أنا ألعب فأنا موجود: في مقاربة سورة الفاتحة “لعبا”

1ـ1: نحاول في هذا المقترب الذي نخصّصه لسورة “الفاتحة”، أن نسلك إلى النصّ من زاوية “التلفّظ” أو “القول” في علاقتهما بـ”اللعب”؛ وهو ما لا نكاد نقع عليه في “لقرآنيّات” الحديثة.

ولنا في هذا السياق أن لا نتحرّج من إدراج مفهوم اللّعب بالمعنى “الاستطيقي” للكلمة، أي طريقة وجود الأثر نفسه، ضمن ما يمكن أن نسمّيه “أنطولوجيا القرآن” ودلالته الهيرمينوطيقيّة. أقول ” الاستطيقي ” ولا أقول “الجدّي”؛ لأنّ اللعب جدّ هو أيضا (وهو ما لا نظفر به في معاجم العربيّة التي تضع كلمة “لعب” ضدّ جدّ، أو بمعنى مزح أو فعل فعلا لا يجدي عليه نفعا، أو بقصد اللذة والمتعة…) فالنصّ القرآني مثلُه مثَلُ أيّ أثر فنّيّ أو أدبيّ لم ينقطع تأثيره على تعاقب الأزمنة والعصور، يصلح أن يكون مَـظِـنّة( أي الموضع أو المألف أو ما يظنّ فيه وجود الشيء) للتّفسير الأنطولوجيّ أي أنّه من “البراديغمات” التي لا يزال كثير من المسلمين يستخدمونها في مقاربة العالَم أو فهمه أو تفسيره. وهو من هذا الجانب يتمثّل رؤية للكون يُفترض أن تكون قائمة على نوع من الانسجام، بما تعنيه هذه الرّؤية من تمثّل منسجم للعالم، أومعقوليّة أو نسقيّة systématisation وهي من شرائط البراديغم أو مكوّناته.

لا حرج إذن من استخدام مفهوم اللّعب في الكلام على النصوص المقدّسة، ما دام الأمر يتعلّق ببنية وجود الأثر نفسه. وللتوضيح فإنّنا نحاول، على أساس من الموقع الذي نتّخذه من هذه السّورة، أن نفتح “ثغرة” في جدران هذا العالم عالم اللّعبة الفنّيّة المنغلق على نفسه أستيطيقيّا، ولا تعنينا في هذا المقترب الناحية الدينيّة أو السوسيولوجيّة أو السياسيّة أو الاقتصاديّة.. حيث عالم النصّ القرآني مشرع على أنشطة أخرى قد تتعلّق بالتّربية الاجتماعيّة أو بإذكاء الصّراع الإيديلوجيّ أو توظيف الخطاب الديني أو حتّى بتحقيق الكسب المادّيّ كما نلاحظ في قنوات تلفزيزنيّة عربيّة وإسلاميّة كثيرة… ولعلّه من الواضح أنّ عملنا ـ على محدوديّته ـ ليس بالعمل التأويلي، لأنّ بنية القرآن هي مثل الشعر ـ على ما نرجّح ـ بنية هيرمينوطيقيّة، أو هي مؤوّلة سلفا، أو أنّ النصّ ينشأ مؤوّلا. ( Gadamer, Vérité et méthode, p. 119)

و”قراءتنا” لا هي تنتسب إلى فضاء نظريّات التّلقّي ولا هي تعتبر نفسها مجرّد وعي يتصدّى للأثر، إنّما هي تحاول أن تكون امتدادا لبنيته.

منطلقنا فيها الخصائص الشّكليّة التي يمكن أن تُعتمَد في التّمييز بين النّصّ البسيط والنّصّ المركّب، مثل ثبوت أدوار التّخاطب وتغيّرها فيه من حيث الخارج. والسؤال: من هو المتلفّظ في هذه السّورة؟ أهي الذات الإلهيّة باعتبارها أنا متعالية منغلقة على نفسها أم هو “العبد” ( الانسان)؟

والمسوّغ لهذا السؤال أنّ الذات الإلهيّة تشغل في هذه السّورة وضعيّة المخاطَب “أنتَ: “إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين. اهدنا الصّراط المستقيم، صراط الذين أنعمتَ عليهم”. فـ”إيّاك” وهو ضمير منفصل يراد به تمييز صاحب الضمير، إنّما هو المخاطَب الذي ينتزعه المتكلّم من نفسه ويخاطبه التفاتا أو تجريدا جريا على معتقد العرب القدامى في أنّ في الإنسان معنى كامنا هو حقيقته أو حقيقة إحساسه، وله أن يخرجه مجرّدا عن كيانه، كأنّه غيره، بل هو غيره؛ ولكنّه لن يبرح الخطاب أبدا شأنه شأن الإيقاع.
أمّا وضعيّة الغائب “هو” التي تحيل عليها الآيات الثّلاث الأولى: “الحمد لله (هو) ربّ العالمين (هو) الرّحمن الرّحيم (هو)، فمردّها إلى هذا الأسلوب نفسه أي أسلوب الالتفاتEnallage الذي توخّاه المتكلّم في السّورة، وقد عدل من الغيبة إلى الخطاب. وعليه فإنّ “هو” في السياق الذي نحن به تساوي “أنتَ”.

1ـ2: ذكر القدماء أنّ لهذه السورة أسماء عديدة(الصلاة، سورة الحمد، فاتحة الكتاب، أم الكتاب والشِّفَاء والرُّقْيَة. وَرَوَى الشَّعْبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ سَمَّاهَا ” أَسَاس الْقُرْآن” لأنّ َأَسَاسهَا “بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم”. وَسَمَّاهَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ ” بِالْوَاقِيَةِ ” وَسَمَّاهَا يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير ” الْكَافِيَة ” لِأَنَّهَا تَكْفِي عَمَّا عَدَاهَا وَلَا يَكْفِي مَا سِوَاها عَنْها كما جَاء فِي بَعْض الْأَحَادِيث الْمُرْسَلَة ” أُمّ الْقُرْآن عِوَض مِنْ غَيْرهَا وَلَيْسَ مَنْ غَيْرهَا عِوَض مِنْهَا ” وَيُقَال لَهَا سُورَة “الصَّلَاة وَالْكَنْز” (الزَّمَخْشَرِيُّ :الكَشَّاف)
وقالَ الْبُخَارِي إنّها َسُمِّيَتْ “أُمّ الْكِتَاب” لِأَنَّه يُبْدَأ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِف وَيُبْدَأ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاة، وَقِيلَ إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرجوعِ مَعَانِي الْقُرْآن كُلّه إِلَى مَا تَضَمَّنَتْه.

وقد اختلفوا في نزولها، فهِيَ مَكِّيَّة عند بعضهم(اِبْن عَبَّاس…) وَهي مَدَنِيَّة عند آخرين( أبي هُرَيْرَة…). بل الغريب ما قيل من أنّها نَزَلَت مَرَّتَيْن مَرَّة بِمَكَّةَ وَمَرَّة بِالْمَدِينَةِ. والأغرب ما نقله القرطبي عن أبي اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِي من أَنَّ نِصْفهَا نَزَلَ بِمَكَّة وَنِصْفهَا الْآخَر نَزَلَ بِالْمَدِينَة.

بل اختلفوا في عدد آياتها، فهي سَبْع آيَات عند كثيرين، وهي ثمان عندَ عَمْرو بْن عُبَيْد وَهي عند حُسَيْن الْجُعْفِيّ سِتَّ آيات. وَمردّ ذلك إلى اختلافهم فِي الْبَسْمَلَة أهِيَ آيَة مُسْتَقِلَّة مِنْ أَوَّلهَا كَمَا هُوَ عِنْد جُمْهُور قُرَّاء الْكُوفَة وَقَوْل جَمَاعَة مِنْ الصّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، أم بَعْض آيَة أَم هي لا تُعَدّ مِنْ أَوَّلهَا بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا هُوَ قَوْل أَهْل الْمَدِينَة مِنْ الْقُرَّاء وَالْفُقَهَاء؟

وقد فصّلوا معاني أسمائها استئناسا بالحديث النّبوي[القدسي] المسند إلى الذات الإلهيّة:
روى أبوهريرة عن النّبي:قال: ” قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : قَسَمْتُ الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: ” الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ” قَالَ اللَّه حَمِدَنِي عَبْدِي وَإِذَا قَالَ ” الرَّحْمَن الرَّحِيم ” قَالَ اللَّه أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ : ” مَالِك يَوْم الدِّين ” قَالَ اللَّه مَجَّدَنِي عَبْدِي وَقَالَ مَرَّة فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي فَإِذَا قَالَ ” إِيَّاكَ نَعْبُد وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين ” قَالَ هَذَا بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ: ” اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ” قَالَ اللَّه هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ “. ( تفسير ابن كثير).

وهذا الحوار قائم هو أيضا، كما لا يخفى، على لعبة الالتفات (استبدال ضمير بآخر أو المراوحة بين التكلّم والخطاب والغيبة)

الله: قسمتُ الصلاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ

العبد: الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ

الله: حَمِدَنِي عَبْدِي

العبد: الرَّحْمَن الرَّحِيم

الله: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي…

2ـ1: أكاد أقرّر متعجّلا غير متريّث أنّ كلّ أثر فنّيّ ـ مهما تكن قيمته أو عظمته ـ هو “ناقص” ضرورة، ولعلّه نقص مقصود، شأنه شأن النّقص في الأشياء أملا أو رجاء فيها. وهو، من ثمّة، يقتضي جهدا تأويليّا يتعلّق به أبدا ليكون بالفعل أثرا فنّيّا. والقرآن ـ على ما نقدّر ـ ليس “نصّ الوحي” أو “المصحف” فحسب، وإنّما هو أيضا هذه النّصوص الحافة التي تدور في فلكه مثل مدوّنة التفسير أو الحديث النّبوي… بل كلّ ما هو راجع إلى ما يسمّيه الشّيخ الفاضل بن عاشور “التّناسب الوضعي التّوالدي” الذي يربط بين الفنون والعلوم المتنوّعة في وحدة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة. وهو التّناسب “الذي بمقتضاه اتّخذ كلّ فنّ من الفنون الشّعريّة والأدبيّة والحكميّة زيادة على كيانه الذّاتي قواما تناسبيّا في ما يصل عامّة الفنون بعضها ببعض…وهو المعرفة العالميّة الكلّية, فإنّ كلّ علم من العلوم قد اكتسب من استناده إلى العلوم الأخرى من فصيلته ومن غير فصيلته ما جعله في غاياته واستعداداته مرتبطا بضع عامّ تتصرّف بمقتضاه تصرّفا تناسبيّا توالديّا.”(مقدّمة منهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم القرطاجنّي).

وعليه فإنّ السّؤال الذي يتعيّن طرحه في هذا المستوى، يمكن أن نصوغه على هذا النّحو: على أيّ نحو يتولّى اللّعب أي طريقة وجود الأثر نفسه، الاضطلاع بهذا الجهد التّأويليّ في سورة مثل سورة الفاتحة وفي نصّها الحافّ (الحديث النّبوي)؟

هذا النصّ محكوم بتداخل خطابين: قرآنيّ (السّورة) ونبويّ(الحديث)، يضطربان به اضطراب حركتين متموّجتين صادرتين من ” تردّد” واحد interfèrenceالأمر الذي يخوّل الكلام عليه من حيث هو موالفة بين مقولات تؤدّيها في الظـّاهر ذات فرد تحيل عليها جملة من العناصر الإشاريّّّّة déictiques وهي عناصر يمكن جردها والتحقـّق منها من خلال ضمير المتكلـّم وأسماء الإشارة وأسماء المكان والزّمان وأزمنة الفعل من حيث هي أدوا ت يحيل بها الخطا ب على إجراء القول. ومن ذلك أيضا اطّراد الأسماء في أكثر خواتيم الآيات، وهي سمة تكاد تكون ملازمة لأكثر القرآن والشّعر العربيّ القديم، ولا نظنّها تخفى على القارئ النّبيه. ولعلّ مردّها إلى التلاوة والفاصلة في القرآن وإلى التّقفية والإنشاد في الشعر وما يقتضيه ذلك من ضرورة النّبر في آخر السّورة أو آخر البيت على ” ذروة المعنى”. ومن شأن الاسم أن يعزّز هذا النّبر كلّما وقع على كلمة بأكملها. A.Spire, Plaisir poétique et plaisir) musculaire,Publication Corti,1986)
( لم نقف، في حدود علمنا، على دراسة لسانيّة عنيت بهذا الجانب، لا في دراسة الخطاب القرآني ولا في دراسة الخطاب الشّعريّ. انظر La deixis , colloque en Sorbonne (8 – 9 juin 1990) , in , Presses universitaires de France 1992)

أ ـ الخطاب في هذه السّورة هو”القول” و”مقوله” في الآن نفسه، مثلما هو” القول” الذي يستوفي شروط ” عمل القول” Acte locutinnaire، وزمانه ليس إلاّ زمان إجراء القول، وحضوره من حضور المتكلّم الماثل في كلّ حلقة من حلقات الخطاب ” سواء تلفّظ بصيغة من صيغ ضمير المتكلّم أو لم يتلفّظ .فكلامه دليل على وجوده، وبه يتمّ تجدّد الإقحام زمانا ومكانا ومقالا… “.( محمد الشاوش، أصول تحليل الخطاب في النّظريّة النّحويّة العربيّة ص.618 و638 و654)

ب ـ زمان هذا الخطاب هو الحاضر اللّغويّ من حيث هو قوام التّقابلات الزّمانيّة الحاصلة باللّغة و”هذا الحاضر المتنقّل بالتّقدّم في عمليّة القول مع بقائه حاضرا يقوم حدّا فاصلا بين زمانين ينشآن عنه كما أنّهما ينشآن عن إجراء عمليةّ القول: فالزّمان أو الحدث الذي أصبح غير مزامن للقول ينقلب ماضيا منقضيا، وأمّا الزّمان أو الحدث الذي لم يصبح بعد حاضرا فإنّه يعتبر زمانا منتظرا مرتقبا باعتبار أنّه سيصبح حاضرا…”. ( نفسه ص.653)

ج ـ نصّ الخطاب مركّب يتميّـز بتغيّر أدوار التّخاطب. والكلام فيه ـ إذا استخدمنا مصطلحات النّحويين- إنّما يجري على العطف، إذ يعطف كلام على كلام، ويشرك الثّـاني في حكم الأوّل. وهو إشراك يجري في مستوى تركيب النّص الحاصل من قولين لقائـلين مختلفين هما: “العبد”(ونذكّر بأنّه الانسان حرّا كان أو رقيقا في ثقافة الإسلام) و”الذّات الإلهيّة” -ثانيهما هو بمثابة “المتن”مبنيّ على الأوّل الذي هو بمثابة الحاشية*”.( أصول تحليل الخطاب في النّظريّة النّحويّة العربيّة ص.618 وانظر ما كتبه الباحث في ” فعل القول والعمل القوليّ ” والفعل ” قال ” والعمل القوليّ المزجى به “ص.615 ومابعدها وص.635 ومابعدها).

ومن المثير أن “يتكلّم” الله في هذا الحديث كما هو الشأن في الاحاديث القدسيّة وألاّ يتكلّم في سورة الفاتحة.

نسوق هذا دون أن يكون من مقاصدنا تجريد مفهوم اللّعب من الدّلالة الذّاتيّة، إذ لا نخال المكانة التي تحوزها الذّات (ذات النّبي من حيث هي ذات متلفّظة) في هذه اللّيدولوجيا، بخافية. ولعلّ تعديل الأنا-أفكّر الدّيكارتيّة بأنا-ألعب يمكن أن تبدّد بعض حذرنا بذات تشطّ أو تتسلّط أو تهيمن بصلف على العمليّة الفنّيّة؛ على اعتبار أنّ الأنا-ألعب هي علاقة مفتوحة أكثر منها كيانا أنطولوجيّا ترنسندنتاليّا entité ontologique transcendantale (المعزّ الوهايبي، الفنّ لعبا ـ أطروحة ماجستير، الفصل الأوّل، 2007).

أَوَليس من اللافت حقّا أن لا تتكلّم الذات الإلهيّة في هذه السّورة “أمّ المثاني” في القرآن الذي هو “كلام الله” في معتقدات عامّة المسلمين، وأن يتكلّم بدلا منه “العبد” المتجرّد من رقّ الزّمان والمكان، من حيث هو عنصر لا فكاك له من بنية السّورة برمّتها؟

ربّما لا مسوّغ لذلك سوى هذه الوساطة اللّعبيّة التي تؤلّف بين الذّات المتلفّظة والموضوع (الذات الإلهيّة)، وهو ما يكشف عنه النصّ الحافّ (الحديث النّبوي)، وهو ليس أكثر من تفكير “اللاعب” أو صاحب النصّ في لعبه. وربّما أمكن لنا هاهنا أن نتحدّث عن “ذاتيّة موضوعيّة”؛ فالذات الإلهيّة في هذه السّورة “موضوع” للنصّ يعتريها ما يعتري النصّ (لاعب وملعوب به في آن).

وهي ـ ما استأنسنا بالسورة والنصّ الحافّ ـ علاقة تجاذب بين متقابليْن: الذّات المتلفّظة والذات الإلهيّة مثلما هي علاقة موازاة، ولعلّ هذا ما يجعل اللّعب كما النصّ الذي نحن فيه والفنّ عموما تخليقا لعالَم افتراضيّVirtuel.

2ـ2: وهاهنا يمكن أن نستحضر مقولة غادامير، دون أيّ تمحّل على السّورة: فاللاّعب ليس “موضوعا” للّعب، وإنّما اللّعب هو الذي يرتقي عبر اللاّعبين إلى مستوى التّمثّل. و”من هذا المنطلق يحوز مفهوم اللّعب، عندئذ، أهمّية كبرى. وذلك لأنّ اللّعب له ماهية خاصّة، مستقلّة عن وعي الذين يلعبون”. (نقلا عن الفنّ لعبا، الفصل1 الباب3)..

والتمثّل إنّما يقتضي تمثيلا يقتضي بدوره أن يشاهده آخَر من خارج”بحيث إنّ الفضاء المغلق لعالَم اللّعب يُسقط هكذا واحدا من جدرانه أو حواجزه الفاصلة cloison؛ وهذا الجدار الذي يسقط يهيّئ منفذا للمشاركة التّأويليّة في الأثر.”(المرجع نفسه).

وهذا جزء من استراتيجيّة اللّعبة نفسها. أي أنّ المسلم(العبد) إذ يقرأ سورة الفاتحة في كلّ صلاة إنّما يشارك في اللّعبة ويؤمّن لها بنيتها النّسقيّة.

عن أَبِي هُرَيْرَة أنّ النَّبِيّ قَالَ : ” مَنْ صَلَّى صَلَاة لَمْ يَقْرَأ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآن فَهِيَ خِدَاج ثَلَاثًا غَيْر تَمَام”، فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَة إِنَّا نَكُون خَلْف الْإِمَام فَقَالَ اِقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسك فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ” قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْت الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي نِصْفَيْنِ…”

ليس بالمستغرب إذن أن كانت قراءتنا، في جانب منها، ضربا من “اللعب” ومن تقصّي الأثر، بحثا عن نشأته أو في الكيفيّة التي بها نشأ، حتّى ليمكن القول إنّ إدراك ما نسمّيه “قرآنيّة القرآن”(أي ما يجعل القرآن قرآنا) إنّما يقوم في زمن الكتابة مقسّما مشظّى ـ على ما ذكروا في نزول هذه السورة مثلما يقوم في زمن القراءة. والقراءة- بهذا المعنى- يمكن أن تغني النّص. بل لعلّها توضّح أوجها من العلاقة بين العلامة والمدلول، وبين العلامة ومستعمليها، وبين العلامات بعضها ببعض.وهذا يقتضي من جملة ما يقتضي، مراوحة بين “اللّيدولوجيا” أو”اللعبيّة”Ludologie كما هي في النّصّ، وعلى ما هي عليه في القراءة. وموضوع الأولى إنّما يكمن أساسا في استكشاف التّركيب تركيب العلامات وقواعد نظمها، والهيئة التي تنتظم بها معانيها. وهي من هذا الجانب “تركيبيّة” Syntaxique بالمعنى الدّقيق للكلمة وما تنطوي عليه من بعد نحويّ حيث ترجع القيمة المسندة إلى شيء ما إلى موقعه في التّعبير، كأن تكون الكلمة “تحسينيّة” أو “تحقيريّة. أمّا الثّانية فتقوم على اعتبار العلامة أداة فعل أو تأثي، بل يمكن أن تكون هي نفسها فعلا.

ومن هذا الجانب فإنّ القراءة، تنهض على أساس” تداوليّ “، سواء تعلّق الأمر بـ”قرآنيّة القرآن” من حيث البنية والوظيفة، أو تعلّق بالاحتكام إلى جملة من القواعد والمواثيق الاجتماعيّة في الملفوظ أو المقول وبإدخالها في النّحو.

*استشهد محمد الشاوش بمطلع قصيدة أبي فراس :

أقول: ـ وقد ناحت بقربي حمامة ـ ” أياجارتا هل تشعرين بحالي ؟ “(طويل)

ليقرّر أنّ الغائب (حمامة) يصبح مخاطبا (المنادى ” يا جارتا” وضمير المخاطب”تشعرين” )، على أنّ المتكلّم ظلّ متكلّما، لأنّه نقل كلام نفسه، ولو نقل كلام غيره لقامت صور أخرى من صور تغيّر أدوار الخطاب. والأمر ـ على ما نرجّح ـ ضرب من ” الالتفات”، فالحمامة ليست غائبا تحوّل إلى مخاطب؛ والأقرب إلى الظنّ أنّها صورة كنائيّة، وكأنّ المتكلّم يكنّي بها عن حال من أحوال نفسه، كما هو الشّأن في المقدّمة الطّلليّة الغزليّة حيث المرأة ليست أكثر من صورة كنائيّة. وعليه فالمخاطب(بكسر الطّاء) في هذا الاستهلال، هو المخاطب(بفتح الطّاء)، وزمن القول في ” أقول ” هو زمن القول الشّعري أو زمن الإيقاع أي الحضور الماثل في كلّ لحظة.وممّا يؤكّد ذلك أنّ “قد ” في سياق البيت،تفيد تقريب الماضي من الحال(الحاضر) أو هي تختصّ به أكثر ممّا تختصّ بالماضي البعيد.


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This