أنا كوماري من سريلانكا / حازم صاغية

في ما يلي مقتطف طويل من الكتاب الذي سيصدر لحازم صاغيّة بعنوان “أنا كوماري من سريلانكا” (دار الساقي)، وهو تحقيق طويل عن مأساة عاملة منزليّة مهاجرة.

 

بوصولي إلى مطار بيروت كان في انتظاري الكفيل اللبنانيّ الذي يُفترض أن أعمل عنده مقابل 100 دولار شهريّاً، فاصطحبني برفقة سائقه. لكنْ قبل ذلك، ومع نزولي من الطائرة، ظهر شخص ينادي على السريلانكيّين والسريلانكيّات طالباً مَن يحملون منهم “فيزا خادمٍ” أو “خادمة” أن ينتحوا جانباً. وفعلاً جمعوا جوازات سفرنا كلّها ونقلونا إلى غرفة زجاجيّة كما صاروا ينادوننا بأسمائنا الكاملة، وفقاً لما هو وارد في الجواز، بعد أن يتأكّدوا من أنّ الكفيل قد زوّدهم بالاسم المعنيّ.

كان لا بدّ من إجراءٍ آخر هو حقن مَن يزور لبنان للمرّة الأولى بإبرة، من دون أن يفسّر أحد لنا ما هي تلك الإبرة المطلوبة أو ما هي الجرثومة التي يُفترض بتلك الإبرة أن تكافحها. وهذه تجربة كنت قد تدرّبت عليها في الكويت، عند طلب الإقامة، حيث كانت أشمل وأقسى.

الكفيل كان لطيفاً ودافئاً. سألني عن اسمي وعمّا إذا كنت أريد أن أشرب بيبسي كولا أو مشروباً مرطّباً آخر، وبدا لي أنّه شخص مهمّ ونافذ لأنّني حين كنت في الغرفة الزجاجيّة لمحته، ولم أكن أعرف أنّه كفيلي، فبدا محطّ اهتمام الآخرين الذين يقتربون منه كي يصافحوه ويتحدّثوا إليه. لقد كان قاضياً كما علمت بعد قليل. كلّمني بالانكليزيّة ثمّ تركنا، أنا والسائق، بعد أن كلّفه بإيصالي إلى بيت “الماما” في الجبل. ومن المطار اتّجهت بي السيّارة في دروب صاعدة وملتوية إلى هناك، بحيث دوّختني الطريق قليلاً. فعندما وصلنا فتحت المرأة العجوز، التي هي “الماما”، الباب لنا، وسارعتْ إلى تضييف السائق قنينة بيبسي فيما لم تضيّفني شيئاً.

“الماما” لم تنظر إليّ أصلاً ولم تسلّم عليّ ولم تكلّمني بتاتاً. لقد بدوتُ لها مثل أيّة حشرة من الحشرات التي تسعى في حديقتها الملاصقة للبيت. إلاّ أنّ هذا كان محتملاً بالقياس إلى ما راح يتكشّف من سلوكها مع مغادرة السائق البيت. إنّها الأعاجيب التي تُحكى في حكايات الأطفال عن جنّيّات شريرات.

لقد دلّتني الأمّ، كما لو أنّ أنفها مليء بروائح كريهة، إلى غرفتي التي كانت باردة جدّاً، وكنّا يومها في تشرين الأوّل. وما لبثت أن حضّرت لنفسها فنجان شاي كنت أتلهّف إلى مثله، ثمّ جمعتْ ثفالة الشاي وصبّت عليها ماء فاتراً وملعقة سكّر وأعطتني إيّاها كي أشربها. كذلك ناولتني سندويش جبن مالح وقالت لي بقرف: كليه واذهبي الى سريرك. لم أكن جائعة أصلاً لأنّني تناولت وجبة طعام في الطائرة، لكنّ الشاي للسريلانكيّ يبقى مسألة حياة وموت. وفيما نحن في هذه الحال دخلت ابنتها التي أرسلها أخوها إلينا كي تتفقّدني، وكانت تحمل في يدها خبزاً افرنجيّاً ومارتديلاّ. الأمّ لم تُرد لها أن تراني فقالت لابنتها إنّني نمت وإنّني لا بدّ غفوت. لكنْ ما إن وقعت عينا ابنتها عليّ، وكنت منزوية في واحد من أطراف الغرفة البعيد، حتّى تقدّمت مني وقبّلتني وكلّمتني بلطف بالانكليزيّة، ثم قالت إنّها تريد أن تحضّر بنفسها سندويشاً لي.

أخيراً، ها هي بادرة إنسانيّة تصدر عن أهل هذا البيت، لكنْ سريعاً ما تدخّلت الأمّ اللئيمة على نحو حازم وقالت إنّني سبق أن أكلت. بعد ذاك قالت لي الابنة إنّني إن لم أرغب في النوم، ففي وسعي مشاهدة التلفزيون في غرفة الجلوس. لكنّني، وقبل أن تتدخّل أمّها، واستباقاً لذلك، قلت إنّني أريد أن أنام.

في اليوم التالي جاء الابن فقلت له إنّني لا أريد أن أعمل هنا. قال إنّني جزء من العائلة، وكلّ مَن يُفترض بي أن أهتمّ بهم هم أمّه العجوز وهو العازب وحدهما. ثمّ أضاف أنّه لا يجيء إلى البيت إلاّ متأخّراً جدّاً في الليل، أي أن عبئه عليّ سيكون خفيفاً جدّاً. وهذا الذي قاله قد يكون صحيحاً، لكنّ المسألة، مسألتي معهم، لم تكن هنا بتاتاً.

في أوّل يوم أحد يمرّ عليّ هناك، تجمّع كلّ أفراد العائلة لتناول الغداء معاً في بيت الأمّ، وهذه واحدة من عاداتهم الأسبوعيّة. لكنْ بعد أن غادروا جميعاً رفضت العجوز إعطائي أيّ طعام ممّا أكله أفراد عائلتها. إنّه تجويع فعليّ ما كان في وسعي أن أصدّقه لو لم يحصل معي أنا، أو لو أخبرني عنه أيّ شخص آخر.

في الأيّام العاديّة، وفيما نكون وحدنا، أنا وهي، في البيت، لا تسمح لي إلاّ بأكل البطاطا والبيض المسلوقين. مرّةً قلت لها: أريد أن آكل، إنّني أبقى جائعة عندكم…، فقالت: وهل في سريلانكا أكل؟، ومضت في طريقها.

تلك العجوز كانت تتفنّن في تعذيبي. كانت تأمرني، مثلاً، بألاّ أنظّف المرحاض بالعصا، بل بيديّ وبالاسفنجة فحسب. فكنت، في ذاك البيت، أبكي باستمرار، خصوصاً أنّني بالكاد استطعت التحدّث الى ابنها القاضي نظراً إلى قلّة الوقت الذي يقضيه معنا، وإلى كثرة انشغاله في مكتبه حتّى حين يكون في البيت. مرّةً أصررت على أن أتبادل كلمة معه فناداني، بشيء من التعالي، إلى مكتبه، لكنْ تبيّن لي أن أمّه سبق أن طوّقت كلّ كلام قد أقوله بأن أخبرتْه بأنّني لا أحبّ شيئاً من أكلهم، وأنّني لا أقصد من أفعالي إلاّ مناكفتها. وهو فهم من أمّه، على ما يبدو، أنّني أريد أكلاً سريلانكيّاً، وأنّني ناقمة بسبب عدم توفّره عندهم، فقال إنّه مستعدّ أن يأخذني الى السوبرماركت حيث أختار منها ما أشاء. ولأمر ما جبنت وتلعثمت فلم أجرؤ على أن أخبره بالحقيقة.

كنت أبكي وأبكي فتقول الأمّ حين تراني: دفعنا عنك ألفي دولار يا لعينة، فأنت لا تستطيعين إذاً أن تتركينا وأن تذهبي إلى مكان آخر. في البيت عُلّقت صورة كبيرة ليسوع كنت أقف أمامها وأبكي وأطرح على المسيح بعض أسئلتي وهواجسي. وهي كانت تسألني حين تراني أفعل ذلك: ماذا تقولين لله، وهو أيضاً نفس السؤال الذي كانت تواجهني به حين تصطحبني معها للصلاة في الكنيسة أيّام الآحاد. كنت أجيب: هنا لا أحد يسمعني، أريد أن يسمعني الله على الأقلّ.

الأمّ كانت في الثانية والسبعين، أُجريت لها عمليّة سرطان استؤصل بنتيجتها أحد نهديها. لكنّها كانت تتصرّف معي كما لو أنّني أنا من تسبّب لها بذاك السرطان. ففي بيتهم يبدأ نهاري بالتجويع وينتهي بالتجويع كذلك. لا فطوراً لي، مثلاً، لأنّ ما من شيء على الاطلاق يوجد في الثلاّجة. كنت أحضّر قهوة نيسكافيه صباحاً، ثمّ أشربها في غرفتي التي هي أصلاً كاراج المنزل في الطابق السفليّ. ومساحة الغرفة تلك لم تكن تتعدّى الثلاثة أمتار بمترين، ملحَقٌ بها حمّام صغير وفيها نافذة بالغة الصغر تطلّ على الخارج. لكنّ بابها كان يُقفل ويفتح مركزيّاً عبر زرّ كهربائيّ موجود في الطابق الأوّل حيث تقيم العجوز. فهي التي كانت تكبس الزرّ كي يتاح لي الخروج منها، وبهذا تتحكّم بحركتي كلّيّاً. أحياناً كنت أقف على الشبّاك فأصرخ أو أغنّي لا حبّاً بالصراخ أو الغناء، بل لأنّني صرت أتلهّف إلى سماع صوتي أو إلى أن يقع على أذن أحد فيجيبني، وبهذا يتاح لي أن أسمع صوت شخص آدميّ. صرت أقف أمام المرآة وأكلّم نفسي، وبالفعل بتّ أخاف من أن أُصاب بالجنون أو بشيء من هذا القبيل. وضعتُ صورة ابنتي سومودو كوماري أمامي في الغرفة بعد أن جعلت من أطراف إحدى بطاقات عيد الميلاد إطاراً لها، وصرت أحدّث ابنتي وأقول لها: ماما هنا تعيش وحدها، وأين أنت؟ وكنت أحسّ أنّ ابنتي تسمعني وتضحك لمجرّد أنّها تضحك في الصورة المقابلة.

فوق هذا كانت غرفتي باردة لأنّها في الطابق السفليّ، وليس فيها أيّة تدفئة غير بطانيّة ممزّقة أعطتها لي كي تقيني برد الليل. وحين أريد الاستحمام كانت لا تأذن لي إلاّ بسطل من الماء الفاتر، لا الساخن، فما إن أوصله من الطابق الأعلى إلى غرفتي حتّى تبرد ماؤه. هناك بدأ التكلّس في عنقي ويديّ ممّا تطوّر لاحقاً وصار يؤلمني كثيراً.

في الشهرين الأوّلين حوّل نجلها القاضي معاشي كاملاً إلى سريلانكا، وظللت أقول له كلّما أتيحت لي فرصة اللقاء العابر به: لم أعد أستطيع تحمّل أمّك أكثر ممّا تحمّلت حتّى اليوم. وهي، بدورها، كانت تشكوني إليه من دون انقطاع، وأظنّها كانت تؤلّف له قصصاً كثيرة من نسج خيالها.

وهم أصلاً لم يكونوا يعرفون اسمي ولا اكترثوا بمعرفته. كانوا، لسبب ما، ينادونني “ماهي” ولا يتركون لي أيّة فرصة كي أصحّح لهم خطأهم، وأنا نفسي لم أشعر بضرورة المبادرة إلى ذلك. كلّهم كانوا ينادونني بهذا الاسم: الأمّ وابنها وابنتها وابنها الأصغر الذي كان طبيب أسنان.

مرّةً، وفيما كنت أشطف الأرض دلقت الأمّ سطل الماء كلّه على الأرض. لقد فعلت هذا متعمّدةً من أجل أن تضاعف شغلي وتعبي. وحين احتججت على ما فعلته، وكان ابنها لحظتذاك حاضراً في البيت، راح يصرخ بغضب: أكاد أجنّ من مشاكلكما. أنتما تدفعانني إلى الجنون… لكنّني حين شتمتْني أمّه وأجبتها بمثل شتيمتها تدخّل بغضب ضدّي رافعاً سبابته ومحرّكاً إيّاها في وجهي: لا تقولي هذا الكلام للماما مرّة ثانية. صرت أصرخ من نافذة غرفتي بالانكليزيّة: يا إلهي، يا ناس، ساعدوني، افعلوا شيئاً، وأروح أكرّر هذه المناشدة مرّة بعد مرّة. وحين لحق بي النجل إلى غرفتي لإخماد تلك الفضيحة، قلت له: هل هناك ما هو أكثر إيلاماً من الموت. أنا أريد أن أموت الآن لأنّ الموت أهون عليّ. يكفيني هذا الذي عانيته على يد أمّك. أنا لا أريد بتاتاً أن أشتغل عندها…

توقّفتُ كليّاً لبضعة أيّام عن تناول الطعام، كما استنكفت عن العمل ومكثت في غرفتي لا أصعد أبداً إلى الطابق الأعلى. صرت مثل خشبة بلا روح ولا قدرة على الحركة، أيّة حركة. وهي، بدورها، صارت تهدّدني بإرسالي إلى المخفر فيما يتملّكها الخوف من أن أموت من الجوع وأن أتسبّب لها بمشكلة وبفضيحة في وقت واحد. أتى ابنها وشدّني بقوّة من يدي يريد أن يدفعني إلى المطبخ من أجل أن آكل. ثم جاؤوا إلى البيت بدركيّ سألني: شو بكِ وليه؟ وساقني إلى المخفر بينما أنا ماضية في بكائي وفي إبداء حركات احتجاجيّة من يديّ. لم أكن أعرف ما هو المخفر من الداخل، إلاّ أنّني وجدتني في زنزانة صغيرة مع قنينة ماء وسندويش. وأيضاً لم آكل هناك. مسؤول المخفر ما لبث أن تقدّم نحوي وسأل عن ذنبي، فأجابه الدركيّ بأنّني عنيدة وأنّهم يخيفونني فحسب، فطلب المسؤول هناك أن يُطلَق سراحي. لكنّهم، قبل ذلك، اتّصلوا بالقاضي فحدّثني عبر التليفون وسألني بصوت يجمع بين الجفاف والابتزاز: هل تأكلين إذا أطلقناكِ، فقلت نعم. عندها أعادني الدركيّ إلى البيت اللعين ذاته.

هناك، في ذاك الوقت القصير الذي قضيته في الزنزانة، فكّرت في نفسي وفي ما يمكن أن أفعله للتخلّص من هذا الجحيم. قرّرت أن أغيّر خطّتي، بأن أطمئنهم وأتظاهر أمامهم بأنّ الأمور مستقرّة وعلى أحسن ما يرام، على أن أهرب في مجرّد أن أنجح في طمأنتهم.

هكذا ما إن عدت إلى البيت حتّى طلب منّي نجلها أن أقبّل رأسها ففعلت بطيبة خاطر ظاهريّة، كما رسمت ابتسامة مفتعلة على شفتيّ. وهي، بدورها، حضّرت لي صحن عجّة كأنّها تمارس حيالي سخاء طارئاً ومستجدّاً على علاقتها بي. لكنّني، وقد انتحيت بالصحن جانباً، أحسست بصعوبة أن آكل من يد تلك المخلوقة اللعينة. كان كلّ عضو في جسدي يرفض ذلك ويهدّدني بالتقيّؤ. تظاهرت بأنّني آكل لكنّني خفيةً عنها رميت البيض في سلّة النفايات، ولم أظنّ أنها سوف تنظر في تلك السلّة، إلاّ أنّها ما لبثت أن فعلت. فحين اكتشفتْ أنّني رميت عجّتها سارعت، بطريقة هستيريّة، في استدعاء ابنها الذي كلّمني بشراسة هذه المرّة، كما أمرني بأن أبقى في البيت وألاّ أنزل مطلقاً إلى غرفتي. أفلتّ منه ثمّ صعدت الى السطح بقصد أن أنتحر، لكنّه لحق بي وأمسك بيدي وشدّني بها بعيداً عن السطح ثمّ ضربني بقصد أن يهدّئني، وقال: أنت مجنونة، ألا تفكرين بابنتك؟. حدّثني بالانكليزيّة، لكنْ لأنّ أمّه لا تفهمها زادت قناعتها بأنّه، على رغم كلّ شيء، يتواطأ معي ضدّها.

لم تتوقّف مناورات الأمّ ولم تتعب. فبعد محاولة انتحاري الفاشلة تصرّفتْ كما لو أنّها تستكثر عليّ بعض التعاطف، فتظاهرتْ بأنّها مريضة جدّاً وأنّها في حاجة إلى دخول المستشفى فوراً. وبالفعل نقلوها إليه وصار مرضها المتجدّد محور اهتمام أهل البيت كلّهم.

كتبتُ، في هذه الغضون، رسالة لابنتي بابي قلت لها فيها إنّني سأموت حتماً وإنّها سوف تصبح في الغد القريب بلا أمّ ولا أب. قلت لها، في ما يشبه الوصيّة، إنّ عليها العيش مع خالتها التي لم تنجب أولاداً، والتي ستتولّى تربيتها وتقوم، بدلاً منّي، بالاعتناء بها. لكنّني بمجرّد عودة أفراد الأسرة من المستشفى، استجمعت من القوّة ما سمح لي أن أقول للنجل الأكبر: سفّروني أو أبدلوني بخادمة أخرى. ومجدّداً رفضت الأمّ طلبي بعناد مستخدمة الحجّة نفسها، وهي أنّهم دفعوا المال عنّي وأنّ عليّ، بالتالي، أن أبقى عندهم. لقد فعلتْ ذلك بقوّة لا تشبه ضعف من يخرج، قبل لحظات، من المستشفى. فهي تريد أن تبقيني إلى جانبها حبّاً منها بتعذيبي، وهذا ما أكّد لي، مرّة أخرى، أنّ لا حلّ لي في نهاية المطاف إلاّ الموت، وربّما الصلاة والبكاء في انتظار حلول ذاك الموت الموعود.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق