أنا وأمي وعذريتي

حمّلتني أمي الغالية، منذ أن نبتت الأصابع في يدي الصغيرتين، سيفاً. وأوكلت إليّ مهمّة السجّان على عذريتي، وأقفلت براعم أنوثتي بمفتاح كالذي تُقفل به أبواب الحارات المكتظة.

فرحت أمي بولادتي، لكنّها خافت من هويتي. خافت من همس جاراتها المتدلي مع عناقيد العنب على حيطان بيوتنا: إنها( أنثى ).

لا تعتقدوا أن يديّ الصغيرتين لم تقويا على حمل السيف، بل كنت كالجندي المرابط على حدود وطنه. لا أنام ولا يغمض لي جفن كي لا تُخدش عذريتي، أو تدنس طهارتي. كنت سجناً وسجاناً، بل كنت جلاداً يا أماه على براعم أنوثتي لو تطاولت مرة إلى أفكاري، أو سرت مرة عبر خيالٍ ليليٍّ إلى أحلامي.
لم أرحم عذريتي يوماً، ولم أتساهل معها إطلاقاً، لأنني لا أنسى لحظة تسليمي السيف عيونَك الحادة التي برقت بضوء مخيف، وبات لغزٌ ضبابي وراءهما. خفت حينها، ولم أسأل لماذا؟ لكنني أتقنت مهمتي على أكمل وجه، وانتصرت انتصار الأمناء على أمانة لم يدركوا يوماً ماهيتها. لم تسعفني شهامة المقاتل يوماً لأقتل حتى لحظات التفكير، أو الحديث في ذلك الشيء المرعب خلف ضباب عينيك، والذي يسكنني رغماً عني. وكنت أعتقد أنك أنت الحق، وصدقيني يا أمّاه لم تجرؤ يوماً أن تطرقني لحظاتُ التساؤل مرةً عن جسدي الصغير الطاهر الشفاف، حتى عندما كبرت كنت صلبة صلابة سيفي.

ثمّ سمحت لنفسي، فجأة ودون سابق إنذار، بفتح باب سجني الصغير الغامض، ويا لهول السجن والسجان!.

ماذا فعلت يا أماه؟ وعلى ماذا أقفلت ؟
أتدرين عندما يحس الجندي المقاوم البطل بالخيانة العظمى لوطنه . يا الله ما أصعب الخيانة!. خان السجان السجنَ والوصية، ودون سابق إنذار فتح باب السجن، وبرقت في خيال السجان عيناك وامضتين قاهرتين مخيفتين، ويدك إلى سيفي المسلول ممدودة. زحفت إلى جسدي قشعريرة الخوف والبكاء في آن واحد، لماذا يا أماه؟

اعذريني على حماقتي، لكنني لم أدرك أن الطهارة رائعة وأروع منها لذة الحرية.
لم أدرك أن لجسدي الصغير الخائف المسجون شوارع وممرات، وبراعم وزهور، ونبض وحياة، وشمس وعطر، ونوافذ.

مخنوقة كانت طفولتي في معبد الطهارة، فعيناك لم تسمحا بفتح نافذة، ولو صغيرة، علَّ طفلتك الصغيرة تشم زهورها، أو تروي براعمها، أو تنظر داخل سجنها المليء بالورود والندى، عتبي على هذا السيف، حبس داخل سجنه مشاعري وعواطفي وفرحي وعفويتي، وصادر حريتي وكينونتي، وجعلني أُسجن بخوفي.
حتى عند فُتح باب السجن لم أقو على الخروج، ولم يستطع أحد سحب طفولتي المكبلة خارج الأسوار، ظلت عيونك أقوى من حد سيفي، ترصد باب سجني المفتوح غاضبة متسمرة.

أتصدّقين يا أماه أن السجان رحل، لكن عيونك ما تزال تحرس عذريتي المختبئة داخل طفلتك الصغيرة الخائفة؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق