أمكنة، جدران

  .1  جدار فلسطين

 

كأنّه ندبة على وجه ميّت

يبدو الجدار في العتمة

 

صفوف لامتناهية من الرّجال والنّساء

تنتظر العبور اٍلى اللاّمكان

خوف يومض في العيون

عواطف تضجّ في الحقائب والصّرر

كوابل من الحجارة والغبار

ولعبة طفل مرهق تتدحرج

على سفح ليل لا يبدي أيّ شفقة

 

الجنود بملامحهم القاسية

يشبكون أصابعهم على البنادق

فيما يشبه التّعبّد

يحملقون في ممالك من فراغ

فحيح شتائم جنديّة متطوّعة

يتسلّق الهواء الواجم

ويفتح أبواب السّماء

 

مطر أسود

ينزل من علياء الآلام

يمسح بأنامله المقدّسة

الوجوه المحدّقة في الجدار

مطر يبكي أفراحا استعصى وحامها

وكلاما طالت لعثمته المرتبكة

 

للانتظار رائحة جثث باردة

ألم ينشب أظافره في بطن السّماء

يستلّ أمعاء السّحاب

حيث تتخبّط ملائكة

في ذكريات نقاء مغدور

عفن يمدّ أصابعه المجذومة

ويفتح بقبحه شقوق الجدار

 

من خلال جدار دموعي الحبيسة

أكاد أرى أعشابا وليدة

على الحافة

تبتسم لوجوه ما زالت تنتظر

صباحات آتية..

 

هناك

في أحلام الغبار

تنفتح قبور الشّهداء

وآخرين ماتوا في برودة الأقدار

أراهم الآن يخرجون

حاملين أكفان عشقهم للحكايات

أسمع الموتى يردّدون أساطير حياة

لا تفنى ورودها

 

هناك

أضواء "رام الله" تلوّح من بعيد

تنتزع نهدة من الظّلام

قلوب الأحبّة المتعبة

تبحث عن أصدقاء سيعودون

كاسرين حقد حكايات عتيقة

 

هناك

أعرف أنّ " مضر" و" كارولين"

يهيّئان أنخابا جديدة

وكلاما يجمعنا

حول أمكنة تزهو تعمّرها شموس.

 

2. السّيّدة الأولى

 

 حارس متحف " أديس أبابا"

فتح لي الباب الخلفيّ بعد نهاية أوقات العمل

"بضع دقائق فقط لزيارة الجدّة لوسي.."(1)

هتف الرّجل ساحبا أمامي

جذعا أبنوسيّا بدون عمر

 

 

في تابوتها البلّوريّ

تنام السيّدة الجميلة

هيكلها الصّغير يرتاح

على وسادة الظّلام

أكاد أرى فتات عظامها

يتجمّع ويطير كفراشة ذكريات

أكاد أسمع رحمها المنطفئ

يحدّث عن أوحام رهيبة

عن أجنّة خرجت من عتمة ظلوعها

عمّرت أخاديد الأرض ببذرة الشّوق

أسكنت دم الحياة في البحيرات والأنهار

ونحتت الأساطير على مائدة السّماء

 

" لوسي" أمّ الجميع

تنام على عرش من الرّحمة والعطاء

مثل آلهة ضيّعت دهشة وحيها

ترتاح من آلام الموت والحياة

أمام معبدها البلّوريّ

يقف مريدو الحكمة

على جياد متجمّدة

يبحثون عن لحظة صمت وانتباه

 

في خزانات المتحف المقابلة

رماح نائمة

في مدياتها الصّدئة بقايا

دم قبائل متخثّر

وشعيرات رؤوس مغامرين مغدورين

على الحيطان أقنعة لضحكات الأقدار

وعبوس الويلات المرّة

 

"لوسي" المرأة السيّدة

مالكة الأرض والأبديّة

أعطتنا أكثر ممّا يجب

مثل أطفال مدلّلين

نسينا أنّ كلّ منحة

هي حكاية مخاض ألم طويل..

 

3. رحيل

 

معبد للألم

تبدو قلعة جزيرة " غوري"(2) من بعيد

 

أطفال يلوّحون لسفينتنا

ويقفزون من أعالي أسوار الميناء

بلا أدنى حذر

نساء بقامات خرافيّة

يعلكن لبان الصّبر

ويعرضن على السيّاح

أقمشة تسع ألوانها كلّ البساتين

 

العالم في القلعة

مليء بالنّحيب

في غرف ترحيل العبيد

أصفاد صدئت دموعها

وكوّات ضئيلة يمكن لليد أن تلمس منها

ذكريات الضّوء

" لا تبك يا صغيري.. ستنام أبدا في أحضاني.."

نقوش أخيرة لم يمحها موت الفراق

 

قبل العودة

انتظرنا سفينة السّادسة مساء الأخيرة

عند صديقتنا "ماري"

ذات الأصول الفرنسية

في قبو بيت العائلة

صور جدّها مع حبيبته الزّنجيّة

وشباك لصيد العبيد

تتدلّى من الجدران بين أكداس

دفاتر البيع والشّراء.

 

4. سكينة

 

هناك سكينة تحت السّماء

توشك أن تنتهي

 

ناطحات سحاب "مانهاتن" تنتفض

من سبات النّهار

وتنتصب متلألئة مثل غيلان نورانيّة

أراها من غرفة الفندق

في الطّابق ما بعد الثّلاثين

تلتهم فضاءات الظّلام

وتطارد أشباح عابري اللّيل :

عازف بيانو في بارات موسيقى "الجاز"

يعدّ نوتات ألمه

متشرّد يخبّئ بين ضلوعه بقيّة دفء

عامل بورصة يخرج قلبه للهواء

ونساء يحملن بعناء أجسادا للبيع

أراهم يتسلّقون، في فزع، بهرة الضّباب

أقنعتهم تتحلّق حول جدران

غرفتي البلّوريّة

أفتح شبابيكي

وأضيّف الأقنعة

محاطا بفوضى إيماءات وهمس

أفتح كتابي المخفيّ بين طيّات ألم

وأفراح قديمة

وأصدح بكلمات المسافات

 

أرى كآبة العالم تفرد أجنحتها

وتطير بعيدا خارج الجدران

وغيلان الضّوء تتهاوى

 في ثغرات الأبديّة.

 

 
الهوامش:    

1-·      "لوسي": اسم أطلقه علماء على امرأة اكتشف هيكلها العظميّ في أثيوبيا واعتبروها "أمّ البشر". تنام عظامها الصّغيرة في متحف "أديس ابابا".

2-·      جزيرة غوري" جزيرة في السّنغال. كان العبيد يرحّلون منها إلى "العالم الجديد".
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This