أماكن حميمة من صنع الأوهام / حسن داوود

لا أعرف من أين جاءت ذاكرتي بذاك البيت. في أحيان أحسبه غير موجود، أو إنّه لم ينوجد أبدا، إذ لم يحصل لي أن شاهدته ولم أعرف مثيلا له في ما تلا من سنوات عيشي. أقول البيت لكنّني لا أتذكّر منه إلا شرفته، الكبيرةَ الواسعة كأنّها ساحة رُفعت إلى الأعلى. وإنّي أقول ذلك مفترضا ومخمّنا لأنّني لا أرى من تلك الشرفة إلا طرفَها، حيث الدرابزين، الذي تتاح مشاهدته من الطريق في الأسفل. لكنّ الشرفة كانت متّسعة إلى الخلف، لا بد، بحسب ما يدلّ طولها، الذي يمتدّ كأّنّه مساحة من أرض الكورنيش البحري. وهناك عند الدرابزين، أولاد كثيرون، يذهب بعضهم إلى الداخل، ويحلّ في مكانهم أطفال آخرون. لا يظهر رجال هناك، بين الأطفال، ولا نساء. أطفال فقط منهم من يحمل لعبه: طابة أو دمية، أو مجسّما صغيرا لشاحنة كان حاملها يتأبّطها فيما هو ينظر متبيّنا شيئا في الأسفل.

ولا يبارح ذاكرتي ذاك البيت. فيما أكون أتجوّل في أحياء مدينتي، أروح أقلّب عينيّ بين الأبنية، القديمة الباقية، من الأسفل إلى الأعلى، حيث يستقرّ نظري، باحثا عن تلك الشرفة. في أحيان أقول إنّها، وكذلك البيت الملتصق بها في آخر مساحتها، لم يكونا موجودين أبدا. لكنّني، مع ذلك، أراني متعلّقا بها، بما أشاهده منها وما لا أشاهده. لذلك أجد نفسي راضيا بما قد يماثلها من الشرفات، أو يذكّر بها وإن لزم أن أغيّر شرفة رأيتها فأمدّ طولها لتحتلّ الأبنية التي تجاورها. أو أجري عليها هندسة جديدة فأضع أعمدة صغيرة متتالية لتكون مثل الدرابزين القديم ذاك.

كأنّها حاجة لي أن تكون تلك الشرفة موجودة. وهي تظلّ حاجة لي حتّى بعد أن يقول لي عقلي إنّك لم تشاهد هذه الشرفة أبدا وإنّ مخيّلتك صنعتها صناعة. الأرجح هو أنّ مخيّلتي هي التي صنعت من مشهد بيت رأيته مرّة ذلك المدى المتسع لشرفة يصعب أن تكون واقعيّة، أو أن تكون غير ممكنة الوجود في الأحياء القليلة التي قضيت فيها طفولتي. هي من أمكنة التوهمّ على الأغلب، اشتركتْ في تأليفها الذاكرة منضمّة إلى المخيّلة. وقد أتيح لي أن أعيش، مرّة أخرى، شيئا من ذلك وأنا في سنّ الأربعين مثلا، بعد ما يزيد عن خمسة وعشرين عاما من مغادرتنا ذلك المبنى الذي أقمنا فيه بمنطقة الصنائع. كان ذلك البيت، بيت الصنائع، هو المنزل الأوّل، منزل الحنين الأوّل، بحسب ما قال أبو تمّام، ولم أتوقّف عن استعادته آتيا إليّ في المنام متغيّرا في كلّ مرّة ومغيّرا ناسه. وفي أحد المنامات رأيته وقد أصاب الخراب نواحيه، لكن حديقة واسعة كانت تتقدّمه، آخذة مكان شرفته. وكانت حديقة واسعة هي أيضا وإن يابسة الزرع، ولم يخطر لي ماذا هناك تحتها وعلى أيّ شيء هي محمولة طالما أنّها موصولة بالبيت الواقع في الطبقة الخامسة من المبنى.

 

كأنّ التذكّر لا يرضى بما حفظه فلا ينفكّ عن سعيه لتبديله. لن تظلّ الأمكنة على حالها بعد أن تصير صورا في الرأس. الذاكرة، فيما هي “تنمو”، بحسب ما رأى محمود درويش في إحدى قصائده، تروح تعمل على تشكيل ما انحفظ فيها. وفي حسباني أنّ الكتابة قائمة على الإنتباه لذلك الفارق بين ما كان موجودا حقيقة وما صار إليه بعد تغييره. مجال الكتابة هو ذلك التوهّم الذي، على رغم هوائيّته، يتشبّث بنا ليجعل من المكان بعد تغيّره واحدة من الصور المشعّة التي تصنع هويّتنا. هويّتنا الداخليّة أقصد، تلك التي لا معنى ولا قيمة لها في مجال التعريف الإجتماعي.

الكتابة هي أن نستعيد الأمكنة متوهّمةً. لا أقصد هنا هندستها وتشكّلاتها فحسب، بل أيضا البشر الذين يسكنونها، أولئك الذين لم يحدث لنا أن شاهدناهم أبدا. وقد سبق لي أن انشغلت بالتجوال حول بيوت بيروت القديمة، تلك التي كنت خائفا على زوالها بسبب التغيّر الذي تحدثه الحرب من حولها. وقد رحت أصفها، من الخارج كما من الداخل، متخيّلا بشرها المقيمين فيها: نساء بعضهنّ في عمر الشباب تربّين في ذلك الفيء إذ لم يخرجن إلى الطريق أبدا. كيف يمكننا الكتابة عن الحنين من دون أن يكون موضوعنا هو البيوت وبشر البيوت. البيوت التي حيّرتنا من الخارج ولم نرها من الداخل. أو ربما أتيح لنا أن نختلس شيئا مما يخبّئه داخلها فتخطر أمامنا، للحظة خاطفة، إمرأة خرجت من السيارة وأسرعت في الوصول إلى البوّابة محاذرة أن يراها أحد.

 

أمّا ذلك المبنى الذي تحيطه الرمال من كلّ جهاته، ذلك الذي تدور فيه وحوله رواية “غناء البطريق”، فلم أعرفه من الداخل إلا من زيارة أو زيارتين قمت بهما لرفيقيّ الأخوين اللذين كانا زميليّ في المدرسة. كان المبنى منفردا على ذلك الرمل، منفصلا عن المدينة كأنّه ريفها القريب. أمّا الساكنون فيه فلم يتركوا علامة تشير إلى أنّهم هنا، في الطابق الأرضي وفي الطابق الأوّل الذي يعلوه. ذاك أنّ نظرة واحدة تكفي لأن نقول إنّ الناس الذين هنا لا يفتحون باب بيتهم أبدا. وفي الطبقة الثانية، حيث صديقاي، رأيت ذلك الشاب الذي يسرّح شعره مثل الأطفال والذي لا تسعفه يداه الصغيرتان اللتان كأنّهما توقّفتا عن النموّ فيما استمرّ جسمه ينمو. ذلك الشاب لم أره إلا مرّة واحدة، وإذ جئت إلى الكتابة عن ذلك المبنى رأيتني أجعل ذلك الشاب مقيما فيه وحده، ناسيا أخويه اللذين أعرفهما وأعرف عنهما الكثير. ذاك أنّهما، هما الأخوان، لا يثيران فضولا ولا يستفزّان مخيّلة. هذا وقد تمكّن ذلك الشاب، “الغريب”، من نقل غرابته ونشرها على البيت كلّه، بل وعلى المبنى برمّته مرئيّا من قرب ومن بعد، ومتوهّما من الداخل ومن الخارج معا.

 

كثيرا ما أتساءل من أيّ ذاكرة، أو ذاكرات، أتى كتاب ألف ليلة وليلة بهذه العوالم المكانيّة الغريبة. ليس أنّه أعاد تشكيل الأمكنة فغيّر هندستها وجعلها كأنّها طالعة من الأحلام، بل إنّه أنشأها في سموات وأعماق وجعلها قائمة في ما يعجز الخيال عن تصوّره. أما المسافات، التي يبدو خيالنا محدودا إزاءها، إذ لا نستطيع بعد إغماض عيوننا أن نرسم طريقا هو أبعد ممّا يمكن لأقدامنا أن تمشيه، فتمتدّ إلى أبعد ممّا تتّسع له الأرض. لكنّ حسن البصري، في ألف ليلة وليلة أنجز جميع الرحلة التي أوصلته إلى جزر الواق الواق، مستخدماً لتنقّله أفيالا وسفنا وسحرة وجنّا وجيادا طائرة. ينزع التخيّل إلى زحزحة الأشياء عن صورها، وإلى تركيب شيء من مزيج العناصر التي لم يسبق لها أن ائتلفت. في أحيان تبدو هذه العمليّة وكأنّها تهدينا شكلا جديدا للعالم الذي نعيش فيه. من ذلك ما فعله إيتالو كالفينو في مدنه غير المرئية. ومن ذلك أيضا ما تخيّله فرانز كافكا عن أميركا، تاركا لمخيّلته أن تضخّم البيوت والطرقات والمسارح والسفن إلى حدّ أنّ قارئه يشعر كما لو أنّ رأس كافكا ذاته إنتفخ لشدّة ما أخرج الأمكنة عن أقيستها. هذا مع أن كافكا لم يسبق له أن زار أميركا ولا رآها بعينيه.

هل يمكن لأحد أن يقول إنّ هذه العوالم التي ألّفتها الكتب ليست موجودة، وإن محوّمةً فوق الجغرافيا الحقيقيّة؟

 

[كتبت هذه السطور لتلقى كشهادة، اليوم الأحد، في الصالون الأدبي للكتاب المنعقد في الجزائر، وذلك في ندوة حملت عنوان “حميميّة غرائبية المكان في الرواية العربية”.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 25/9/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق