أميركــا» روايــة ربيــع جابــر: أطلــس روائــي عالمــي / هيثم حسين

ينهمّ الروائيّ اللبنانيّ ربيع جابر في روايته «أميركا» بتحليل وتفكيك بنيات مكانيّة وزمانيّة ونفسيّة، عبر قرن من الزمن، طيلة القرن العشرين، منذ بدايته التي كانت مرحلة مخاضات كبرى، مروراً بالحربين العالميّتين اللتين كانتا كارثتي القرن بامتياز، علاوة على الكوارث الطبيعيّة الأخرى، من أوبئة وأزمات، حيث كان الصراع على أشدّه بين المستعمرين على التوغّل في المنطقة وفرض السيادة عليها، واستغلالها واستنفاد مواردها في خدمتها، وخدمة حروبها ومستعمراتها الأخرى، وقد شكّل العالم الجديد «أميركا» في بداية القرن العشرين حلماً راود الكثيرين من أبناء المنطقة، الذين كانت تسكرهم الأخبار الواردة من هناك، حول الفرص الكثيرة السانحة لجمع وتكنيز المال، والحرّيّة المطلقة في اختيار العمل الذي يريده المرء.

في غمرة ذلك الجنون يرتحل ابن قرية «بتاتر» في لبنان إلى أميركا، تاركاً زوجته خلف ظهره، واعداً إيّاها بالكثير من الوعود، وبعد مدّة طالت تملّ «مرتا» من الانتظار، ذلك أنّ رسائله بدأت بالتأخّر، ثمّ بالانقطاع، تقرّر مرتا الرحيل لتبحث عنه في أميركا، تحدّت خالها الذي رفض، حرصاً عليها من الرحلة الشاقّة، لكنّها تصفّي بعض أمورها المتعلّقة بالحقل والبيت، ثمّ تتوجّه إلى الميناء مستوحشة، لتنطلق عبر رحلة طويلة، تتعرّض أثناءها للكثير من المصاعب في عدد من الموانئ، تشاهد أناساً كثيرين من مختلف الأصناف، تبدأ بتأمّلهم، تبقى على مسافة مع الجميع، وفي كلّ مرّة يظهر لها من يساعدها أو يقضي حاجتها، كأنّها محميّة ومصونة من الأذى.. عبر الترحال الذي يطول أشهراً، من مدينة إلى أخرى، من بيروت إلى الإسكندريّة، إلى مرسيليا، مروراً بالكثير من الأماكن الأخرى، حتّى تصل إلى السفينة التي ستبحر بها إلى أرض الأحلام «أميركا»، تصل مرتا إلى «إليس أيلاند»، هناك تبقى مع الركّاب الآخرين تحت الإقامة الجبريّة حتّى يتمّ فحصهم، والتأكّد من خلوّهم من الأمراض المعدية، ثمّ ليدخلوا بعدها أميركا هانئين مطمئنّين، غير متصوّرين ما قد ينتظرهم، يظنّون أنّ ساعة الفرج قد حانت، وأنّ رحلة الشقاء انتهت بمجرّد وصولهم، لكنّهم ينتكسون بخطأ ظنّهم، عندما يصطدمون بالواقع، كلّ واحد يتوجّه إلى احد أقاربه أو معارفه، حيث الجميع بحاجة لكفلاء لهم، تُرسل مرتا مع آخرين إلى رجل أميركيّ يشغّل السوريّين كشّاشين عنده، والكشّاش بائع متجوّل يحمل صندوقاً يتجوّل به على قدميه، حيث تظنّ مرتا أنّ زوجها ما يزال يعمل هناك، وعندما تستفسر عنه، لا تصلها إجابة واضحة بشأنه، تارة يقال لها إنّ أخباره منقطعة، تارة أخرى تروى لها حكايات مختلفة.

يكلّف الرجل أحد مساعديه، وهو سوريّ يُدعَى جوزف أسطفان، بتأمين مرتا حتّى تجد حلاًّ لمصابها، ثمّ تبدأ مرتا العمل، بعدما تقرّر البقاء بقوّة والبحث عن زوجها الذي هاجرت من أجله، تسكن في نزل مخصّص للنساء، وفي ليلة تعود فيها إلى البيت، تسمع صوتاً يناديها ويعلمها بأنّ زوجها موجود في منطقة بعيدة، تزوّج من أميركيّة ويقيم معها في مزرعتها.. يُمرِضها الخبر، يُكئِبها، تبقى حبيسة غرفتها أربعة أيّام، تكاد فيها أن تموت، ثمّ تقرّر الذهاب إليه، وبعد رحلة شاقّة تصل إلى المزرعة، تراه متبختراً بجانب سيّدة أميركيّة، محاطاً بسيّدات أخريات، يرفع كأسه، في تلك اللحظة يلمحها، ترفض مرتا النزول من العربة، تطلب من الحوذيّ العودة، يتجمّد زوجها الذي غيّر اسمه من خليل حدّاد إلى جو حدّاد، منساقاً مع التغيير الذي يكون سمة رئيسة من سمات العالم الجديد، الذي يبدأ بالاسم ثمّ الزيّ، ثمّ السلوك، حتّى ينسلخ الإنسان عمّا كان عليه. بعد أن ترى زوجها بتلك الهيئة، تقرّر تجاهل أمره، تقوم ببعض الأعمال، من كشّة إلى حياكة، حتّى يستقرّ بها المقام في متجر تستأجره، تعمل فيه كشريكة، أثناء ذلك ترفض الدعوات التي يرسلها زوجها إليها، ترفض أن يأتي إليها، وتكون الحرب العالميّة الأولى قد اشتعلت منذ مدّة، لكنّ أميركا لم تنخرط فيها إلاّ بعد أن رأت أنّ من مصلحتها الانخراط فيها، أعلنت التطوّع للجنديّة، ساقت الشباب إلى الحرب، كان جو حدّاد من بين مَن سيقوا، ليقضي بعد قصص متداخلة مع كثيرين ممَن قضوا في الحرب.. يبلغ خبر وفاته لزوجته، التي بقيت لابسة المحبس، حتّى بعد بضع سنين، بعدما استمات شابّ تعرّفت إليه مصادفة في عرس فارس ابن صديقتها وديعة صليبي، وذاك الشابّ كان علي جابر، سوريّ أيضاً، حاول التقرّب منها لكنّها كانت تصدّه، ولم يملّ الشابّ من حبّه لها، ولم يقطع الأمل منها، حتّى جاء اليوم الذي رأى يدها خالية من المحبس. تزوّجا ووسّعا أعمالهما، أنجبا أربعة أولاد، لكنّ القدر كان لهم بالمرصاد، إذ خطف علي جابر بعد سنوات من زواجه، ليبقي العبء كلّه على مرتا التي تقوم بدور الأب والأمّ معاً، وتفلح فيه…

خرائط زمنيّة

ينوّع جابر في طريقة معالجته للزمن، فالرواية تمتدّ على طول قرن كامل، تحكي قصّة مرتا التي تموت وقد بلغت من العمر ثمانين سنة، يسرد خلالها قصّة عالم يتشكّل على أنقاض عوالم أخرى، حيث الهجرة والتهجير من الأمكنة كلّها إلى أميركا، التي تبقى الحلم المنشود. يبدأ الزمن في الرواية بطريقة عكسيّة، حيث تكون لحظة الوصول هي فاتحة الرواية، ثمّ يعود بالزمن، ليسرد قصصاً عديدة متشابكة، وليصف الرحلة التي طال أمدها. أحياناً يركّز الروائيّ على الدقائق والساعات والأيّام، يحكي تفاصيلها بدقّة متناهية، يجبر القارئ على معايشة شخصيّاته، في أدقّ دقائقها، وفي أحيان أخرى، يقفز قفزات زمنيّة تعدّ بالسنين، يتكرّر ذلك في أكثر من فصل، مثلاً في بداية الفصل الأوّل من الجزء الثاني حيث يستهلّه قائلاً: «مرّت أربع سنوات…».

كما نوّع الكاتب في أزمنة السرد المختلفة، حيث استخدم الماضي في حديثه عن الماضي، كما استخدم الماضي في حديثه عن المستقبل الذي يبديه كأنّه متحقّق وهو لم يتحقّق بعد: «بعد سنوات طويلة، وهي تجلس بين شجيرات ياسمين فوّاحة في باسادينا ستقول الجدّة مرتا ردّاً على سؤال من أحد أحفادها…»، «المستقبل يقدر أن ينتظر…»، «مرتا أيضاً لا تقرأ المستقبل: لا تعرف أنّ «التركو» (هكذا سمّي السوريّون آنذاك) الذين ينظرون إليها وهي تمرّ مع آخرين تحت المطر المنهمر (كانوا يسيرون الآن، يقفزون فوق البرك، والوحل يلطّخ النعال والصبابيط) لن يجتمعوا هنا إلاّ لوقت قصير: مرور الأعوام سيبعثرهم على خريطة أميركا. بينهم مَن يرجع إلى البلاد البعيدة وبينهم مَن يمضي إلى أقصى الغرب (إلى كاليفورنيا) وبينهم مَن يذهب جنوباً إلى فنزويلا والبرازيل والأرجنتين. مصيرهم التبعثر». كما أنّ الروائيّ يبدو واسع الاطّلاع على تواريخ هامشيّة، يمنحها دوراً في عوالم روايته، التي تتصدّى لمشهد زمنيّ مديد، تقبض الرواية عليه من دون أن تفقد سيطرتها، أو دقّتها.. حتّى لكأنّ القارئ يقرأ تاريخ العالم في القرن العشرين، لا كما رواه التاريخ المكتوب من قبل المنتصرين، أو المهزومين، بل عبر سيَر المهاجرين الذين ضاقت بلادهم بآمالهم، وآلامهم، فلاذوا بعالم ظنّوا فيه خلاصهم.. يبدو تأثير الزمن، كالمكان، فاعلاً بشدّة، مغيّراً في طباع البشر، مغيّراً سلوكيّاتهم، هيئاتهم، متلاعباً بهم، وهم دائرون في فلكه، شاؤوا أم أبوا، فارضاً عقليّات مختلفة بين الأجيال، يتوضّح ذلك في الصراع الجيليّ بين الأب والإبن، حيث يتطوّع الإبن للخدمة العسكريّة، يعارض الأب «جوزف أسطفان»، يتجلّى الانفصال في التفكير بين الجيلين، عبر رسالة يبعث بها مارون ابن جوزف إلى أخته، يؤكّد فيها أنّ من واجبه الدفاع عن وطنه أميركا، يبرز ازدواجيّة الآباء في التعاطي مع الموطن الذي يؤويهم، يبديهم غير مندمجين بالمطلق، غير منسجمين مع أنفسهم وواقعهم، في حين أنّ الجيل الثاني يعرف ما يريد، ويجد نفسه مواطناً أميركيّاً كأيّ مواطن آخر: «أنا لا أفهم الجيل السابق؛ جيل الآباء يبدو لي منفصم الشخصيّة، يتصرّف بحسب دفترين، دفتر يخفيه في الجارور ودفتر يكشفه أمام المحكمة، أمام الضرائب، أمام الشرطة، وأمام الآخرين!… ألا يبدو لك هذا الوضع غريباً؟ ألا تشعرين عندما تتكلّمين مع أحدهم أنّه صاحب وجهين، أنّه هنا وليس هنا في الوقت ذاته. أنا لا أقول إنّهم كَذَبة وأدعياء، لكنّهم يضعون قدماً هنا ويتركون القدم الأخرى هناك، وراء المحيط في البلاد التي خرجوا منها..».. كما أنّ الدقائق لا تكتفي بالمدد القصيرة التي تستغرقها، بل يتطوّر مفعولها النفسيّ، يتجاوز زمنها الزمن الفعليّ، فقد تصبح دهوراً عندما تكون عصيبة، نجده عندما يصف حال مرتا وهي تنتظر بين جموع البشر الذين يعجّ بهم المكان: «دقائق مرّت كالدهور عليها».

خريطة العالم

يبني ربيع جابر معماره الروائيّ، الذي يشمل باتّساعه خريطة العالم أجمع، ذلك أنّ الأمكنة التي تكون مسرحاً لأحداث الرواية تتشعّب، يغدو للرواية أطلسها الجغرافيّ الذي يحاكي الأطلس الطبيعيّ بسعته وامتداده، تتوزّع الأحداث على أماكن شتّى شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، يبرز الاشتغال المكانيّ ابتداءً من عنوان الرواية «أميركا» التي تدلّ على قارّة كاملة، بشمالها وجنوبها، من دون أن تحدّد الولايات المتّحدة الأميركيّة فقط، بل تشمل الأميركتين، بحسب ما تظهره أحداث الرواية التي تنتقل عبر الحدود، تبعاً للكشّاشين الذين لا يتركون بقعة، قربت أم بعدت، إلاّ ويصلونها، يغدون أناس الطريق، يتعرّفون إلى الأماكن أكثر من أبناء تلك المناطق نفسها. ويستكمل اشتغاله المكانيّ، فيعرّج واصفاً بدقة وبراعة، قرية بتاتر، ثمّ المناطق المحيطة بها، ثمّ بيروت، ثمّ الإسكندريّة، ثمّ فرنسا، وبعدها ينتقل من منطقة إلى أخرى، جوّاباً الآفاق، جائلاً مستكشفاً مستطلعاً، كأنّه يقوم بدور المسّاح الجغرافيّ، ولا يقف عند حدود مكانيّة، حيث الأحداث تشمل مناطق العالم كلّها، من أوروبا إلى اليابان، والصين، وسيبيريا، وروسيا، وحين الحديث عن مدينة أو بلدة، فإنّه يبدو مطّلعاً على أدقّ خصوصيّاتها، يرسم ملامحها، وطباع سكّانها، وهذه المعرفة الموسوعيّة أغنت الرواية، ووسّعت من أفقها ومدى تأثيرها.. حتّى الأماكن المؤقّتة كان لها نصيب وافر من اهتمام الروائيّ، كالباخرة التي تحمل المسافرين، تقوم بدور معيّن، يفصّل فيه الكاتب، ولا يمرّ عليه من دون أن يبدي معالمه…

هذا الاهتمام بالمكان، يرافقه توكيد مضاعف من قبل شخصيّات الرواية على نقل أماكنهم التي جاؤوا منها معهم، أو خلق وبناء أماكن شبيهة بها، محاكية لها في كلّ تفاصيلها، في محاولة للالتفاف على الغربة، وتوليد شعور الانتماء للمكان، فمثلاً كان السوريّون المهاجرون إلى أميركا يحاولون بناء سوريا صغيرة في قلب نيويورك، حيث الحيّ السوريّ يبدو كأنّه جزء من سوريا، لا كحيّ تابع لنيويورك، كذلك كان يفعل الصينيّون، ومثلهم المهاجرون الآخرون. على الرغم من ذلك كانت مواطنهم تنحفر وشوماً في ذواكرهم وأرواحهم من دون أن يفلحوا في تبديد شوقهم العارم إليها..

استراتيجيّة العنونة

نوّع الكاتب في استراتيجيّة العنونة التي اتّبعها في روايته، فالعنوان الرئيس «أميركا» متشظٍّ إلى أكثر من مدلول مباشرة، فيه من الإيهام والإيحاء ما فيه، إضافة إلى المباشرة والبساطة الملغزة التي تكتنفه، فأميركا بقدر ما هي معروفة، تكون مجهولة، ثمّ يتطوّر تركيزه على العنونة، بعد إشارته، غير البريئة، إلى أنّ الرواية من نسج الخيال، وأنّ أيّ شبه بينها وبين الواقع محض صدفة ومجرّد عن أيّ قصد، حيث يقسّم روايته إلى أربعة أجزاء، ومئة وستة وعشرين فصلاً، من دون أن يأبه لتوزيع الفصول بالتساوي على الأجزاء الأربعة، الجزء الأول «42» فصلاً، الثاني «41»، الثالث «25»، الرابع «18»، لم يعنون الأجزاء بعناوين رئيسة أو فرعيّة، لكنّه عنْوَن الفصول، وبطريقة مختلفة، فكان منوّعاً في عنونته لها، أورد بعض العناوين باللغة الإنكليزيّة، وبعضها بالعربيّة، وبعضها مزاوجاً بين العربيّة والإنكليزيّة، مع الحفاظ على الترقيم في الفصول كلّها، أحياناً كان يكرّر بعض العناوين لتشكّل سلسلة من بضعة فصول، وقد تكرّر ذلك أكثر من بضع مرّات، لكنّ اللافت للانتباه، أنّه أبقى الفصل الأخير من كلّ جزء من دون عنوان، اكتفى بالترقيم فقط، كأنّه لم يُرِد وضع نهايات جزئيّة، أو كأنّ الترقيم فيها أغنى عن العنوان، ولربّما كانت له أبعاد أخرى.

التنويع في الصيغ والأساليب

يعتمد الكاتب في روايته «أميركا» على التنويع في الصيغ والأساليب المعتمدة، لم يكتفِ بأسلوب وحيد، فنجده مرّة يعتمد أسلوب الرسائل، وتارة التقارير، ثمّ الذكريات، مع الحرص أن تعبّر كلّ صيغة عن الشخصيّة التي تتكلّم، فكان السارد العليم، يتراجع عندما تتقدّم الشخصيّة وتبوح بصوتها الذي يعلو على صوت الراوي، وتستلم منه مقاليد السرد، الذي يعود إليه بعد أداء المهمّة الموكلة إليه، كما نجده يسدّ بعض الثغرات بالخيال، يعتمد التخييل أساساً للانطلاق منه أو العودة إليه، والراوي العليم لا يبقى على الحياد دوماً، بل يترك حياده، عندما يتدخّل الروائيّ بصفتيه الاعتباريّة والشخصيّة، كروائيٍّ وكراوٍ، في الوقت نفسه، سارداً واقعة ما أو مطالباً القارئ بالتمهّل، أو واعداً قارئه بأنّه سيسوق له القصّة في محلّها في فصول قادمة، أو يشير على أنّه قد سبق له أن تحدّث عن هذه القصّة أو تلك في فصل سابق، كما نجده في الفصل «102» «معمل الكيمونو 2»، يلغي المسافة بين الروائي والراوي، أثناء حديثه عن قرية بتاتر التي ينشط فيها العمل بالحرير، قائلاً: «لا أريد أن أتوسّع بهذا الوصف لأنّني فعلت ذلك سابقاً في رواية «الفراشة الزرقاء» التي تدور معظم أحداثها في القرية الجبليّة المذكورة». ص353. والرواية المذكورة أصدرها الكاتب 1996م، نجده يحيل إليها، متخلّياً عن الإيهام والإيحاء الروائيّين، متحلّياً بجرأة التخلّي عنهما لصالح «المباشرة» الواقعيّة، رابطاً بين أعماله، وهو إذ ينوّع في صيغه نجده يحاول إشراك القارئ في الأحداث والمجريات، لا يبقيه متفرّجاً متلقّياً فقط، يحاول أن يخرجه عن حياده، يخاطبه مباشرة وجهاً لوجه، في أكثر من موضع: «عزيزي القارئ». ص 96، 99، 185…. وغيرها كثير. كما يكون تنويعه الآخر، الذي ربّما يناقض إشارته الأولى في بداية الرواية، حول المصادفة في الشبه بين الرواية والواقع، وذلك بإثباته الكثير من المراجع التي تعتمد على وثائق تاريخيّة، على صحف ومجلاّت تلك المرحلة، أو على مذكّرات أحدهم، ممّن عاش في الأماكن التي تتغلغل فيها الرواية، حيث الاعتماد على وثائق واقعيّة حقيقيّة يلغي الإيهام، وفي الوقت نفسه، قد يزيده تعقيداً، فيظنّ القارئ أنّ الروائيّ بإشاراته المرجعيّة يستكمل «خِدَعَه» الروائيّة.. ونجد ذلك عندما يحيل إلى بعض الأوضاع العالميّة في مراحل مختلفة، سواء عند حديثه عن سنوات الجفاف، اجتياح الجراد، الثورة البلشفيّة، مذابح الأرمن، وكارثة الإنفلونزا التي حصدت أرواح الملايين، حتّى أكثر من الحرب نفسها..

رواية «أميركا» تشكّل إضافة نوعيّة للرواية العربيّة، تخوض في مناطقَ روائيّة بِكْرٍ، تنفتح على الأساليب، تعالج مشهداً كونيّاً غير محدود عبر مدّة زمنيّة طويلة، يَبْرع الكاتب في حياكة تفاصيل التفاصيل، يوغل فيها، غير متهيّب من زلاّت قد يخلّفها البعد الزمنيّ، أو الاتّساع المكانيّ، الذي يمتدّ على طول الخريطة العالمية بخطوط الطول والعرض، تَثْرى الرواية وتُثري بالكثير من المعلومات والمعارف الواردة فيها.. ومن هنا فإنّ «أميركا» تعدّ وثيقة العوالم المُهمّشة التي لم يلتفت إليها التاريخ المدوّن، وثيقة العالم الجديد الذي نشأ وتطوّر بجهود المهاجرين الذين شرّعوا وجودهم بصدقهم وتفانيهم.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق