أميرة زين الدين تكاتب الفضاء العام من خلف سترها والحجاب

تركّز مجموعة المقالات المختارة من مجلة الحسناء البيروتيّة، بين عامي 1910 و1912، على مرحلة شباب أوّل امرأة من الطائفة الدرزيّة تجادل في السياسي، من خلف سترها والحجاب: أميرة زين الدين (1889-1972).

تشير النصوص المكتوبة بقلم أميرة زين الدين، إلى أنها بزغت للعلن كذاتٍ تفتّح وعيها على الحسّ الوطني المميّز لسياق المرحلة، وهنا لا يخفى على أحد أنّ عنف المحن الأهليّة في جبل لبنان ربيع 1860، ترك أثره الراعف في تاريخ منطقة شرق المتوسط العثماني في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، وحقن الفكر الإصلاحي بضرورة البحث أكثر من أيّ وقت مضى عن معنى لموطئ القدم، إضافة لتعين زمنيّ لمفهوم الوطن في سجاله الأخلاقي (ético) مع يقين لاهوت يقول باجتناب الآخر وفلكه كرجس من عمل الشيطان.

حين قدّمت “الحسناء” أميرة زين الدين على أنّها من الطائفة الدرزية، فإنّها في عمق قصيدها كانت تحتفي بفضيلة امرأة تتجاوز حجاب العقل وتجريده المتعالي.. امرأة تختار البوح باسمها، لتواجه به فضاء “الهيئة الاجتماعية” العامّ، آن كان هذا “العام” مرادفاً لـ”الوطني” في الفكر الحداثي.

من جانب آخر عندما أقدمت الشابة أميرة زين الدين على نشر مقالاتها في “الحسناء”، فإنها كانت تتلمّس كليّة التضامن النسوي universal feminismo، الذي سعت لترسيخه هيئة تحرير المجلة، من النساء اللواتي شكلنَ فيما بينهنّ أوّل محاولة نسوية عربية للتثاقف مع الآخر ومع الأنا التراثيّة، إن لم نقل أوّل تجمّع نسوي واع في تاريخ الثقافة العربية ككلّ، رغم قصر عمر المجلة. وفي معرض الحديث هنا تجدر الإشارة إلى أنّ النسوية العربية في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين نشأت في ظلال الأفكار المميّزة للبنائين الأحرار رغم أنها لم تشكّل محفلاً نسائياً يخصها.

قبل أن نترك المختارات لقارئ الأوان ننوّه إلى أنّ اللقب الذي وقّعت به الشابّة أميرة زين الدين مقالاتها في دورية “الحسناء”، يعود إلى زوجها الأول المحامي محمد زين الدين، وذلك تبعاً لتقاليد المركزية الذكوريّة المستحدثة بين الفئات الاجتماعية العربية الوسطى. فمن المعروف أن والدها هو الطبيب سعد سليم أمّا نسب والدتها فيعود لعائلة تلحوق.

مع مرور مئة سنة على أولى الكلمات التي أعلنتها أميرة زين الدين على الملأ، نعيد معاً قراءة مجموعة من النصوص تشرح نفسها بنفسها، ونبدأها بتقديم مجلة الحسناء لأميرة زين الدين، ثم مقالات لها. كما نُدرج في بنية المختارات ردّ أحد القراء من مدينة الاسكندرية، لتكتمل رسم تلك الشابة النهضويّة:

{{[*
نهضة الدرزيات… أميرة زين الدين*]}}

{{تقديم الحسناء}}

بدأت طلائع النهضة تظهر بين بنات الدروز ظهورها بين أبنائهم، فتعلمن كما تعلموا ونبغن مثلما نبغوا على أنهنَّ وراء الحجاب لا يزلن مقيمات، والحجاب مؤخر عن بلوغ محجّة الارتقاء ولكن التعليم والتهذيب اللذين يخرقان حجب النفوس لا تعصى عليهما حجب المنسوجات.

في إدارة الحسناء اليوم مقالة لسيدة درزية تحضّ فيها على التعليم والتهذيب، وتنتقد حالة المرأة الحاضرة بنظرة عامة نظنها أول مقالة خطها بنانٌ درزي لطيف.

وفي أميركا فتاة تعزز مقام الطائفة في عيون الأميركان بتعلمها في إحدى كليات أميركا الكبرى في كمبردج ماس وإبدائها من دلائل النبوغ بما يرفع شأن البنات، وهي الآنسة آدال جنبلاط كريمة المقدّم الدكتور نسيب مزهر جنبلاط.

مثلت هذه الفتاة دور بوريا عقيلة بروتس بطل رواية يوليوس قيصر تأليف شكسبير التي مثلتها مع رفيقاتها التلميذات فأدهشت الحضور، حتى وقفوا معجبين ببراعتها إلقاءً وإيماءً حاسبينها بدر الليلة المنير لإجادتها كُل الإجادة.

ومع كونها السورية الوحيدة بين الممثلات الأميركيات، فقد كانت لغتها فصيحة صحيحة، فاقت بها عليهن جميعاً، ونالت ثناء ليس فقط لنفسها بل لقومها، كما قالت الهدى(1)، على مظهرها الحسن الداعي للإعجاب. وهكذا لم تأنف هذه الآنسة مع أنها درزية من الظهور على المرسح بمظهر لائق شريف اعتقاداً بسموّ فنّ التمثيل وعظم تأثيره على رفع النفس إلى سماء العواطف الشريفة وهي سوف تظهر عن قريب في تمثيل رواية ماري ستوارت تأليف شيلر الألماني إذ عهد إليها دور الملكة ولا ريب أنها تجيد في الرواية الثانية إجادتها في الأولى.

{{[*نظرة عمومية*]}}

{{أميرة زين الدين}}

حيا الله الحسناء الباهرة النور في عصر الحرية عصر الدستور(2). الناثرة من درر أقوالها ما يزري بعقود الجمان. الناظمة منها ما تحلو به الألسنة وتشنف الآذان. المتحفة بفرائد الفوائد في العلم والأدب وتحسين الأخلاق والعوائد. المنبهة للنهوض من وهاد الخمول. معرّفة الجنس اللطيف بواجباته الدنيوية والعلوية للحصول على سعادة الدارين. المستنهضة همته بما يؤل لتمام ترقي الأمة المتوقف على ارتقاء هذا الجنس كما لا يخفى على كل ذي عين أو أذنين ولو كانتا طويلتين مريضتين.

أشكرك أيتها الحسناء على بروزك كأستاذ ماهر لتثقيف العقول وإنارة الألباب وفتحك لأقلام النساء مدىً فسيح الرحاب ولو كنَّ مثلي وراء الحجاب. فإنني مع علمي بقصوري عن مجاراة أخواتي الكاتبات قد تجرأت على خوض عباب الإنشاء معرجة على عالم العلم والتهذيب ناطقة بما أعتقد من الكلام المصيب راجية من مكارم أخلاقهن أم يعذرنني عذرهنَّ للمبتدئة بكل فنّ أدبي.

إذا تصفحّنا التاريخ نجد أنه لم ترق أمة معارج الفلاح إلا بالعلوم والمعارف واستطلاع أسباب الرقي والسير في سبله. ولا يعني بذلك تصريف الأفعال والإعراب وما شاكلهما من قواعد اللغة. بل كل ما ينير العقول ويصقلها من العلوم الرياضية والطبيعية وما اختص منها بالصناعة والتجارة والزراعة وغيرها من لوازم المعيشة والارتقاء التي تحيي النفوس حياة حقيقية زاهرة مزدانة بالمفاخر والمنافع. أعني تعليم البنات الأشغال اليدوية وما يحتاجه المنزل ومطبخه والأولاد وتربيتهم وما يؤول إلى حسن إحكام العمل والتدبير بلا تقتير ولا تبذير وما يلزمها من بقية العلوم مع الإلمام بما يختص بالرجال عدا الفنون الحربية التي لا تساعدهنّ أجسامهن على القيام بها.

ولرب معترض يقول ما احتياج المرأة إلى هذا وفي بيتها ما يشغل أوقاتها فجوابه إذا لم يكن من نتائج ذلك إلا المداولة مع آلها بمعرفة صحيحة في أعمالهم وإبداء الآراء الصائبة لهم فيها لكفى. فضلاً عما أثبته التاريخ من أن بعض الانكليزيات والأميركيات واليابانيات وغيرهن قد كن بسعة اطلاعهن مؤثرات كثيراً في إفادة ذويهنَّ والجنس البشري أجمع.

ومع كون النساء لا يستطعن القيام بالفنون الحربية بأنفسهن لكنهن قادرات على خدمة المدافعين عن الوطن ببذل الدرهم إعانة لهم ولعيالهم ولو بعن كل ما في معاصمهنَّ وأجيادهنَّ من الحلي (لأن الصيت الحسن خير من المال المجموع والفضل والشرف لهن أفضل حلية) وبتضميد الجراح والحض على بذل الأرواح في ميادين الكفاح شأن أسلافنا من النساء في الأعصر الغابرة لاسيما في صدر الإسلام وفي الممالك الراقية. صيانةً للوطن من الاعتداء عليه واكتساباً لمجد دائم يصيبهن منه ما يصيب الرجال كل بحسب أحواله.

أما التهذيب للجنس اللطيف فلا أعني به سكوتهن أو خفض أصواتهن بل وجوب تكلمهن بالأمور المفيدة وتطبيق أعمالهن على ما يقتضيه الدين والإنسانية وما تستلزمه بيوتهن وذويها مادياً وأدبياً. وبدلاً من أن تدور أحاديثهن بما لا فائدة منه أي بالأخبار التافهة والملفقة وبالنميمة والاغتياب وعن البودرة والحمرة والحلي والأزياء يجب دورانها على المحور المؤدي إلى رقي الوطن. وقبل تنظيف الأجساد والبيوت حفظاً للصحة ولذةً للمعيشة ينبغي تنظيف القلوب والعقول من أدران المفاسد وتنويرها بأنوار الفضائل.

والتعليم والتهذيب مفيدان للبنات والصبيان على السواء إذ يلزمهن مثلهم أن يعرفن أمور الدنيا والدين وما هنَّ فيه من حقيقة الحال ليستطعن السير حسب الإمكان فيحسنّ إدارة البيوت وتربية الأولاد ويتمكن من بث روح الألفة والاتحاد تأييداً للجامعة الوطنية وشداً لأزر ما فيه الخير العام.

وبما أن فتاة العصر هي أم رجل المستقبل وهو سيشب على أخلاقها وعاداتها راقية كانت أو منحطة ومع ما هو معلوم من أن العلم فرض في الإسلام وفي سائر الأديان والرسول “صلعم” قد علم ابنته فكانت من أكبر عالمات زمانها فعلينا بتكثير المدارس للبنات ليصرن أمهات راقيات ليتعاون الجنسان على استرجاع العز الماضي المستعاض عنه بالكسل والتأخر. على أن بلادنا بطبيعتها تؤهلنا لكل ارتقاء وتاريخنا يرينا ما كان عليه الأجداد مما يبث فينا الهمة للاجتهاد في طلب العلم. ولا شك أن في تهذيب كل من الرجل والمرأة مهذّب للآخر.

نعم إن أحوالنا قد تحسنت عن ماضينا القريب ولكن هذا لا يذكر بجانب تحسن أحوال الأجانب ولا يجوز أن نرضى به. وليس التحسن الذي أعنيه هو في اتباع الأزياء على اختلاف أنواعها مما تعرفه بنات جنسي وهن بغنى عن تعداده لهن الآن أو في الإسراف والتشبه بلا عقل يردع ولا قوة تمنع حتى سقطت بعض البيوت المستورة وأضحى أصحابها تائهي الفكر مثقلي الظهر ومتحلين بمرارة الصبر. بل هو ما بدأت طلائعه تظهر بيننا من الطبقة الراقية منا مذ بدأنا بالتعليم من نصف قرن. ولكن هذا لا يكفي بل تحتاج إلى أكثر منه ليعمَّ العلم والتهذيب كل بنات سوريا فيعشن على ما يناسب مقدرتهن المالية ومنزلتهن الاجتماعية ويتطلبن زيادة التحسن الأدبي والعلمي.

(الحسناء، مج2، ج2، بيروت، آب 1910)

{{[*
لا تنظري إلى الوراء*]}}

{{أ. ر. خوري (الاسكندرية)}}

يا أميرة زين الدين:

لقد وضعت يدك على المحراث فهل يجول في فكرك أن تنظري إلى الوراء؟

لا إخالك تعملين. أظنك أول سورية درزية كتبت أفكارها على ورق ووزع هنا وهناك حتى وصل إلى السوريين الذين في عبر البحار. أمامك أيتها الفاضلة حقل أرض طيبة. فازرعي أفكارك الجميلة فيها. ازرعي هذه الأفكار بين رفيقاتك من بني وطنك. فلا يمضي وقت قصير حتى تحصدي ما زرعت يداك. تحصدين المجد والافتخار ببنات بلادك العزيزة.

أظهري لهن ضرر الحجاب. هذا الحجاب الذي لا أعرف له معنى. أليس الوجه عضواً في الجسم وكذا الأنامل. فلماذا نحجب الوجه ونترك الأنامل؟

لماذا تحجب السيدة وجهاً لها خلقه الله لتراه الشمس ويراها ولا يحجب الرجل وجهه؟

نحن أجدر بأن نحجب وجوهنا خجلاً من وجود نساء لنا أعمت العادة منهن البصائر والعيون عن نظر الحقيقة واليقين.

فهل تسمعي لمخلوق من أرض سوريا وهو ناءٍ عن الأوطان. يسرّ إليك هذه الكلمات الصغيرة لتذيعيها في شرق البلاد وغربها؟ لنرى أرضاً لنا (سرحت عليها أجدادنا من قبلنا) قد بلغت ذروة المجد والسؤدد!

(الحسناء، مج2، ج5، تشرين الثاني 1910)

{{[*
نظرة في المرأة وتأثير العادات*]}}

{{أميرة زين الدين}}

كتبت مرة في الحسناء نظرة عمومية وبودي متابعة الكتابة فيها حيناً بعد حين إنما انحراف صحتي منعني من إتمام إرادتي إلى أن رأيت صدى تلك النظرة يردده أديب سوري في الإسكندرية أعني به الخواجة خوري الذي أحسن ظنه بي ونشطني على إذاعة أفكاري بين بنات جنسي (بمقالة لا تنظري إلى الوراء) فبهرني بنور أدبه وفضله من وراء الحجاب بل من وراء البحار وجعلني أقابل صنيعه بثناء لا يحيط به قلمي كما أنه لا يحيط بالحجاب وما يتأتى عنه من المنافع والمضار.

عرف المتمدنون بأن المرأة جزء متمم للرجل وشريكة له في الحياة خلقها الله إنساناً مثله ووهبها من نعمة ما وهبه وجعل لها من الحقوق ما له وعليها من الواجبات ما عليه وأنها وإياه مرآتان كل منهما يرى نفسه بالآخر فعلموها وهذبوها فكانت العامل الأكبر على بثّ العلم والتهذيب لأنها مربية النسل وكفاها بهذا تأثيراً عظيماً.

وكان من نتائج ذلك أن تبدَّلت عادات المرأة وصارت اليوم غيرها بالأمس فانصرفت إلى جلائل الأعمال بعد تلك الصغائر وتغيرت أحوالها عما كانت عليه قديماً تغيراً محسوساً لا ينكره إلا عميان البصائر والأبصار. وما ذلك إلا من تأثير العادات.

لأن العادة أعظم مؤثر في الناس فتبدو وتنمو وتتأصل حتى يصعب وقد يستحيل نزعها وتصير طبعاً خاصاً في الإنسان تأييداً لقول العامة العادة خامس طبيعة.

فالفلاحون في الأقاليم الباردة لا تؤثر الزوابع والثلوج بأجسامهم ولو لم يكسوها بما يقيهم من البرد. والذين تعودوا لبس الأقمشة الصوفية ولو كانوا في البلاد الحارة يمرضون إذا خلعوها مع أن البشر جميعهم من طينة واحدة. والمرأة في الأماكن المتوحشة تقبل يومياً يد زوجها وتكون له بمثابة خادمة حقيرة أو أدنى فتفلح وتزرع وتحصد وترعى الماشية وتعد نفسها سعيدة إذا أذن لها بالجلوس بجانبه أو بالأكل معه ولو من فضلات الطعام المطبوخ بعرق جبينها. وبعض النساء في بعض المحلات المتمدنة (وبئس ذاك التمدن) تقضي أوقاتها بالقمار والغي تاركة الأولاد لعناية الخادمات مستأثرة بواردات زوجها تعامله بشموخ أنف وكبرياء وحضرته عافاه الله وصبّره على مضض بلواه متظاهر بالرضى وقد يكاد يمتنّ لألطافها إذا سمحت له بتقبيل يدها أو بالأكل معها من طعام قد لا تعرف من طبخه في ذات مطبخها وإذا سألنا كلاً من المظلومة بالهمجية والمظلوم بالمدنية عما يدعوا إلى السكوت عن هذه العادات والرضوخ لها لأجابانا لنا أمثال عديدون في هذه الأمور ولا قبل لأحد منا على التخلص من ذلك مجاراة للعادة الدارجة.

ومن هذا يتضح لكنّ سيداتي ما هو تأثير العادات على البشر. فحري بنا إذاً أن نعتاد الأمور الجيدة وأن نعوِّدها الرجال أيضاً لأن ذلك بإمكاننا ما زالوا هم تربيتنا وأخلاقهم تكييف أيدينا.

إذا تعوَّد الإنسان شيئاً صعب عليه التخلي عنه وقد يستحيل تخلصه منه إذا اعتاد النوم باكراً أو في ساعة من النهار فلا يجيء وقته حتى يشعر بالنعاس. وإذا تعود أيّ من الرجل والمرأة على السلطة والسيادة يصعب عليه الرجوع عن عاداته. وعلى هذه الأمور يقاس تأثير العادة.

لولا تعوَّد أكثر الرجال في القرى المنحطة على احتقار النساء لما داموا على أحوالهم السيئة ولولا تعوَّد بعض النساء في بعض المدن الراقية على امتهان الرجال وعدم الاكتراث بعمران وسعادة المنزل وأهله لما وصلوا إلى ما هم عليه من الضعف المادي وسوء الحال.

فخير العادات ما وفق بين الجنسين وجعل كلاً منهما يراعي مع مصلحته مصلحة الآخر ودفعهما إلى العمل إلى الإصلاح بتوفير أسباب المعارف والآداب وانتشار الحرية وتأييد الحق وتأدية الواجب. فتتولد وتتأصل في البشر عادات حميدة لا تصغر معها النفس ولا تصبح الحياة عبئاً ثقيلاً عليها.

(الحسناء، مج2، ج7، بيروت، كانون الثاني 1911)

{{[*حياة الأموات وموت الأحياء*]}}

{{أميرة زين الدين}}

كتبت في المجلد الثاني من الحسناء في وجوب تعليم الجنسين لا استثناء لأن كل من الرجل والمرأة مؤثر في الآخر وعلى ترقيهما يتوقف ترقي البلاد كما هو الحال في انكلترا وأميركا واليابان. وقد كتب أيضاً كثير من الكتاب والكاتبات في هذا الموضوع ووفوه حقه حتى أضحى تكرار الخوض فيه من قبيل وصف العسل بالحلاوة والصبر بالمرارة أو الثلج بالبرودة والنار بالحرارة.

وبما أنني من المحجبات اللواتي لم يتعودن الكتابة في الجرائد في أي موضوع كان فقد نظر مطالعو كتاباتي من الأدباء إلى موضوعي المهم (مع علمهم بقصوري فيه) بعين الرضى والاستحسان تلطفاً منهم وتنشيطاً لجنسنا في هذا العصر.

ولقد ساءني وأذهلني ما علمته نقلاً من أن بعض الذين أسدل عليهم الجهل حجابه من رجال ونساء يحسبون الجهل أفضل للمحجبات من العلم وأن بكتابتهن في الجرائد شذوذاً عن الدين وعن سواء السبيل متوهمين وزاعمين أنه لم يسبقنا إلى ذلك متقدمات في العصور الغابرة وأن الأوائل لم يتركوا شيئاً للأواخر. لذلك أورد لأولئك المتعنتين حقائق دامغة يؤيدها العقل والعلم. وهي أن المتعلمة المهذبة الفاضلة ترسخ في ذهنها قوة أحكام الدين فتعمل بموجبها تترفع عن الدنايا وتنجو من المفاسد وتستنير بالإيمان والشرف والفضيلة. تحسن إدارة بيتها وتربية أولادها وتبدل شقاء زوجها بسعادة. وتبني لآلها صروح المجد ثابتة الأركان.

ألم تكن الحركة الأدبية التي قام بها رسول المسلمين مرتبطة بترقي شأن المرأة؟ ولا ترقي إلا بالعلم والدين.

ألم يكن عزُّ العرب في الأندلس قائماً بنهضة النساء وببثهن الشهامة في صدور الرجال ومناظرتهن لهم بالأعمال الجليلة واقتباس المعارف والآداب؟

ألم تتعلم نساؤنا في صدر الإسلام الفقه والتفسير والشعر وغيره من فنون الأدب وتسمع بأذنها خطب الخلفاء والعلماء؟

أذكر باختصار بعض من ازدانت تواريخهن بالكمالات من شهيرات المسلمات ممن امتزن بالتقوى والحكمة وأفدن الناس عظمى الفوائد ليكنّ قدوة حسنة للأحياء الميتين أريهم بها حياة الأموات.

فمنهن عائشة زوجة الرسول أم المؤمنين كانت في عصرها من أيمة العلم والدين وفاطمة الزهراء بنته فاقت بعلومها معاصريها وكانت تخطب في الصحابة والأنصار وفاطمة أم الخير وفاطمة أم ابراهيم اليزداني وسعدونة بنت عصام الحميري اشتهرن بحسن تعليمهن للنساء والرجال علمي الحديث والكلام. وروي أن الإمام الشافعي مع جلالة قدره درس الفقه والحديث على اثنتين من العالمات وأن إحداهن السيدة نفيسة صلت عليه لما مات.

وزبيدة زوجة هارون الرشيد كانت تكاتب زوجها أثناء غزواته شعراً وتنشطه على الأعمال الخطيرة وتأتي من المآثر ما يمجد اسمها من ذلك جرّها الماء إلى مكة وبنائها مدينة الاسكندرونة بعد أن خربها الرومان.

وبوران زوجة المأمون شادت مدارس ومستشفيات للنساء ووقفت أموالاً طائلة عليها. وقطر الندى والدة المكتفي بهرت الناس بأنوار معارفها وحسن أحكامها وإدارتها لملك ابنها المتولي صغيراً وكانت فقيهة عادلة تتصدر المجالس محفوفة بالأمراء والعلماء والأعيان.

وأم المقتدر التي أنشأت البيمارستان الشهير بعد الهجرة بثلاثماية سنة كانت تجلس مع القضاة والكبراء وتوقع على الأوراق بخطها.

وخيزران زوجة المهدي جعلت ناديها محط رجال العلماء والعظماء وحملت زوجها على رد أملاك بني أمية لهم بعد أن حجزها عنهم.

وأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك الذي فُتحت اسبانيا في أيامه ساعدت زوجها على العدل والرأفة بالرعية.

وخديجة أخت صلاح الدين أنشأت المدارس في جملة أماكن.

وتركمان خاتون زوجة ملكشاه أحسنت إدارة أملاكها تصدرت مجالس مشيريها وحاربت وأخضعت الثائرين على ابنها السلطان سنجر.

وشجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب الموافق اسمها مسماها وهي تاسع من تولى السلطنة في مصر من بني أمية أحبطت مساعي لويس التاسع ملك فرنسا الموجهة ضدها وبلغ أمرها أن كانت تكتب على المراسيم بخطها (والدة الخليل) وكان الخطباء يدعون لها اللهمّ احفظ الجبهة الصالحيّة ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين ذات الحجاب الجميل والستر الجليل والدة المرحوم (خليل زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب).

ولبيبة خانم زوجة تيمورلنك اشتهرت بالمبرات والقوة وإصلاح ما أفسده زوجها ودفنت في سمرقند حيث يزار قبرها تبركاً إلى اليوم.

ورضيّة ابنة أحد سلاطين الهند أول ملكة في تلك البلاد نصبت مكان أخيها المخلوع على سرير دلهي عملاً بوصية أبيها وأخضعت البلاد لسلطتها بحسن أخلاقها وحسن تدبيرها.

واسكندرابكم نوابة بهوبال في الهند ساست بلادها في أحرج الأوقات أحسن سياسة وتولت قيادة جنودها بنفسها أثناء الثورة الشهيرة وبعلمها وفضلها منعتها من التفشي في جميع البلاد وكانت تقابل الوزراء والأمراء في قصرها مسفرة الوجه كأميرات أوربا إلى أن حجت إلى الحجاز فعادت إلى الحجاب.

وكوهر شاد زوجة شاهروخ ميراز بن تيمورلنك ساعدت زوجها في إحياء معالم العلوم في خرسان وغيرها وجددت بسعيها المساجد والمدارس التي خربها المغول.

وفي حروب الصليبين كانت أم الأمير عثمان بن منقذ وأخوته يحاربن الإفرنج ويطفن بين الجنود يفرقن عليهم الأسلحة ويقوين عزائمهم.

وكريمة بنت محمد بن حاتم المروزية التي جاورت بمكة 463 للهجرة وقد عاشت فوق الماية سنة ولم تتزوج. وعائشة بنت أحمد القرطبيّة فريدة زمانها في العلم والفضل. ومريم بنت أبي يعقوب الأنصاري. وحفصة بنت الحاج الكونيّة. وزينب بنت أبي القاسم. وشهدة الكاتبة البغداديّة، وقنصل المدينة. ورقيّة بنت عبد الله الحلبية. وزينب بنت محمد الدمشقيّة ورقيّة بنت العفيف. وتقيّة بنت أبي الفرج وغيرهنَّ ممن فقنَ أهل عصورهنَّ علماً وأدباً وفضلاً وشعراً وكملاً.

فيتضح مما تقدم (فضلاً عن ألوف غيره من البراهين) فساد ذاك الحسبان المؤسس على الجهل والضلال فنتأكد أن لنا من شهيرات النساء المتوفيات مثائل حية حفظها الغربيون وعمموها فيما بينهم فاستفادوا منها ونسيناها نحن فتضررنا وكدنا نيأس من الانتباه إليها لولا بوارق أمل نهضتنا الحديثة.

فيا سيداتي وأخواتي نصيرات الحق على البطل بسلاح العلم هل تنكرن التفاضل بين الناس بالمعارف والأدب والأعمال؟ ألا ترين اللواتي ذكرناهن آنفاً عائشات بأسمائهن أجيالاً عديدة والحيات اليوم من حفيداتهن ميتات.

لنتحرر من رقِّ الأوهام ونتقدم إلى الأمام فإن حياة الأموات خير من موت الأحياء.

(الحسناء، مج3، ج9، بيروت، حزيران 1912)

{{الهوامش:}}

1- المقصود جريدة “الهدى” التي أصدرها نعوم مكرزل في نيويورك، ومن شهيرات كاتبات “الهدى” نذكر في معرض الحديث هنا المهاجرة اللبنانية عفيفة كرم (1883-1924) التي أشرفت على القسم النسائي في المجلة قبل أن تصدر مجلتها الخاصة.

2-تشير أميرة زين الدين في كلماتها لدستور 1908 المعمول به بعد قيام جمعية الإتحاد والترقي ضد أوتوقراطيّة حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق