أنا ولوحتي، أسيرا فضاء مترع بأطياب البراري.

لم يكن تويو رساما عاديا ـ تقول الحكاية الصينية ـ كان فنانا غير عادي، كان فنه يتملك روحه بشغف.. يقضي وقته وهو يرسم…. لم يشاهد إلا وهو يرسم. لم يكن يشغله عن الرسم شيء….
كان يرسم كل يوم كل لحظة وجوها…

في إحدى الليالي، كان تويو يرسم وجها كعادته… وكانت الليلة عاصفة، حين قرع أحدهم الباب، تمتم “تويو”: أي شيطان قذفك إلي في هذه العاصفة، من تكون؟ أنا الموت، أجاب الصوت: أتيت لأقبض روحك.

عليك اللعنة قال ” تويو”، انتظر لحين أنتهي من هذه اللوحة وأدار ظهره للموت وتابع يرسم بهدوئه المعتاد.
نفذ صبر الموت وهو يستعجله: ليس من اللائق أن يستأخرني رب السماوات.

رد تويو بهدوء: لا تقلق، ألا ترى أنني لم أنته بعد من رسم هذه الصبية الجميلة؟ اذهب إلى ملك السماوات وقل له… أن يصبر.

أثار كلامه فضول ملك الموت، فاقترب ينظر ماذا يرسم… استشعر ملك الموت قشعريرة رعد تسري في جسده الهيولي، كانت الفتاة تبتسم بصمت بوجه جميل لم ير مثله قط.

تسلل الموت على رؤوس أصابعه إلى خارج الكوخ تاركا تويو ينهي رسم ابتسامة الفتاة الجميلة.
حدث هذا الأمر مرة واحدة، انهزم الموت أمام إصرار الرسام.

منذ أن سمعت هذه الحكاية، أتذكرها كلما هممت بالرسم وتضيء وحشتي الدائمة ابتسامة تشبه لمعة تطارد الموت.
ككل أطفال الأرياف النائية الذين يملكون كما من اللاشيء، كنت، وما زلت، أحلم بالمفقود من الأشياء، وأهرب بأحلامي إلى متخيل جميل. كنت أتوصل بأحلامي تلك، إلى امتلاك قدرات تستقيم ومخيلتي المنفلتة مثل عصفور مطارد.

لا أدري متى بدأت الرسم، لكني رأيتني أرسم. وصار الرسم واحدا من ملاجئي التي أخبىء فيها أحلامي. لم ارسم التزاما بواجب مدرسي، بل لامتلاك قدرة و لصياغة فاتنة وظاهرة لأحلامي. كنت ولا زلت أستولد بالمخيلة عوالم وقدرات أداري بها قلقي.

حين أصبح الرسم لي ظلا أتفيأه، تداخلت مخيلتي والرسم في صياغات افتراضية تعين على امتلاك المفقود من الأشياء الجميلة، أو قنص الرغبات في تفجرها. صار الرسم وسيلة للحياة.

منذ البدايات كانت لوحتي عالما مستقلا أهرب إليه من خجلي و من اليومي، لأدخل حكايتي الخاصة التي لا ترتقي إلا إلى صياغة قدرة تشبه البطولة بما استطعت اكتسابه بالمران الذاتي بأدواتي البسيطة، منذ اليوم الذي انتهت اللوحة أن تكون رسما لسيارة علقها معلمي في الصف الثاني وسط دهشة رفقائي في الغرفة ذات الستة صفوف لخمسين طالبا تكوموا في فسحة طينية متهالكة وسط الغبار والطين.

بالمران، صار همي الدائم كيف أتفادى السقوط في العادي، بالطريقة التي ابني فضاء لوحتي، أين وكيف أثبت حدود هذا العالم الصغير والفسيح الذي يتبدى من فسحة باب منزلنا بواجهته الغربية حيث يتبدى خط الأفق بحضور بهي، كسيد طاغ يتجلى بخيلاء على تلال وسهوب وقرىً، حاله كحال جبال طوروس حارس خاصرتنا الشمالية.

{{البدايات}}

كانت البدايات كلاسيكية، بأساليب تقليدية تتعامل مع الموجودات لاستنساخها، قبل القدرة على امتلاك طرائق وتطوير ثقافة بصرية وترويض وسائل وأدوات شكلية وفلسفية للعالم الذي له أن يحضر في منجزي، قبل ارتياد المعابر التعبيرية والأسر في جماليات المتعة الذاتية وهي تنتشي مدارجها البصرية. لكنني سرعان ما مللت من اللوحة الموضوع الجاهز إلى لوحة المجاز، لوحة رمزية، لوحة مثقفة للتباهي بها، وهي بدورها سريعا ما أثارت تثاؤبي وخجلي من الحشو الكلامي أو الشكلي، لترتقي اللوحة إلى دهشة المتفرج وغرور المنتج، فأخذتني إلى فسحتها لوحة بسيطة مجردة من الكلام، لوحة شكل تبث الطمأنينة. لوحة مشهد مركب. لوحة يتداخل الإنسان ( الجسد، اليدان، العيون، والحركة والثياب)، بالمشهد/ المكان( الفضاء والفراغ والأرض، الأفق والقرى والحقول، ملمس التربة وملمس النبات)، أو لوحة مشهد مكاني تتوازن بحضور الإنسان مركز الثقل فيها. لا لأقول شيئا أو اسرد حكاية، بل لأقيم فخاخا أتصيد بها زادا للمخيلة، نبعا يروي عطشا تقادم، لوحة تعوض عن مفتقد.

توقفت لوحتي عن التشبيه يوم اخترقت مسامعي صرخة “وسيلة” حين فوجئت بأنني كنت أحييها على الورق وأمام دموعها التي سالت خوفا من عقوبة ربانية للوثة لعنة هذا “الساحر الملعون”، الذي هو أنا. الذي أتقن إعادة استنساخ كل شيء من الواقع أم من سقط مجلة نادرة.

لم أتعلم الرسم في معهد أو أكاديمية فنية. ومتأخرا جدا عرفت بوجود هكذا مؤسسة تعليمية، كما لم أعرف أو أشاهد شخصا يرسم قبلي في قريتنا النائية تلك، ولليوم اجهل الأسماء الكيميائية للألوان ومصطلحاتها لكني أتلذذ بهوس وأنا استنشق أطيابها وزيوتها وعلى طراوتها يتقشف جلد يدي بمتعة.

بصبر فلاح، تعلمت شيَ قرميدي في فرني الخاص الذي عليه نضجت، ولا زالت معالجاتي ومعارفي، على بساطتها وبدائيتها. كانت وهي تتراكم، تتدخل في ترويض حواسي على مدى السنين الشحيحة، ومع ذلك لم أفقد متعة البحث والمتابعة. كنت كالضرير، أعمى القرية الذي استطاع بدق إصبعين ببعضهما، لترد إليه الجدران صداها وهو يتلمس طريقه. على حالته، تداخلت معارفي البدائية وشدة كثافة التجربة في تلاقيها والأغنية الملحمية، وتثقفت بالقراءة الروائية والتهبت بالمجازات والصور الشعرية، خاصة، وقلق الروح إلى تميزها في الواجهة، واجهة المشهد التشكيلي السوري بتميز خاص، بغرور عدم التشابه مع السائد القائم.

لم تتشابه لوحتي بأحد لغيابهم من جهة، ولتلونها بفضاء خاص، فرضتها ظروف وعوامل لا فضل كبير لي فيها بحكم الضرورة الجغرافية والحياتية.

لقد راكمت خبرتي اللونية بالتجربة اليومية ومن التمثل بالطبيعة: ملمس التربة، ودراسة النباتات للإقناع بقدرتي، ولذعة الهواء في الفراغ. ولم يشغفني الموضوع إلا كتجلّ تعبيري أداري به قلقي وقلة حيلتي في مواجهة الأسئلة الثقافية. لم يحضر البعد الثالث قط في أعمالي حتى تلك الأكثر واقعية منها، حل محله الفراغ، فراغ هوائي، يضفي على مشهدي البصري تنفسه وإيقاعه المتوازن، وإبراز شخوصي المتعبة إن وجدت في تداخل حميمي مع المشهد.

أما كيف بدأت؟ لا ادري. كنت أنسخ كل ما نفتقده ونبتهج له صورا مبثوثة في سقط جرائد نادرة، صور فواكه براقة على علب الكونسروة، الكرز خاصة والمشمش، وكان علي لكي أثير الآخرين أن أتقن تشبيهي لما أرسم نسخا أو عن الطبيعة فيما بعد.

حين انتقالي للمدينة التي كانت بحجم قرية كبيرة، لمتابعة دراستي الإعدادية، حيث تواجد بفعل العقوبات الوظيفية موظف أو اثنان ممن يأتينا من داخل البلاد ممن له هواية وثقافة بالرسم معهم، وبهم توسعت مداركي في معرفة الغيض من فيض فن الرسم والتلوين ومواده على شحّ معارفهم الشحيحة. استكملت لاحقا في دار المعلمين حين وفد علينا أساتذة متخصصون. لكن، لم يكونوا يمارسون الرسم، بل مهنة التعليم فحدثنا واحد منهم عن ما تعلمه في أكاديمية الفنون في دمشق وعن مرسم الكلية، فلاقت المسألة هوى في نفوس بعضنا وطموح مدير المعهد، قلة أرادت الهروب من درس الرسم إلى مرسم أقمناه بفوضى مستعجلة، فصار المرسم تدريجيا مسكنا إليه نلوذ من حياتنا اليومية المشبعة فقرا وعوزا وقلقا.

مرجعيتنا الأخرى كانت ثلاثة كتيبات بالأبيض والأسود عن الفن، من نوع الجيب، مهترئة الصفحات، في إحداها وقعت على قريني الحقيقي “فان غوغ” الذي غدا ملهمي إلى جانب أغاني الأساطير الكردية والمقامات العراقية وشعر السياب. تدريجيا أصبحت سحنتي تشبه تلك التي كانت لفان غوغ بدون أذن مبتورة، ولكن بذخيرة مبتورة وعلى أطياب زيت بذرة الكتان والاسبيذاج والغراء الساخنة، وفي عبق دخان السجائر الرخيصة تلونت عوالمي وأحلامي واتسعت رئتي على واسع شهقتها المبتورة.

في تلك السنة، 1969 ، حين أقمت معرضي الأول في المركز الثقافي لمركز محافظتنا النائية، زار مدينتنا معرض متجول لفناني القطر في سوريا، أي فناني دمشق، من تنظيم وزارة الثقافة لأسماء بدأنا نقرأ عنها في الجرائد التي تأتينا أيضا من العاصمة، فغرت الدهشة أفواهنا أمام ضحالة اللوحة التي يرسمها الكبار في العاصمة، لوحة لا لوحة فيها، بروح لا قلق فيها ـ متأخرا عرفنا أن مجموعة الفنان لؤي كيالي عن الهزيمة استبعدت من المعرص المتجول حتى لا تثبط العزائم ـ على عكس ما وشت به لوحة “فان غوغ”، لوحة لم أجد فيها أحلامي ولا تضمخت بها أحاسيسي، صرت كمن أصابه اكتئاب ورجعت إلى فان غوغ، إلى قلق “فان غوغ” وعجائنه اللونية اللامعة في الأسود والأبيض، إلى تشمم أطياب للوحته تشبه خزائن قريتي، فأصبحت ملونا بدل الرسام واستبدلت بالفرشاة أصابعي والشفرات، فانتازيا أدوات ساعدت في تحرير القدرة في ذخيرتي البسيطة.

رسمت غروب الشمس وزهرة دوار الشمس وثمرة الشمام وطبيعة صامتة كلاسيكية مللتها كلها، فرحت استنجد من الثقافة الشعبية ومن القراءة ومن الأسطورة، صياغات بدائية لرمزية سريالية خليطة، قبل أن أهيم برسم حاملات القش في فسحة الاغنية وهباب الغبار وعطر القش والهشيم.

بدأت برسم هشيم القطن المتقصف، حيث تداخلت بطفولية تعبيرية الأوحال والوجوه البشرية والأعضاء المتهالكة على بعضها لهياكل تقول إنها بشرية، كانت نوعا من التحطيم أكثر مما كان بناء. سرعان ما انضبط إيقاع تنفسي ولوحتي على بدايات لوحة تشبه ذخيرتي البصرية في متعتها الخاصة.

في السبعينات، حيث صيغت بصائرنا على امتدادات سهوب “ميزوبوتاميا” ونبضات قلوبنا على إيقاع موسيقى الغناء الملحميالكردي وتشظيات شعر”بدر شاكرالسياب” فينا وفي أرواحنا المهلهلة، وسيرة “فان غوغ” في تداعيات هزيمة 1967، صرت أسير مناخات لوحتي والزمن المعاش. فيهما تشكلت ليس ذائقتنا، جيلي وأنا، البصرية وحسب، بل حتى رؤانا المستقبلية وطموحاتنا لاستيلاد وهم أسميناه لوحة بديلة، وهم جميل قادنا أنا وبعض من جيل السبعينات، كل إلى لوحته التي تشبهه هو.

في سنة 1971 نقلت لوحاتي إلى العاصمة لأطوّب فيها فنانا، في المسافة التي تفصل مدينتي عن دمشق العاصمة 700 كم، أخذت رحلتي ولوحاتي المربوطة إلى بعضها مثل فراش المهاجرين عبر حدود الدول نهارين وليلة، وصلت إلى مركز نقابة الفنون التي كنت قد أصبحت عضوا بالمراسلة محطما مثل لوحاتي ولوحاتي مغبرة أكثر من سحنتي وثيابي.

تناثرت أحلامي التي نسجت على طول الطريق وانأ لم أعبر بعد بوابة الصالة. لازال ذلك الانكسار والتمزق يملآن حلقي حين رفض البواب أن يدخل لوحاتي المغبرة إلى الصالة الأنيقة إلا بعد صراخ وجلبة أطل بعدهما موظف أنيق، كان فنانا أنيقا، من فناني العاصمة، من علوه، عليَ، وعلى لوحاتي بقرف، وسألني ماذا أريد ومن أكون، وعلى مضض قبل بدخول لوحاتي.

منذ ذلك اليوم والى اليوم، لم تقم أية صداقة بين لوحتي وفناني العاصمة ومسؤوليها الذين ظلوا ينظرون بغرابة إلى لوحتي والى طريقتي في التعبير عن لوحتي وفلسفتي التي راكمتها وكأنني أنسج سجادة عروس أسطورية ملعونة، خارج مواقدهم. أذكر في معرضي الأول حين انحنى أمام وزير ثقافته، أمين سر نقابة الفنانين بنفاق كبير، قال له: سيادتك، لو تنصح بشار هالشاب القادم من الصحراء ـ وهو يلوح بيده استهتارا ـ كيف أن عليه أن يتخلى عن سوداويته وخشونته، والثورة الاشتراكية تزدهر في البلاد.

أعتقد، أنه لليوم، يندم السيد الوزير، ذاك ، على الورطة التي ورطه فيها الفنان الكبير، فغادر الصالة وكأنه لدغ من عقرب. ومنذ ذاك التاريخ أصبحت مهمتي أن أدافع في هذه النقابة ـ التي كان لها فضل كبير على الكثيرين منا بشكل وبآخر ـ عن مصالح فناني المحافظات وعن من لم يسعفه الحظ في أن يدخل كلية العاصمة أو حظوتها.

ظل جمهور لوحتي شباب وشابات الضواحي والطلبة الجامعيين. وموظفي السلك الدبلوماسي. إلى أن غادرت البلد سنة 1980 ولم أعد إلى تلك المتاهة.

مستلهما سيرة “فان غوغ” أردت للوحتي أن تتمرى فضاء آكلي البطاطس، فرحت أرتاد مجاميع العتالين كنقابي وأنا لم أتخرج بعد من دار المعلمين، كدت أن أدفع حياتي ثمن هذه الهفوة حين أحاطت بي عشرات الخطاطيف المعقوفة.

في السنة التالية، تطوعت في فريق الإحصاء المحلي لأجوب على قدمي دروب وقرى على تخوم البادية، وتحت شموس صيف “ميزوبوتاميا” الملتهبة، هذه المرة، لأستولد للوحتي مناخها الجمر الترابي فوقعت في مصيدة حاملات القش: صبيات معطرات بالحناء والعرق وروائح سنابل القمح وتقصف سوقه عن غبار تنتشي به الحواس وكأنه عرق جسد أنوثة يغلي حين يختلط بأطياب الكركور والبابونج في محتويات صناديق الأعراس، يتخذن من البيادر/ ممالك القش فسحة لحرية لا سبيل إليها في عتمة البيوت. كن معازي إلى البرية، مثل انفراط عقود الخرز عن خيطانها، تعرفت إلى أسرارهن، ما يحببن وما يخفن وما يشتهين، كن فرحي وبهجتي وأنسي، وكنت طفلهن ولا زلن في مخيلتي وأنا استفيء ظلال البيوت التي ابني بها مراتع الصباحات الباردة جدا.

صاغ مرسم دار المعلمين نهاية الستينات، والأحلام التي ترافق كل جديد، وخدر الألوان الزيتية والترابات، مناخا روحيا في الفسحة البصرية لتجربتي البدائية، إيقاعا داخليا على توتر عالي الكثافة في صيغة طقوس مدرسية متوترة وصاخبة وحالمة في آن، مضافا إليهم طقوس الحياة الطلابية والشبابية لجيل السبعينات، غدت بها لوحتي نتاج عمل ليلي لم أتخلص لليوم من الرسم ليلا وكأنني أمارس قرصنة أو بناء مهربا أو تجاوزا لحدود ممالك محظورة.

كنت، ولا زلت، أحلم بلوحتي التي أصيغها على مخدتي قبل أن أنام، لأنام فيها.

تعودت في عتمة الليالي أن أصيغ البنيات الأولى للوحتي على المخدة، قبل أحلام النوم المرهقة بدخان السجائر والنقاشات الصاخبة عن وحول تغيير الكون ومسارات الكواكب. ولليوم تصاغ لوحتي في رأسي مكتملة وتنقل إلى القماش. لم أتعرف مثل الآخرين على دراسات أولية على الورق أو تأسيسها على القماشة، فلوحتي تنجز كاملة في رأسي أصيغها بدءا في مخيلتي، ألونها أوزع مساحاتها وأقيم تضاريسها مما أتشبع به من شحنة تعبيرية تأتي من الأغنية والقراءة والمتعة البصرية المتقشفة على انفلات المشهد في لحظة تشظ لا أدري متى يخرج المارد من قمقمه. لي زوادتي المساعدة على اجتياز حاجز النار، أنني ارتعب كل مرة أقف أمام الفسحة البيضاء للوحة، أتعرق وكأنني، دائما، أرسم لوحتي الأولى والأخيرة. لا أستطيع الرسم قبل أن تمدني الموسيقى التي تعودت والأغنية الملحمية الكردية، المتداخلة بالقراءة التاريخية بجرعة الشجاعة على تسلق الجبال، جبال تخترق كثافة السطح الأبيض كمن يقفز في فضاء هذا الكون، أو كمن يحاول التماس المجرة في ألغازها وأعماقها. هل دققتم في أعماق المجرة؟ لا بد من الغليان كمرجل القار حتى يستمد المرء شجاعة المواجهة لاجتياز خط النار الأبيض.

في البدء تتجمهر التفاصيل متزاحمة أمام واجهتي، وتدريجا يختفي واحدها تلو الآخر، فتتبسط المساحة في ارتخائها المشدود إلى قلقي، ويتسلل ضوء النافذة بهدوء حذر.

وحين أتشبع بخدر أطياب الواني كصوفي الحضرة في تجلي الذات الإلهية في القدرة البهية، لا أراني إلا والمساحة البيضاء في دوار. وحين أبدا بها أنسى كل تصوراتي السابقة، حين اشحن برغبة لا تقاوم لتدمير هذا الفراغ الأبيض وكأنه قعر لا نهائي، وشيئا فشيئا تخرج إلى تفاصيلها الرؤيا المشهدية، وكأنها كلمات قصيدة، آهات أغنية، طلاسم تعويذة تخرج بفعل القدرة والقدرة وحدها.

استقامت لوحتي منذ البدء، على فضاءات الواجهة الغربية لباب منزلنا. ولليوم، أنا ولوحتي أسيرا تلك الفضاءات المحترقة في شموس ملتهبة، وعطر التربة الخريفية وهي تتلقح بالمطرة الأولى حين ينفذ كل شيء في كل شيء، كما تخترق أسراب القطا السماءات المهاجرة وتتقمر التربة كبهاء/ كثمرة/ كصفحة خد محمر خجلا يترجرج كبطن أنثى في شهقتها.

تسيد خط الأفق لوحتي/ المشهد، المشدود إلى فسحة البياض وكأنه حيلتي إلى صدى ما تساقط من علو مربعات وهواء وفضاءات قشية ومقمرات ترابية وظلال البشر والقرى والدروب التي تتوالى بغير انقطاع خلف مجاهله. دروب توزع صدى عويل الهجرات الموءودة لزيجات خلف الحدود الملغمة. حين تتطاير الأشلاء الآدمية عن بعض الحنين المهجور.

غدا خط الأفق المستقيم/ الجامد، حبل غسيل لفضاء لوحتي المتحرك، وكأنها فسحة منزلية نشرت عليه الطبيعة والمخيلة مما يتراءى افتراضا مما يلي المبصر من المشهد.

إذ كلما طويت هضبة بانت أخرى وكلما ثبت موقعا ظهر آخر وآخر… أشباح فضاءات وحيوات وجموع مهملة من الأشباح والمدات البرية المتربة بالغبار.

وكلما ازدادت أبجديتي غنى بالممارسة والتأمل، ازداد ميلي إلى إلغاء التفاصيل التي لا نكهة لحضورها، فاستعنت باختزالات اللعبة الضوئية للقبض على تكوين يستقيم والبناء العمراني حيث يتركز عين الطير على الفريسة، العنصر الرئيس. مثل الكاميرا السينمائية في أفلام الكاوبوي، وزوم العدسة، استعين بالعتمة الضوئية على التخلص من الموجودات الزائلة بالسكون، رأيتني لاحقا كدراويش مولانا جلال الدين الرومي يدورون في مركزهم ليثبتوا توازنهم المفتقد بالسكون. وكذا لوحتي.

واليوم، بعد أكثر من خمس وثلاثين سنة من الرسم وعشرات المعارض، اكتشف أنني أرسم لوحة واحدة، لا تنتهي حين أنتهي منها، وإنما تتوالد في التي بعدها والتي تستولد من التي قبلها، اكتشفت أنني أعيد إنتاج المشهد عينه، والشخوص ذاتهم، إن وجدوا، وآثارهم إن غابوا، بإضافة تفاصيل وحذف بعضها. تتلون فضاءات بالأحمر والأصفر وتعاد ثانية بالرمادي أو الأزرق وتذوب كلها في كثافة الأبيض تخطط لها مسافات وخطوط ومشاهد بصرية برؤى مختلفة لكنها هي ذاتها، مشهد تلك الواجهة الغربية بجلالها وبهائها وكأنها مرآة نافذة امرأة عاشقة تقام لها الموازين وتصاغ لها فلسفات لكنها تبقى هي هي، لا تغادر نافذتها، شبح حاملة القش أسيرة الحكاية، خيال أغنية، نذيرعاصفة/ شهقة ما، ثغاء قطيع، نعاس نجم، وأفق ملون بحنين بجرس نحاسي، أثر سكين صدئة تحز أسفل القدم بلذوعة الملح.

للمكان (المنزل، مجال الرؤية، الناس، المناخ، الألوان، الثقافة) دوره الأساس ليس في بناء لوحتي، بل حتى في صياغة درجة تفاعلي معها والقيم الروحية والجمالية التي شكلت مجموع مخيلتي كإنسان. فالمكان يسلب المتيم مخيلته ولا يستأذنه الحضور في لوحته.

يدخل المكان في صياغة فلسفتنا للحياة، كما ينفذ إلى أعماق مشاعرنا المادية ويندس في لا وعينا ويتناغم وأحلامنا النائمة، وأزماتنا الروحية التي تتشظى بالمواجهة والافتقاد بتعاويذ وبراءات مبهمة.

في فضاءات برية ” خربة باب السلام” وعوالمها الليلية المقمرة والمدٌات الأرضية اللانهائية، استقامت بصيرتي على مرتعها المطمئن إلى توازن دقيق وطمـأنينة مشبعة بذخيرة الأزاهير البرية وأشواكها وفوح الأعشاب في الحليب كتجلي المعاني ـ كالهسيس في الهواء ـ في الدندنة الحميمة لنسوة، لفتيات، لأشباح آدمية، لأثواب ملونة، لفوح يعلو إلى رونق جبال طوروس ببهاء متغير ألوانه وكأنه صدى ظلال تنأى عن البادية التي تشتعل بالخيال في حكايات الهجرة المبثوثة في الملاحم، تضاهي ظلال غيوم تسير على الأرض، تتبدى في الهوينى التي يسوق بها البداة جمالهم ونساءهم وخيامهم الممزقة الباحثة عن شربة ماء.

يقول دستويفسكي بألم في رسالة له سنة 1869 حين كان في دريسدن: “.. لا أستطيع الكتابة هنا ـ ورواية الإلحاد جاهزة في رأسه ـ علي أن أكون في روسيا، …أن أرى أن اسمع الحياة الروسية، وأشارك فيها مباشرة أما هنا فأنني سأفقد إمكانية الكتابة”
لليوم لازلت مدينا لذاك المكان/ الفسحة من فضاءات “ميزوبوتاميا” حيث تشكل المشهد الضابط لإيقاع استقراري البصري في الأرض التي أقام الأولون مواقد خيامهم وممالك فلسفاتهم وأبجديتهم التي تألقت في مواقد فخارهم ونصوصهم المقدسة.. كما هو الموقد الذي فيه صيغت ذخائري الروحية والثقافية بخصوصيتها الذاتية وعوالمها المنفتحة على نوافذ تتشابه، والهواء الذي ضبط إيقاع التنفس الأول والضياءات التي شكلت صدمة الضوء الأولى.

يصنع المكان مشهده ويصيغ قوانينه وشرائعه العمرانية وتشريعه الأخلاقي وقيمه الجمالية. وهكذا صار لحضارة المدينة شكل حرفها القائم المستقيم، وللبرية شكلها المغاير المترع بالمدات وللغابات أوصافها اللائقة بحرفها.

{{تحولات اللوحة مشهديا وتعبيريا}}

بانتقالي من مكان لآخر، صارت لوحتي تتجرد أو تتمرى بعوالم جديدة ومناخات تستضيف نفسها رغما عنا نحن الاثنين.
في دمشق نهاية السبعينات، ضاع مني المشهد البصري، فأخذتني الثقافة بالقدرة التقنية إلى القبض على الأسطورة في تجليها الروحي: مصرع مار جرجس، رودو وروزي، مطر قلمون، تدمر، حب الآس.

في بيروت كنت ملتهبا بإيقاع الحرب الأهلية المطاردة بالمتفجرات المفخخة والحواجز والموت الذي يشبه القلق في كل مكان، ومن ثم حصار بيروت والبحث عن وثيقة إثبات هوية والهرب من الحواجز الطيارة. غادرت بلوحتي إلى متاهتي الوهمية بالأحلام إلى مراعي ميزوبوتاميا وأساطيرها وأنا أغلق الباب علي وعلى لوحتي، فلم ارسم غير الحكاية حتى أصبحت وكأنني لا أعيش إلا فيها.

في “باريس” منتصف الثمانينات، عاد الألم البصري ذاته يأسرني بشدة الضوء هذه المرة والتياع المكان، فقدت كل شيء أمام طغيان عمراني جميل مترع بالأشجار المدجنة، اخترق فضائي بقوة، خلخل توازني. رسمت ورسمت ورسمت، كانت كلها، كل ما رسمت تجارب أرسلتها لتخزن، كنت وأنا انتهي من لوحتي اشعر بمسافة هائلة تفصلنا ولذعة تشبه طعم الصباحات الباردة جدا، حين تقودني خطاي على نهر السين إلى مبنى مركز البوليس حيث تقابل اغلب طلبات الإقامة بالرفض.

في ضاحية “أرجنتوي القرية” حيث تطل نافذة مرسمي، على هضبة تعيد فيَ أحياء ذكرى مشهد تلَة “سعدية”، عاد إلي إيقاع تنفسي وعدت إلى فضاءات باب السلام والأفق الغربي الذي يواجه باب منزلنا، وعدن إلي، حاملات القش بأطيابهن والعرق يتصبب مني ومنهن. عدت وعدن ولوحتي، إلى المكان البصري الأول، بالقطع مع اليومي حيث لا عمران بيني وبين غابة الكرز وسان جرمان أن لي، وتلال بونتواز وسانوا.

{{لعنة الغواية}}

لا يقوم بناء بغير نقيضه ليحقق توازنه في تضاده معه، يستمدان من تضادهما المتكافئ قيمهما ومشروعيتهما الجمالية، كالشرائع التي تستقوي بالترغيب والترهيب لإقامة عدالتها. وحين تسيطر الأفكار/ الجمل/ التفاصيل/ الموجودات الزائدة على المشهد، تكون اللغة بدائية على تكثيف الأشياء في أسمائها والأسماء في مدلولاتها والمدلولات في رموزها. وتتثقف العين بالرؤيا واليد بالقدرة / الممارسة، تتطور الكفاءة إلى صياغة حلم في كثافة المشهد الذي يحيل الرواية والحكاية إلى سرد داخلي صامت، سرد سينمائي يستوقف البصر في نقطة السكون الصامت في صخب الكلام، فيقول الفراغ ما يعجز عنه الجسد/ الكتلة وتتحول المصيدة إلى فضاء سابح حين تلتبس الفكرة الرواية والنص الديني على مشهد الصلاة، وإيقاع الآذان على منطوقه، والغروب على شروق الشمس، يستعيد المشهد حضوره الغائب من قلق الرؤية بالرؤيا والعين بمتعة الاستبصار عن التحديق.

أنه قلق الروح في غابة الصراع بين القدرة والرغبة، بين العقل والخوف، بين الموت والإحياء، بين الحياة في تجددها والفكرة في ثباتها الميت وتجددها الحي، إنها لوحة الصيني في القرية النائية تستقوي بالحقيقة المشبعة بالجمال على الموت في ليل عاصف.

في مواجهة الآخر، تتشكل وتنتظم قوى ومدارك المبدع، الآخر، الجوع/ العدو/ الغريب/ الجنس/ الغيب/ الخوف/ الموت/ الحرب، المتعة المفتقدة، الحقيقة الغائبة/ الجمال البشع/ التشريع القلق، يصبح الفن، تصبح اللوحة المشهد، الوجه الجميل، الفكرة المقدسة/ التضحية، الشهادة، التعويذة/ القدرة، خوارق إضافية لمواجهة الموت والنسيان والاندثار في إعادة بناء القوى في تكافؤها المختل. حين يستعين الساحر والفنان كل بمادته/ سلاحه/ قدرته، تتجلى الحقيقة في انتصارهاالمشروع بالصدق بالجمال في المواجهة. مثلهم مثل البائع الجوال بصوته في الترويج لقدرة بضاعته منتوجا استهلاكيا.

تتثقف عين الفنان بالتجربة الدائمة بحساسيات استدلال التوازن في متاهة الدهشة، وعلى إيقاع الفصل ما بين المرئي الكائن والظلال غير المرئية في تمريها في قزحيات لونية لا وجود مرئي لها في انشطارات القدرة التعبيرية المشبعة بالحالة الخاصة لكل فنان، منتج، للوحة هي صدى ممزوج من مقطوعة موسيقية في مرآة سجادة لا فرق إن كانت للصلاة أم للمسامرة. نحاول جاهدين إعادة تركيب الموجود المبصر بطرائق أكثر إغواء بإضافات، واختصارت، لخلق متع بصرية، وملمس يلغي العادي الممل والفاحش الخلل، بشكل نعيد عليها استقرار توازننا الخاص، المادي أولا، والعقلي ثانيا، ليستقيم فينا الروحي الشرائعي.

الغواية مرض كل خلق وإبداع وهي تلاحق صاحبها إلى حتفه، مثلما يلاحق الجائع الطريدة. تأخذ اتجاهات شتى، بعضها صائب و بعضها قاتل الخطيئة. على الفنان المبدع أن يكتفي باليسير الصعب منها، لئلا يسقط في متعة الغواية السهلة بالاستكانة إلى المخدر الفواح فيها، وليس له في ذلك غير ثقافته البصرية والحياتية وقيمه الشرائعية/ الأخلاقية للجمال وتعففه. فالإبداع بدون الأخلاق، كما في المهن، يصبح نوعا من العبودية الكريهة للربح السهل، وعلى قيم المهنة الخلقية تقوم موازين الإبداع الحقيقية بالمعادلة بين الحقيقة والواقع بين الإنسان والطبيعة، بين الفرد والجماعة، بين الذات والآخر.

إن السقوط إلى الأعلى كالصعود إلى الهاوية في ظل تأثيرات الغواية التي يرعاها الجمهور الجاهل والثقافية السهلة ومعايير السوق اليومية. فالفنان ليس بهلوانا بقدر ما هو مشرَع يحرم عليه الفساد، والشهرة السهلة المستجدية من الرسمي والدارج والسبيل الأسرع إلى المتعة الجوالة بالابتسار السهل لجمهور هش في حمَى إعلام يومي رخيص يقوم على أنقاض الحقيقة بالوهم. والتشكيل كغيره من الفنون الإبداعية هو نقيض الأيدولوجيا/ النص، بقدر ما هو قرين التشريع/ القيم.

لا يمكن للوحة أن تكون تصويرا جامدا للواقع بحرفيته لأنها تفقد بذلك دلالتها التعبيرية بالرمز عن الأشياء والمشاعر التي تقودنا في مغامرتنا الواقعية في الحياة الضاجة بالتحول. فاللوحة اقرب ما تكون إلى التميمة وإلى الموسيقى، بعكس الكتاب حسب أندريه تاركوفسكي بقوله: ” الكتاب الذي يقرأه ألف شخص مختلف يصبح ألف كتاب مختلف”.

واللوحة بعكس السينما لا يحق لها أن تصبح ضحية وهم الجمهور بأنها الواقع معروضا على الشاشة.

على إيقاع الذخائر والقيم الروحية التي صاغت شخصية المبدع، تتداخل المسؤولية بالحرية، والشرائع بالقوانين الوضعية والأسطورة الشعبية بالوعظ الرخيص وكلمات القوادين ببؤس العاهرات.

فهل اللوحة قادرة على تثقيف العين وتحريك القلب معا؟ وكيف تستقيم الثقافة المنشودة حسب فان غوغ: “..لا ثناء يمكن ان يرضيني أكثر من أن يرغب عمال عاديون في تعليق لوحاتي في غرفهم….” هل تستطيع اللوحة أن تصبح دليلا موسوعيا بدلا من أن تبقى دليلا سياحيا موسميا.
هل الفنان معفى من المسؤولية الأخلاقية بحجة الحرية الإبداعية؟

هل ينفصل المبدع عن منتوجه وكيف تتجلى ثقافته في بضاعته، مجازا؟

أرى أن ثقافة الفنان المهنية تتكامل وثقافته المعرفيه وقيمه التشريعية لإنجاز عمل متوازن على قيم إبداع حقيقي، وهي موازين بالغة الهشاشة ومفرطة الحساسية حالها كحال التاثيرات الضوئية في الفيزياء والتفاعلات في الكيمياء في المواد، وهي خليط مقدر في معادلات المعرفة والأخلاق والتشريع طالما أن منتوجه اللوحة/ المعزوفة/ النص، تتعلق ليس بحياة الناس، وإنما يستمد منها الناس قيمهم وثقافتهم وحدودا لشرائعهم باعتبارهم نخبة، لذا فهي تتداخل بشكل كبير وحياة الناس.

يحكى أن: حسب المسعودي في مروج الذهب: وفدت على كسرى أنو شروان رسل الملوك.. وكان فيمن كان رسول من قيصر الروم، الذي نظر إلى إيوان كسرى وحسن بنيانه لكنه رأى اعوجاجا في ميدانه، فقال كان هذا الميدان يحتاج أن يكون صحنا مربعا، فقيل له إن عجوزا لها منزل من الجانب المعوج في الصحن أرادها كسرى على بيعه له ليستقيم الصحن، لكنها أبت البيع فتركها وصار الاعوجاج، فما كان من رسول قيصر إلا أن قال “هذا الاعوجاج في هذه الحالة أسلم من الاستواء”.

إنه جمال القسوة الذي يرتقي بقيمه إلى مستوى الجمال الآخر، الجميل، يستمد جماله من قيمته الحياتية ذات العلاقة بحياة الناس، تمام مثل صلب المسيح وعذابات العذراء ومريم المجدلية وجنازات الشهداء وشهادات المعتقلين السياسيين.

حين نستمع إلى مقامات القبنجي ـ اليوم ـ الذي يعود في بداياته إلى مئات السنين، وهي شكل جلي يقبض بالصوت والصدى على الروح الجمعي في تشكله الثقافي التاريخي، نغدو وكأننا في مشهد معاصر لعراق آني، عويل وأنين بلغة الروح الملتاعة إلى غضب إلهي صاعد من مواقد كهنة سومر وهم يرتلون تيه جلجامش.

إن غنائية المقام العراقي الخارج من حنجرة ملتاعة، حالها حال الأغنية الملحمية الكردية لتحتفظ بقيمها الجمالية المتحولة فينا، حيث لنا أن نطرب له ونحن في عرس وأن نبكي أرواحنا في تشظيها المأتمي.

لا يجوز للعمل الفني أن يتحول إلى وثيقة عرض حال للمشاهد السطحي، و أن لا تصبح وهما واقعيا لفكرة جاهزة في الذهن، حتى لا تصبح اللوحة ألف لوحة، حسب تعبير تاركوفسكي، حين يراها ألف متفرج. لكنها يجب أن تثير إحساسا ما في ألف متفرج مختلف الواحد عن الآخر في كل شيء حسب شدة حساسيته.

فاللوحة/ النص/ المقطوعة، نتاج جهد وتمثل موازين دقيقة متحركة في بصائر ومخيلة وعقول متلقين مهيئين بهذه الدرجة المعرفية أو تلك، لهكذا صياغات دقيقة تتداخل فيها الذات الملوعة بالآخر المتلقي الملتاع.

فهل هي سحب الملك السوداء التي تجللنا، أم أننا ” في الشمس أكثر مما يلزم” حسب تعبير هاملت؟

تلك هي المسألة الشكسبيرية الأعقد.

—-

-*ورقة قدمت في منابر مهرجان “المحرس” الدولي للفنون في تونس من 22 يوليو إلى 4 أغسطس 2007.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق