أمطار اصطناعية

تدور أحداث هذه القصّة وشخوصها التي هي من نسج الخيال، في بلدة واقعيّة توجد في جبال الأطلس الصّغير هاجر أغلب سكّانها إلى الحواضر، وهي تمثل نموذجا من نماذج عديدة منتشرة في أغلب بقاع العالم، باتت مهدّدة من طرف وحش أعمى يسمونه “العولمة” والذي أضحى ينهش بأنيابه الفتاكة كلّ ما يمت بهويّتها وثقافتها ولغتها وقيمها، محوّلا إيّاها إلى هياكل دون أرواح لم تعد صالحة حتّى من أجل عرضها في المتاحف.

 

كان العقرب الأسود المتشنّج في حركاته يزحف على مقربة من ساق “دا برايم” الذي انبطح وسط فناء منزله العتيق المشيد بالتّراب الأحمر المخلوط بالتّبن، يغطّ في نوم عميق ناشرا رزته البيضاء المتّسخة على وجهه ورأسه اتّقاء أشعّة شمس أغسطس المحرقة، والتي كانت تنفذ إلى جسمه النّحيل الذي صيّرته السّنون كومة من عظام مكسوّة بجلد متجعّد جاف يحسبه الرّائي جثّة محنّطة منذ آلاف السّنين.

 تسلق العقرب أصبع قدم “دابرايم” الحافية ثم تابع زحفه عبر “السّاق” الممتدّة النّحيلة وهو في كل هنيهة يتوقف ليستشعر المكان الذي يبدو أنّه يعرف جغرافيته ويحفظ تضاريسه ودرجة حرارته عن ظهر قلب.

 لم يتحرك جسد “دابرايم”، فقط أنفاسه العميقة التي كان يظهر وقعها من خلا ل اهتزازات عباءته الشفّافة التي تستر جسمه، تارة في صعود وتارة أخرى في هبوط.

 أحسّ الرّجل بشيء ما يدغدغ جلد “ساقه”… فتح عينيه… ركّز ذهنه… كتم أنفاسه وبحركة غريزيّة انتشل رزته بتؤدة ثم لوح بها بعصبيّة نحو الحشرة السامة التي غابت عن المكان.

 كان العرق يتصبّب من كامل جسمه… جفّف وجهه بطرف من عباءته ونهض من مكانه مهدودا وهو يلعن الشّيخوخة والزّمان الذين صيراه كائنا قابعا في عقر داره لا ينفع ولا يضر.

 اتجه إلى داخل البيت الصّغير… أخذ صعيدا وتيمم… بسط حصيرا وشرع يصلي العصر بعد أن لعن الشيطان ثلاثا، حامدا الله على بقاءه حيا حتى هذا اليوم ليرعى والدته التي بلغت أرذل العمر، فقدت معه البصر والحركة…

 لم يكن من عادته أن ينام في هذا الوقت لولا الإنهاك الذي اعتراه من جراء جمع مايحتاجه من أمتعة ومؤن وحزمها استعدادا لمغادرة القرية قسرا .

 “دابرايم” هو آخر أفراد أسرة ” أيت داود” التي سكنت هذا الدوار الصغير الذي يسمى “سيدي نيصر” الذي يضم عددا من العائلات التي نزحت من قرية “أكليز” منذ أن استقربها الولي الصالح، وهي بلدة تقع على سفوح جبال الأطلس الصغير المتاخمة للصحراء الكبرى في اتّجاه الجنوب الشرقي الذي لا يبعد عن واحة “طاطا” إلا بنحو خمس ساعات مشيا على الأقدام. 

 وتعود هذه التّسمية إلى الشيخ سيدي نيصرالدي عاش في القرن 17 للميلاد، الذي يرقد جثمانه هنا في ضريح يوجد على تل يشرف على وادي تنتشر فيه أشجار النّخيل الباسقة والتي لا زالت منتصبة شامخة تشهد على حقبة كانت فيها المنطقة تعجّ بالجنان والحقول الغناء، تحيط بها جبال شاهقة تنتشر فيها أعشاب برية من حناء وحرمل وشيح وصعتر، كما تشهد توالدا لعديد من الحيوانات العاشبة مثل الضب والأرنب الوحشي والغزال والإبل والأروي.

 ورغم الجفاف الذي حلّ بالمنطقة لمدة أربعة عقود ونيف، كان من نتائجه حدوث هجرة كبيرة للسكّان نحو”الغرب” وهو الاسم الذي يطلقه سكان الجنوب على المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط وسلا وفاس، فإن أسرة “أيت داود” وحدها التي أصرت على البقاء في أرض الأجداد، ترعاها بركة الولي الصّالح، إلى جانب مقدم الضّريح.

 لقد اعتاد “دا برايم” بعد تأدية صلاة الفجر أن يتأبّط القربة المصنوعة من جاد الماعز ، ويمشي لمدة ساعتين مخترقا الطريق الضيق الذي خطته حوافر البغال والذي يخترق جبل ” “دوأرعم” الشاهق إلى أن يصل إلى السفح حيث يبدأ سهل “أزغار”القاحل الذي تبدو نهايته ملتحمة بالسماء وحين تبدأ الشمس في إرسال أشعتها يكون قد وصل إلى البئر حيث يملأ قربته

ثم يعود إلى الدوار ليعد لوالدته “أزكيف” وهو حساء من حبوب الشعير متبّلا بعشبة الشيح البرية ثم يقصد الصندوق الخشبي المتهرئ يخرج منه ملابسها ليقوم بتبديل عباءتها وهي لا تكف عن الدّعاء له بالصحّة وطلب الصّفح عنها.

 كان هذا هو نظام حياة “ادابرايم” ووالدته طيلة السّنوات الثلاث الأخيرة خاصة بعد أن أصبحت عاجزة عن الحركة. في هذا اليوم وبعد أن انتهى من غسل ملابس والدته ونشرها على سور الكوخ لتجف، توجه نحو بيت والدته وجلس كعادته أمام النّافذة الصغيرة المطلة على الجبل موجها بصره نحو الأفق البعيد وهو يتذكّر الأيّام التي كان يخرج فيها فجرا صحبة عمه وبعض الأقارب للصيد حيث كان عمه يحمل البندقية الكبيرة ذات الفوهتين أمّا هو فكان يعلق حول عنقه المنظار المكبر النحاسي ثم يتجهون نحو الجبل الشاهق ويتوغلون في أوديته ومع غروب الشمس يعودون محملين بأيل ضخم على أكتافهم بعد أن يكونوا قد ذبحوه وسلخوه…

 وعلى مدخل الدوار يستقبلهم الأطفال بالهتاف والنساء بالزغاريد، ليقضوا بعد دلك سبعة أيام في الولائم وتقديم الصدقات للفقراء والمحتاجين وزوار الضريح حتى إذا جاء الليل تحلقوا حول النار المشتعلة التي يصعد لهيبها إلى السماء وشرعوا في الرّقص على إيقاعات رقصات أحواش السّاخنة حتّى الفجر، وبينما كان “دابرايم” يسبح في ذكرياته السّاحرة تلك حتى انتهى إلى سمعه صوت والدته وهي تقول بنبرة أسف “تبّا لهذا الزّمان الذي أخرني حتّى أسمع فيه أن”إيرومين”* هم من سينزلون لنا الأمطار من السّماء. “ادايى اسمح ربى”(سامحني الله.).لا شك أنّ المسلمين أذنبوا كثيرا مع الله بحيث لم يعد يستجيب لدعواتهم”

أجاب “دابرايم”:

– لكن، يا أمّي، إن ما يردّده الناس في البلدة هذه الأيام، هو أن النصارى سيستخدمون في ذلك الطائرات التي تحلق في أعالي السّماء.

 سكتت لحظة ثم تابعت بنبرة فيها استهزاء:

– “…الأحرى بابني أن تقول إنهم سيرشون الأرض، أما أمطار الخير فالله تعالى وحده من يملكها ويوزعها على من يشاء من عباده”.

كان شيخ البلدة قبل أسابيع قد أمر سكان الدواوير المجاورة للضريح بإخلاء قراهم والتوجه إلى بلدة قريبة ليتم نقلهم عبر شاحنات إلى مخيمات حيث سيتم تجميعهم ريثما يهيؤون لهم مساكن جديدة… وكان الخبر الذي انتشر في القرى وتداولته الألسن بكثير هو أنه ستقام تجربة في إسقاط أمطار اصطناعية في المنطقة مما خلف ارتياحا وسعادة لدى السّاكنة فهتفوا بحياة الشيخ فرحا بهذا الحدث العظيم الذي طالما انتظروه.

 وفي الغد، بعد صلاة الفجر، أركب “دابرايم” والدته بجانبه على ظهر البغل المحمل بالأمتعة وساق الدابّة عبر الأزقّة الضيّقة الشبه المعتمة إلى أن بلغ الضّريح… أوقف البغل… حمل والدته واتجه نحو الداخل ووقف حيث يرقد جثمان الولي ثم شرع يتلو دعوات بصوت خافت، على أن يحفظ الله والدته في هذه الرّحلة، ويطلب الغفران والصّفح من الولي الصالح عن هذا الهجران الذي أرادته الأقدار، ثم غادر المكان وقلبه يتمزّق أسى وحسرة.

كانت حوافر البغل ترتطم بقطع الأحجار الصّلدة الصقيلة للنهر الجاف، فبحدث وقعها صدى يتردد بين الجبال، وكعادته فقد كان “دبرايم” يتحدث إلى دابته كلما أحس بأنها استشعرت شيئا ما في طريقها وتوقفت، مخاطبا إياها بلغة أمازيغية رقيقة : “سيري على بركة الله، فلن يعترض طريقك بإذن الله أي ثعبان ولا شيطان”. ثم تتابع طريقها باطمئنان وأمان في اتّجاه الجبل الشّاهق.

 استغرق صعود الجبل بضع ساعات أحس معها الرّجل أن والدته ربّما لن تنهي معه هذه الرّحلة فكم من مرّة وهو يستلطفها إن كانت في حاجة إلى وقفة استراحة إلا أنّها كانت تطمئنه وتحثه على استكمال السير مخافة من حلول الظلام، وفجأة تناهى إلى سمعه هدير كأنه صوت رعد قادم من بعيد. أوقف الدابة واسترق السّمع قليلا ثم جال ببصره يمينا وشمالا إلى أن تراءت له البلدة من خلفه بمنازلها الطينية ككومة من أحجار رصت بنظام وهي تبدو وسط سحابة من الغبار، وبدأ هدير طائرات عملاقة يهز أرجاء الجبال شيئا فشيئا. صاحت الأم بفرح وبصوت منهك ” أتسمع بابني، إنّه صوت الرّعد آت من الغرب، فلنشكر الله ونحمده على هذا الخير” ثم رفعت رأسها إلى السّماء وشرعت ترفرف بعينيها متهيئة لاستقبال أولى قطرات الرّحمة، بينما كان ابنها يتابع الطائرات العملاقة وهي تلقي عن بعد حمولات كبيرة ما تلبث أن تصل إلى علو قريب حتى تنفتح مظلات ضخمة لتستقر الحمولات بعد ذلك على اليابسة. نظر الابن إلى والدته نظرة إشفاق وحسرة بينما كانت لا تزال في وضعها الأول تبتسم وترفرف بعينيها دائما في استعداد لاستقبال أولى قطرات الخير.

 وفي صباح الغد، كانت عناوين الصحف الرسمية تعلن في أولى صفحاتها هذا الخبر: “شرعت إحدى شركات النفط العالميّة في إنجاز أكبر محطّة لاستغلا ل آبار النّفط المكتشفة أخيرا في الجنوب الشرقي من البلاد، وهو الحدث الذي استقبله الأهالي بكثير من الانشراح والسّعادة”. 

 

 

  • إيرومين “تعني النّصارى وهو الاسم الذي يطلقه الأمازيغ على الأوروبيين بصفة عامّة”.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق