أمري كان لي


أمري كان لي في ما مضى والآن لا أدري أبي قلق من الطّغيان؟ أم أنّ بي ما يعجز الدنيا وذاكرة الزّمان؟ أدري بأنّي لا أرى. لكنّ ماء الرّفض ينبع من خلال أصابعي، ودم السؤال ينزّ من قلبي. وهذا الليل ملتمّ عليّ كقبر من رماد. ولا عنقاء في جسدي. [1] أمري كان لي. والآن لا أدري أهذا الموت خاتمة المطاف. أهذي الحرب سرب خطاف طاف حول الأرض كي يعطي سلام الخطف والتطواف. أدري بأنّي لا أرى أملا هنا في هذه العتمات غير الرّيح. [2] الموت في الأضواء في السّاحات في الدّرجات في حوض الشّتول وفي الحجر، الموت في الآهات في الكلمات في نفس الرّضيع وفي بكاء الأمّهات وفي شروق الشّمس، أدري بأنّي لا أرى أملا وهذا الصّمت حمّى في الضّلوع. وآه يا بلدي! [3] أمري كان لي في ما مضى.. وها قد ضاع للأبد! [4] في ما مضى كانت لشمعتنا يدان وأذرع حبلى بأثمار الأمل والنّخل كان له فؤاد وكان ديوان الغزل في كل رفّة طائر، في ما مضى الأرض كانت للجميع لنا ولهم ولغيرنا من كائنات الأرض. أسطورتي تأتي لتلعب في حقول الآخرين وفجرهم يأتي بصندله الصّغير وينحني قرب البحيرة عاريا والأغنيات تسير في نهري ونهر الآخرين ولا تصل. في ما مضى النّاي كان حزام نشيدنا المكتوب بالطّين الشّريف وبالحديث وبالبروق. والآن لا أدري أبي شوق إلى النّسيان يحميني من الذكرى؟ وهل في هذه الصّحراء غير الحرب والطّغيان! [5] أفهم الصّحراء في هذا الخلاء السّرمدي. وأفهم الصّخر الحنون إذا تكسّر تحت أزمنة العطش، وتهزّ روحي روعة التكوين إذ تنداح في صمت على شفتي فيوض الطلّ، وأبكي كي أرى عمري فراشة صدفة تأتي لتلحس ظلّها في الضوء! وأحبّ أن أعطي لحيّات الرّمال أصابعي وجوارحي ليدور سمّ الأرض في جسدي. [6] زمن القداسات القديم يمرّ الآن في الصّحراء. يعرفه الأهالي من برود في الضّلوع إذا أتاهم ومن حنين في العروق. جنحاه ما هدآ. ولكنّ الأهالي لم يكونوا قادرين على متابعة الرّحيل. فالتلفاز يكفيهم ليرتحلوا وهم تحت اللّحاف! زمن القداسات القديم يمرّ الآن بي لكنّني في ظلمة الأكوان مقطوع اليد! [7] هذي معلّقتي. أموت هنا وقافيتي معي. هذي معلّقتي. أموت هنا وذاكرتي معي. هذه معلّقتي. أموت هنا وفي دمي لغتي. هذه معلّقتي. وكلّ أسئلتي معي. هذي معلّقتي. وجميع ما يمتدّ في النّسيان من لغتي معي. هذي معلّقتي. نعم! وأمري ليس لي في هذه الصّحراء! ذكراي تحضر في المكان وفي الزّمان. وأنا الخلاء يلمّ في كفيّ أنجمه، وأنا السّراب وقد نما في ضفّتيه الشّوق، وأنا الجحيم وقد تداركه النّعيم. أنا فكرة في الأرض، جسدي سراب لا وجود له. وأحزاني بلاد. وحنجرتي خلاء لا وجود له. “لعبة التاريخ هذى وانتقام الوقت”. قلت في سرّي. وأدركني الظلام. فنمت في طيف الجدود هنا.. لوحدي. [8] لا شيء قبلي في المكان وفي الزّمان وهذي الأرض تلفظني، أيكون برق الأرض لي وطنا؟ أقول ولا يرّد الأهل، أيكون لي وطن كأعدائي هنا لأموت فيه وأنحني وأقبّل الحجر القديم وأحلب البقرات؟ أقول ولا يردّ الأهل، أأكون أفراسا لأعرج دون عود ؟ [9] كان لي ظلّ على الزيتون، وإيقاع وراء الماء، وإنشاد إذا عاد الرّعاة من الجبال، وتنهيد إذا حدف الحبيب لطفلة تفّاحة أو قبلة عبر الفصول، وسقسقة إذا طار الفراش وراء قاطرة الغيوم. كان لي في ما مضى فضل على الأيّام. والآن لا زيتون في الأرض القديمة. لا مياه على سواقي الموت. والماعز الجبليّ ما عادت خطاه تدبّ خلف منازل الجيران، والعشّاق ما عادوا مرايا لتكسرهم فصول العام، والأهالي لم يروا في عامهم إلاّ الدّموع، ولا فراش يمرّ عبر الرّيح في هذا المدى الممتدّ منذ الأزل. [10] لنا في الحلم متّسع، ويكفينا تراب الذكريات لكي نصلّي فكلّ ما نحتاجه أفق صغير للغزالة كي تمرّ إلى الحشيش الأخضر الجبلي، ونهر للصّغار لكي يروا أحلامهم في وجه نرسيس الصّغير، ووردة للمرج تعلن أنّ فصلا سوف يمضي، وأنّ آخر سوف يأتي بالزّهور وبالمنى. لنا في الحلم متّسع، ويكفينا الهواء لكي نصلّي، فكلّ ما نحتاجه وطن لنحيا في سلام مع أطيارنا وصغارنا وترابنا وهوائنا. وطن بحجم قصيدة، وطن بحجم يد! [11]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق