفنون الحديثة من عشاق مسرح برشت في برلين، وهو مسرح يؤمه كبار القوم من النخبة الأوروبية.

كتب عام 1966 بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة برشت يقول:

إن العمل المسرحي مناسبة لإخراج المناقشة وإبرازها لطرح المشاكل الاجتماعية بمفهومها الجديد، ذلك المفهوم الثوري الذي جاء لخدمة الطبقات الفقيرة، وفضح عيوب البرجوازية، ونقطة الانطلاق بزعامة برشت للثورة المسرحية المعاصرة تلك التي كتب عنها قائلا: “عندما أصبحت صبيا تلفت حولي ونظرت إلى البيئة المحيطة بي فلم يعجبني الناس الذين أنتمي إلى طبقتهم، فهجرت تلك الطبقة وانضممت إلى طبقة الفقراء والمعدمين: ” .

****

لا شك أن اهتمام الفتى بالإعلام، وعمله بالقسم العربي في إذاعة برلين ضمن برنامج (تعليم الألمانية إلى العرب) قد مكنه من تجاوز البيئة الجامعية البحتة ليولي عناية إلى الحياة الثقافية والفنية، فأصبح يتردد إلى المسارح، وحفلات الموسيقى الكلاسيكية، وقد كان للمرأة الألمانية تأثير في ذلك دون ريب.

مكنته هذه التجربة كذلك من تجربة اجتماعية ثرية فما يزال يذكر الأسابيع التي اشتغل فيها بأحد المصانع ليكتشف مفهوم الإنتاج والإنتاجية، وليدرك التأثير السلبي لإشراف الدولة مباشرة على تسيير العملية الإنتاجية فقد تخلص النظام الجديد من الرأسمالية، ليعوضها برأسمالية الدولة، وليس بالمجتمع الاشتراكي الذي بشر به طويلا، فلما تجاوز دور الدولة الإشراف والتخطيط ودور الحكم بين القوى الاجتماعية المتنافسة، بل قل المتصارعة ليصبح التسيير المباشر تدهور الإنتاج وكسد السوق هذا إلى جانب فقدان الحرية وما يرتبط بها من مبادرة ومغامرة.

خطب خروتشف ذات يوم ببرلين في افتتاح مؤتمر الحزب الاشتراكي الموحد فقال مستغربا: لماذا فريتز (اسم ألماني شهير) هناك مشيرا إلى برلين الغربية ينتج مرات أكثر من فريتز هنا!

يكشف هذا التساؤل إلى أي مدى تستطيع التنشئة الإيديولوجية المتحجرة أن تؤدي إلى الانغلاق، فزعيم دولة كبرى لم يتفطن أن السبب الأساسي يكمن في توفر الحرية هناك وغيابها هنا.

أدرك الفتى من تجربة عمله في المصنع أن العلاقات الاجتماعية في مؤسسة إنتاجية ذات طابع اشتراكي تختلف عنها في مؤسسة رأسمالية، وأدرك كذلك أن المساواة بين الرجل والمرأة في العمل قد حررت المرأة إلى حد بعيد لتفرض نفسها إنسانا قبل أن تكون جسدا، وهذه من نقاط القوة في ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي يومئذ.

مكنت الهجرة الثالثة الفتى من التعرف عن قرب إلى مدى احتدام الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، عاش ذلك في تنقله بين شطري برلين، ولمسه كذلك في محاولة منظمات طلابية غربية التأثير عبر أساليب مختلفة في إقناع الطلبة العرب والأفارقة بمغادرة جامعات أوروبا الشرقية، والالتحاق بالجامعات الغربية، والتنديد بالنظم السياسية القائمة فيها، وربما الإفادة منهم للحصول على معلومات، إذ أن الطلبة الأجانب لهم وحدهم حرية السفر بين الشرق والغرب، ولعل هذا ما يفسر وضعهم تحت مراقبة شديدة في البلدان التي يدرسون بـهـا.

فمن المعروف أن الطلبة العرب والأفارقة قد ازداد عددهم في الستينات، وأسس الاتحاد السوفياتي جامعة خاصة بهم جامعة (لومومبا ).

تلقى اتحاد الطلبة الأفارقة بألمانيا الشرقية دعوة من منظمة الشبيبة للحزب الاشتراكي النمساوي للمشاركة في ندوة طلابية حول قضايا القارة الإفريقية التأمت بمدينة (فيلاخ) بجنوب النمسا فقاد الفتى وفد الاتحاد إلى الندوة، وهناك اكتشف مع رفاقه المخطط الحقيقي من وراء تنظيمها، ويتمثل أساسا في تنظيم ندوة صحفية بمدينة فينا يندد فيها المشاركون بالنظم السياسية في البلدان التي وفدوا منها، فرفض الفتى هذا المخطط، واتفق مع رفاقه على دعوة بعض ممثلي الصحف للكشف عنه، ومغادرة الفندق فورا إلى محطة القطار قبل أن يبلغ الخبر منظمي الندوة.

****

إن القارئ قد تساءل دون ريب عن ظروف بداية الهجرة الثالثة، وبخاصة بعد أن أدرك مدى تأثيرها في صقل الملامح الفكرية للفتى؟

إن نجاح حركات التحرر الوطني في كثير من البلدان الإفريقية والآسيوية، وميلاد عدد من الدول الوطنية في منتصف الخمسينات قد لفت انتباه القيادة السياسية في أقطار أوروبا الشرقية إلى أهمية هذه الظاهرة الجديدة، وضرورة ربط علاقات صداقة وتعاون مع الدول الناشئة، ولا شك أن هذا الاهتمام الجديد يندرج ضمن خطة الصراع بين المعسكرين: الاشتراكي والرأسمالي.

مثل إسناد عدد من المنح الجامعية حقلا متميزا من حقول التعاون الجديد، فهـل فكرت القيادة في كسب أنصار لها ضمن النخبة الجديدة في هذه البلدان عبر تنشئة أجيال في جامعاتها، وحسب رؤيتها؟

إنني أميل إلى الاعتقاد بأن هذا التفكير قد راود المخططين، ولكن النتيجة جاءت عكسية في جل الحالات، وقد ذكرني هذا بمقولة صدع بها أحد القادة الأفارقة في الخمسينات قائلا: إذا أردت أن يعود ابنك شيوعيا فأرسله يدرس في الحي اللاتيني بباريس، أما إذا أردته أن يعود مرتدا عن الأفكار الشيوعية فأرسله يدرس في موسكو!

سلك إغداق المنح الجامعية مسلكين: مسلكا رسميا، أي إسنادها عبر التعاون الرسمي، ومسلكا غير رسمي، وأعني تلك المنح التي أعطيت للمنظمات الطلابية، وللأحزاب الشيوعية في حالات معينة.

****

لما رشح الاتحاد العام لطلبة تونس الفتى للدراسة في موسكو انضم للمرة الثانية إلى فئة ركاب الدرجة الثالثة على ظهر سفينة متجهة إلى مرسيليا، ومنها إلى باريس، ثم إلى براغ مقر الاتحاد العالمي للطلاب.

طال الانتظار في براغ أكثر من شهرين دون أن يأتي جواب “الكومسومول”، وقد مكنت هذه الإقامة الفتى من التعرف إلى نمط العيش اليومي في مدينة فاتنة من مدن أوروبا الشرقية اشتهر سكانها بحبهم للثقافة والفنون، وعشقهم للحياة، وعرفوا بمقاومتهم الصامدة في وجه الاحتلال النازي دفاعا عن الاستقلال والحرية.

تساءل في مرحلة النضج: كيف استطاع النظام أن يأسر شعبا بهذه الحيوية، وهذا الماضي الحضاري العريق؟

يأتي الجواب كلما طرح هذا التساؤل: إن النظم الاستبدادية تستطيع بأجهزتها القمعية أن تلجم شعوبا ذات تراث حضاري متألق، ولعل من سخرية التاريخ أن تبقى هذه النظم نقطة سوداء تلعنها الأجيال على توالي الزمن.

****

تجول الفتى صباحا مساء في الشارع الرئيسي بمدينة براغ، وتردد على مقاهيها ذات الطابع الأوروبي الشرقي، والمتأثر أحيانا بالتراث العثماني، وكان الفصل خريفيا متلبدا بالسحب فتزداد وجوه الناس المرهقين جهامة، أما المظهر الوحيد الذي كان يبعث في النفوس الحية البهجة والانشراح فهو جمال التشيكيات.

تذكر الفتى ربيع براغ 1967 لما أنزل الجيش الأحمر دباباته جوا، واحتل المدينة، وقبل ذلك بحوالي عشر سنوات اجتاح مدينة بودابست، وهدد قبلها باحتلال فرصوفيا، وقبل ذلك بثلاثة أعوام غزا شوارع برلين الشرقية تساءل الفتى: أي نظام اشتراكي هذا الذي تستند شرعيته الوحيدة في السلطة إلى القوة العسكرية، ولماذا يفشل ذلك الجهاز الأخطبوطي، جهاز الأحزاب الحاكمة في حل المشاكل ليفسح المجال إلى دبابات الجيش الأحمر؟

فهم في مرحلة النضج أن الأحزاب الشمولية لا تستطيع أن تعيش وتصمد إلا إذا توكأت على أجهزة أمنية قمعية، وتأتي الأحداث لتكشف أنها نمور من ورق، كما برهنت على ذلك أحداث عاشتها أقطار عربية في النصف الثاني من القرن العشرين.

كتب الفتى في أحد نصوصه المنشورة عن ربيع براغ قال: ” ومن مفارقات التاريخ المعاصر أن اليسار الأوروبي لم يدرك إدراكا عميقا مأساة غزو بودابست عام 1956 إلا في حالات نادرة لم تتجاوز بعض المثقفين الذي لم يصدقوا خرافة القضاء على “الثورة المضادة” لإنقاذ الثورة الحقيقية، وقد وقع الحدث في خضم الحرب الباردة، وأنسته في بلدان العالم الثالث فورة حركات التحرر الوطني، ولكن الوضع قد تغير أيام خنق ربيع براغ في المهد، فبرزت موجة الانشقاق والتصدع داخل أحزاب اليسار الأوروبي والعربي، وانطفأت حماسة المثقفين لمقولة “الإلتزام”، ولم يتحول الإلتزام إلى إلزام في أوروبا الشرقية فحسب، بل شمل كذلك أقطارا عربية، فأصبح الحديث عن الحريات والديمقراطية خروجا عن سياسة الإجماع التي مثلتها الأحزاب الشمولية”.

****

إن كل من عرف من كثب النظم السياسية في أقطار أوروبا الشرقية تواجهه قضيتان محيرتان:

– يمكن أن تنعت القضية الأولى بإشكالية الماركسية والحرية: هل الخلل في النظرية نفسها، وبخاصة بعد أن حرفتها النظم، أم في التطبيق؟

– أما القضية الثانية فيمكن تلخيصها في السؤال التالي: كيف أمكن توظيف النظرية الفلسفية لكبت الحريات العامة، وسياق الناس إلى المعتقلات الستالينية؟

****

جـــاء جواب منظمة “الكــومــسومــول” بالموافقة عــلى منحة واحــدة أسندت إلــى رفيق الفتـى في الرحلة المرحوم المنصف سلامة، وقـد تخرج طبيبا مــن جامعة مـوسـكـو، ولما طال انتظار الموافقة على المنحة الثانية اقترح رئيس الاتحاد العالمي للطلاب “بــلـيـكـان” أن يغير الفتى وجهته، ويفكر في الذهــاب إلـى “ألمانيا الديمقراطية”، ذلــك أن هدفه دراسة العلوم الإنسانية فيصبح تعلم الألمانية أكثر فائدة من تــعلـم الروسـية، ولم تمر سوى أسابيع قليلة حتى جاءت موافقة منظمة “الشباب الألماني الحـر”.

لم ينس الفتى الشخصية القيادية اللامعة التي حظي بها بليكان، كــان قياديا بارزا في اللجنة المركزية للحزب الحاكم فـي براغ، وذا ثقافة واسعة، مجيدا إلى جانب الروسية لأبرز اللغات الأوروبية، وقـد ربطته علاقة صداقة بجماعة من قادة الاتحاد العالم لطلبة تونس.

كان من أنصار ربيع براغ فانشق عن الحزب بعد اجتياح الجيش الأحمر المدينة، ولجأ إلى إيطاليا فرشحه الحزب الاشتراكي الايطالي للبرلمان الأوروبي ليصبح مدافعا مستميتا عن الحريات العامة والديمقراطية.

إن عدد مثقفي أوروبا الشرقية الذين تمردوا على النظم التي عملوا ضمن أجهزتها، وكفروا عن ذنوبهم بفضح أساليبها القمعية ليس قليلا، ولكن هذه الظاهرة نادرة في صفوف المثقفين الذين خدموا ركاب السلط القمعية التي عمت الوطن العربي بالأمس واليوم!

لـم يـنس الـفـتى مـا سمعه منه، وهـو يـودعه في مـحطـة القطار، لـما قـال: إنني شجعتك على الدراسة في ألمانيا رغم أنني أكره الألمان، وأبوح لك بـسـر، إن والدتي قد توفيت حرقا أثناء الغزو النازي، ولكن هذا لا يمنع من اعترافي بتألق الفكر الإنساني في الثقافة الألمانية.

لم ينس الـفـتـى هذا الـبـوح، مـفـيـدا منه في عـدم الخلط بين الشعور العاطفي الشخصي، والـمـواقــف الـمـوضـوعـيـة.

وصـل الفـتى إلـى “مـحـطـة الـشـرق”، فـي برلــيــن، وهـو أول طالــب تونسي يصل إلــى “جمهورية ألمانيا الديمقراطية”، فاستقبله نائب وزير التعليم العالي. لم يتجاوز يومئذ طلبة البلدان النامية بضع عشرات، ولــذا كانوا محل رعاية كبرى، ولكن الأمر قد تغير بعد ذلك، واكتشف الفـتـى، لما تحمل مسؤولية الأمانة العامة في اتحاد الطلبة الأفارقة، أن “الأخلاق الاشتراكية” التي مثلت مقولة بارزة في الخطاب الايديولوجي للنظام لم تنجح في التغلب على العنصرية ، وبخاصة ضد الأفارقة.

امتدت هذه الهجرة ثمانية أعوام عاش أثناءها الفتى أحداثا خطيرة وخطرة ليس الهدف في هذا النص الوقوف عندها، فقد ألمع إليها في بداية هذه الفقرة، ولكنه حريص على إبراز النقاط التالية:

أولا- حافظت الجامعة الألمانية على تقاليدها رغم التحول الذي عرفه النظام السياسي، واستمر الصراع الفكري الخفي بين أساتذة الجيل القديم الذي لم ينخرط في الحزب، وحاول أن يبقى وفيا لتقاليده الجامعية، وتمثلت نقطة قوته الوحيدة في كفاءته العلمية، وبين الكوادر الجديدة الملتزمة سياسيا، وقد ساعدها النظام الجديد على تولي مناصب قيادية في الجامعة، وكانت نقطة الضعف في صفوف هؤلاء هزال الكفاءة العلمية في جل الحالات.

ثانيا- أمـا محاولة التأثير الإيديولوجي على الطلبة، وبينهم الطلبة الأجانب فقد جاءت عبر تدريس “الماركسية- اللينينية” في المرحلة الأولى من التعليم الجامعي، وضرورة النجاح في اختباراتها. لم يفد الفتى شيئا من هذه الدروس في تعرفه إلى الفكر الماركسي الأصيل، فقد كانت شرحا دوغماتيا لمجموعة من المقولات الدعائية الفجة.

نهل الفتى الفكر الجدلي الماركسي من أدبيات المفكرين الماركسيين في البلدان الغربية.

ثالثا- لم يشعر الفتى طوال السنوات التي عاشها في ألمانيا الشرقية بسطوة جهاز المخابرات “ستاسي”، ولم يسمع عنه شيئا، ولكن الجهاز المسيطر هو الجهاز الحزبي، خلاياه موجودة في كل مؤسسات الجامعة، وأعضاؤه من الأستاذة والطلبة مجبرون أن يحملوا شارته، وهي تنبئ على نفوذهم وحظوتهم بصرف النظر عن الكفاءة الجامعية، وهي ظاهرة عرفتها، وما تزال، النظم الشمولية في كل مكان. لا شك أن هذه الخلايا الحزبية كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بجهاز المخابرات، وأن أعضاء الحزب من الطلبة كانوا عيونا على زملائهم من الألمان والأجانب في الوقت ذاته.

رابــعـا- إن زيارة الفتى أكثر من مرة للمعتقل النازي “بوخانفالد” جعلته يدرك انطلاقا من عالم الممارسة إلى أي مدى تبلغه النظم الاستبدادية في ابتكار أساليب التعذيب، والتنكيل بمعارضيها، وجعلته يدرك أيضا مدى قدرتها على تنشئة فئة من الزبانية يتحولون مع الزمن إلى فنيين في صناعة الموت، فقد سمع في إحدى الزيارات عن حراس في المعتقل يقضون يومهم في تعذيب البشر حتى الموت، وقذف جثثهم في الأفران لتحرق، ويعودون مساء إلى منازلهم لتناول العشاء مع الأسرة، ثم يذهبون للنوم رفقة زوجاتهم!

كان من بين العاملين في “المحتشد” أطباء أسنان مهمتهم اقتلاع الأسنان المذهبة قبل أن يقذف بجثث أصحابها في المحرقة.

جيء بالمعتقلين من جنسيات مختلفة، ولم يكونوا من اليهود فقط، بل كان ضمنهم ضباط سوفيات وقعوا في الأسر، مصير هؤلاء الإعدام حتما، وكان بينهم معارضون ألمان كذلك.

كانت القيادة السياسية تنظم لضيوفها زيارات للمعتقل النازي، وقد حولته إلى متحف، كاشفة عن جرائم النازية، وعن تحالف الرأسمالية الألمانية معها، وهنا يتساءل المرء: ألم يكونوا واعين بحقيقة مرة أخرى تلقي ظلالها عليهم، وهم ينددون بجرائم النظام السابق، وأعني وجود معتقلات شبيهة بها في المعسكر الشرقي، ألم يكونوا على علم بالمعتقلات الستالينية التي لا تختلف أساليبها كثيرا عما عرفته المعتقلات النازية، أم أن شعار مقاومة “أعداء الثورة” يبرر كل شيء!!

إن أول ما تسعى إليه النظم الاستبدادية بالأمس واليوم هو إخفاء الحقائق وتزييفها، فقد زار الفتى أكثر من مرة المعتقل النازي “بوخن فالد” قرب مدينة الآداب والفنون: “فيمار”، مدينة جوته وشيلر، وزار كذلك المعتقل النازي الشهير “أوشفيتس” قرب المدينة الجامعية العريقة “كراكوفيا”، واستمع إلى قصص النضال البطولي الذي خاضته قوى الحرية والتقدم في ألمانيا نفسها، وفي البلدان الأوروبية المجاورة ضد النظام النازي مع الإشادة بدور الاتحاد السوفياتي في إلحاق الهزيمة بالنظام النازي العنصري، وكلما سمع هذا الخطاب ازدادت حماسته لتأييد تجربة اشتراكية كان لها دور بعيد المدى في تحرير شعوب بأسرها من براثن نظام استبدادي فاشي، ولم يدرك يومئذ أن معتقلات جديدة ذات طابع ستاليني هذه المرة قد فتحت أبوابها قبيل الحرب في الاتحاد السوفياتي، وبعدها في بقية بلدان أوروبا الشرقية، وكانت وسائل التعذيب فيها لا تقل وطأة وبشاعة عن المعتقلات النازية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق