أنتلجنسيــا معلمنــة لأديــان متطيفــة

الإحساس يسبق الحواس لأن الاحساس رغبة واردة في حين ان الحواس ادوات لاشباع الرغبة ولتحقيق الارادة، فالمرء يشعر بالجوع ويعمل بيديه وفمه ومعدته لأجل اشباع رغبته بالطعام وكذلك يفعل بالجنس. واذا كان البعض يعتبر ان الرغبة في الطعام مردها الى تقلصات وافرازات عضوية فان السؤال الرديف هو ما سبب ذلك؟ وهذا يقودنا الى احساس اول هو ارادة الحياة. وفي تأملاته الاولى، ادرك الانسان أنه يريد الحياة لأن هذا شعور قوي لديه لم يرده هو ولم يوجده، انه يوجد معه وبالتالي فهو معطى له، وان وجودا اكبر قد لبسه قياسا على رؤيته لحفرة يرمي بها المد ماء من الاوقيانوس وعندما ينحسر المد ويجذر الماء يبقى في الحفرة ردحا ثم يتلاشى امتصاصا وجفافا تحت أشعة الشمس، كذا الحياة تسكن البدن ردحا ثم ترحل عنه اما امتصاصا او جفافا بفعل السنين، وبذات القياس، الماء في الحفرة ليس جزءا من الاوقيانوس لأن الاجزاء تنقص من الكل لكن كمية الماء في الحفرة لا تشكل جزءا لأنها لا تنقص الكل بسبب قوة اتساعه وامتداده اللامحدود للحفرة، لذا اعتبر ان الحياة لديه ليست جزءا من كل بل فيض لا ينقص الكل لأن الكل يفيض بذاته لأن الحياة لا تعني سوى الحياة والحياة لا تنقص كونها كانت وتكون وتبقى. من هذه التأملات خلص الى ان الحياة من مطلق وأنه قد نالها لرغبة المطلق لا لرغبته هو، ورغبته هو صارت محصورة في إبقائها واستمراريتها وفي أعظم الأحوال الرفض او الالغاء لها.
ولأن الحياة اكبر من وعائها فهي تضيق به ولأنها لا تكون موجودة الا بوعائها فقد اسقط كسر الاناء على الآخر فصار وعاء الآخر عبئا عليه لذا اما كسره او جيّره اجيرا له او ملحقا رغباته الحياتية الكثيرة. اذ ان الحياة لا ترتاح بها اذا تمادت خارج وعائها فهي تريد الحرية التي لا حدود لها والرغبة التي لا حدود لها والانسان وجد نفسه انه ينتهي دوما قبل ان يحقق حريته التي لا يتمكن من تحديد آفاقها ويموت وهو لم يشبع رغباته التي لا قياس لها.
وكما الطفل يريد الحليب من أمه كي يعيش فهو في وجدانيته يلتهمها، يأخذ بدنها ليلبس بدنه ويأخذ ايامها ليصنع ايامه، كذا فعل الانسان المأمور في بدنه بأنه حاول ان يلتهم الحياة نفسها بالتهامه للمطلق فراح يحجمه بأوصاف ويدخله في حواسه، وكي يلمسه ويراه ويسمعه كان لا بد من ان يصبح لهذا المطلق بدن فصوره على شاكلة حيوان في البدء لأنه سهل عليه التهام الحيوان. وعندما اكتشف ان ابتلاعه لم يلغه من وجدانه صوّره اكبر من حيوان، صوره برقا ورعدا، ثم مزج هويته بين الرعد والبرق والمطر وبين الحيوان، ثم بين الحيوان والحيوان ثم بين الحيوان والطبيعة وثم بين الحيوان والانسان الى ان انتهى بأن يؤنسنه ويعطيه اللامحدودية في حواسه ليرفعه عن ذاته وليجعله على قدر احساسه انما بحواس خارقة.
هذه المسيرة التي تمر في العلوم الميتولوجيا هي خلاصة مسيرة بشرية نحو ايمانياتها ودياناتها، وخلاصة خلاصتها ان الانسان احس في البدء أنه ينتمي الى حياة ثم انتهى الى ان اعتبر ان هذه الحياة تنتمي اليه. لبسها، صار هو هي، باسمها يحكم ويشتهي ويرتوي دون ان يشبع، يتسلط ويحكم دون ان يستمر، يريد ان يشعر بالراحة فلا يرتاح، يريد ان يكون سيد الكون وينتهي ليصبح رمادا من مكونات الكون.
بدأ الدين بأن راح الانسان يقول للآخر انت مثلي، انا مثلك، لكني اقوى منك، اتغلب عليك، اقهرك، ان الحياة لدي في مكوناتها اقوى منك، وعائي للحياة اقوى واصلب منك، اكثر صلابة في العضلات، اكثر حيلة في التفكر، اشد محتملا للألم منك، قوتي هذه هي مني. وظل الانسان القوي بعضلاته وسعة حياته متسلطا ردحا من الزمن. هو اله نفسه.
في مرحلة لاحقة لم تعد العضلات تفي بالغرض، السيطرة على حيوانات اقوى منه تحتاج الى اتساع في الحيلة، فصار التفكر ينمو على حساب العضلات وصار الحس ينمو على حساب الحواس، وصارت القوة في اقناع الآخر بها دون ممارستها، لذا اصبح دور الانسان المسيطر هو ان يبين انه مهما بلغ من قوة فهناك اقوى منه وهذا الاقوى منه هو مع الداعي والمبشر لذا فعليه ان يتبعه، ان يكون مروضا له كما هو الكلب مروض والخروف مروض والهر مروض، عملية الترويض التي تقوم على الحيلة المتجلية جعلت التغلب على الآخر تلغي قدرة الوعاء الشكلي الى قدرة الوعاء الضمني وبات المضمون اهم من الشكل.
عملية الايحاء ان المطلق هو مع الداعي جعلت الآخرين مدعوين ان يدافعوا عن المطلق من خلال دفاعهم عن الداعي وصارت الجماعة التي تملك المطلق مدعوة مطلقة الى استعباد كل الخليقة لأنها تحقق ارادة المطلق ولا تحقق ارادتها هي والتي في النهاية تصبح ارادتها هي ارادة المطلق لأن التداخل حتمي بين الشكل والمضمون.
هذه اللعبة التي مارسها الانسان عبر اجياله وعصوره لم تغير شيئا ولم تلغ شيئا، فالمطلق ما زال مطلقا والانسان ما زال وعاء لهذا المطلق، والعقل الذي يندرج تحت خانة الاحساس مشكل من حواس وخلايا، لذا فهو صغير يمارس لعبة الكبار وفي كل مرة يعتبر نفسه الاكبر يجد من هو اكبر منه يسيطر عليه ويلغيه، وقد تجسد العقل عبر التاريخ بمؤسسي الامبراطوريات وورثتها وبمؤسسي الديانات وخلفائها وبمؤسسي العقائد ورجالاتها. ولم تدم امبراطورية عبر التاريخ اكثر من الفين او ثلاثة آلاف عام وكذلك العقائد والديانات وما يميز الديانات والعقائد عن الامبراطوريات ان الامبراطوريات تتغير في جغرافيتها وشكلها ولا تلد من ذاتها بقدر ما تلغى من غيرها في حين ان الديانات والعقائد قد تلد من ذاتها ارحاما اخرى تلد بدورها ديانات وعقائد.
ولأن العقل من احساس الحياة فكل امبراطور يعتبر نفسه واجب الوجود ودائم الوجود وكذلك كل صاحب دين او مكيل عليه يعتبر نفسه واجب الوجود ودائم الوجود. ومن اجل تثبيت هذه المقولة فهو يعتبر ان كل وجود غيره مناقض لوجوده لذا فقد قامت الامبراطوريات عبر التاريخ بالغاء غيرها من خلال ضم البلدان اليها ومن لم تستطع ضمه اليها سحقته واحرقته وانهت وجوده، كذا فعلت الديانات التي لبست لباس العسكر والملك فهي باسم المطلق الذي تدعي ظاهريا انها تنتمي اليه وفعليا هو ينتمي اليها لأنها الناطقة باسمه والمحاربة عنه فقد اعتبرت وجودها احاديا ولا يمكن مقاربته بوجود آخر لذا قالت كل منها انها الدين السماوي الاوحد ولا دين سماويا غيرها فحاربت الوجود الآخر وما زالت ولم يتغير شيء سوى بأدوات الحرب والقتال.
ان أي عملية تبديل او تغيير في صورة المطلق انما خاضعة للثقافة الفردية والمجتمعية والارهاصات النفسية التي تصب في خانة الاحساس بهذا المطلق تترجم من خلال تلك الثقافة ما يجعل الاثواب المختلفة تتناغم مع احداثياتها التاريخية والجغرافية لهذا الايمان بالمطلق، وكون الاحادية هي التي تحكم بالضرورة استمرارية الحياة فان افناء مطلق ضرورة لحياة آخر وكون افناء المطلق مستحيل حدوثه لسبب ذاتيته لذا يتم افناء لابسه او جعله تابعا للابس آخر وعليه فلا يمكن لأي دين شمولي ان يقبل بآخر الا من خلال تحجيمه او جعله بداية له لا نهاية واعتبار الذاتية الايمانية لهذا المطلق هي المنتهى المطلقي له. ومن اجل ابقاء الاحادية في الايمان المطلقي فانه يجري قراءة التجربة الايمانية الاولى على ضوء مسار الثانية لا العكس، ومثال على ذلك ان اليهودية لا تعترف بالمسيحية والاسلام الا بصفة ضياع وانتحال، والمسيحية لا تعتبر اليهودية الا مقدمة لها في حين انها لا ترى في الاسلام سوى عملية اصلاح اجتماعي والاسلام لا يرى اليهودية والمسيحية الا من خلال آيات القرآن وتحديده لهما. وعليه فكل حوار بين الاديان هو بالواقع حوار ثقافي او يدخل ضمن آداب التعامل الاجتماعي لأن لا احد يمكنه قبول وجود الآخر كدين مطلقي اذ كيف يمكن لليهودي ان يقبل المسيحي الذي يرى في مسيحه الها والمسيح بالنسبة لليهود لم يأت بعد، هل يحاورونه في قضية غير موجودة، وكيف يحاور المسيحي اليهودي وهو ـ أي المسيحي ـ يعتبر ان اورشليم الجديدة هي الكنيسة وان كل تاريخ العهد العتيق ليس اكثر من مقدمات تبشر بقدوم المسيح الذي به يؤمن. كذلك كيف يمكن للمسيحي ان يحاور المسلم وهو يعتبره مجرد عملية اصلاحية اجتماعية ولا يرى في النبي اصطفائية كالتي يراها المسلم وكيف يمكن للمسلم ان يحاور المسيحي وهو يرى صورته في القرآن مناقضة لما يقول به المسيحي بدءا من الاقانيم الى شخصية المسيح نفسه فهو في القرآن روح من الله وقد يكون ملاكا او اكثر بقليل لكن حاشى ان يكون الها او ابنا لله او الهاً متجسدا كما يقول به المسيحيون في الحوار المسيحي ـ الاسلامي الذي بنيت له قاعات واقيمت له مؤتمرات ورصدت له ميزانيات لا يتقدم قيد انملة عما هو في التاريخ بدءا من قيام الحوار في العصر العباسي، قد نجد كاهنا يقر بمحمد نبيا لله لكنه كاهن ملعون من اهل ملته. وقد تجد اسقفا يعتبر محمد احد الانبياء من الله المرسلين لكنه غير مقبول في جماعته ولكنك لن تجد بطريركا او كاردينالا او بابا يمكنه ان يقول علنا ان محمد هو رسول من الله او ان الاسلام هو دين سماوي او ان محمد هو النبي المصطفى وقد درجت العادة في البروتوكول الكلامي ان يقول كل من المتحاورين ضرورة قبول الآخر كما هو وهذا يعني في اللغة الواقعية ان تقبل الأعمى على عماه والأمي على اميته والمتشبث على عناده وبالتالي فهو قبول بالشكل في حين ان في المضمون اعتبار الآخر على غي وضلال وما كان يرشقه رجال الدين بالحرم علانية صار مبطنا وبين أربعة جدران، وما كان يكفره منهم للآخرين على المنابر صار في الاماكن المغلقة. وبالتالي يسهل الصدام عندما تصطدم المصالح والغايات ويخرج الى العلن الحقد الدفين.
وعودا على بدء، من اجل قيام حوار بين الناس في الشأن الديني وجب ان تكون هناك ثقافة وهذه لا يملكها الا جماعة الانتلجنسيا لأن الثقافة في الدين ليست قراءة الكتب الدينية فحسب بل قراءة في التاريخ والانتربولوجيا والميتولوجيا والسوسيولوجيا. وهذه الثقافة ليست خارجة عن المحاور بل تطال جوهر تفكيره وايمانياته وبالتالي فان ايمانه الشخصي يجب ان يسمح له بقبول ايمانيات الآخر وهذا يعني انه غير معني ببسط ايمانياته ولا بتبشير او فتح وباعتبار ان ايمانه للحياة وليس الحياة محكومة بايمانه، وان نظرته للمطلق تبقى ذاتية منتمية للمطلق وليس المطلق منتميا له وبالتالي كل الناس المؤمنين بالمطلق هم موجودون ولا يشكل ايمانهم خطرا على احد لأن انتماءه للمطلق لا يخوله الحديث باسمه ولا الدفاع عنه ولا اعتبار النظرة اليه وتوصيفه وشخصنته احادية في دين ما.
وهذا يعني ان العلماني المؤمن أي الذي يؤمن بالمطلق والانتماء له هو المؤهل لحوار بين المؤمنين في حين ان المتدين في دين معين أي الذي يعتبر انه الموصوف في الدفاع عن المطلق المشخصن بصفات او بأسماء لا يستطيع ان يقبل بالتغاير وبالتالي لا يمكنه الحوار لأنه في قناعاته غير قابل للتبديل.
هذه العلمانية المؤمنة تحتاج الى جهد تاريخي وخبرات مغمسة بالرفضية وما يتأثر عنها كي تنتج انتلجنسيا تتصف بها وبالتالي فالكم الثقافي يحتاج الى مناخ حر بعيد عن رشقات الحرم والتكفير من الذين يملكون بمقاصدهم ابقاء الحياة او عدمها وهؤلاء يتمكنون عندما تكون شعوبهم غير متمكنة ولا يملكون الناس الا اذا كانوا اوصياء المطلق على الناس. انهم باسم السماء يملكون الارض وما عليها الى ان يخرج اناس من الارض يعتبرون انفسهم سادة الارض لهم الحق في ان ينتموا الى المطلق الذي يرون حياتهم لها معنى فيه.
سلاح رجال الدين هو المنطق السهل لاناس بالكاد يعرفونه فيسيطرون على الناس بسهولة. والمعادلة بسيطة: يقدمون افتراضات لا يمكن للبسيط من الناس المتعلم والمتربي على اعتبارها ضروريات وحتميات والبناء عليها للوصول الى الخاتمة المرجوة التي يريدونها. اما مناقشة الحتميات فهذه ليست من شأن الناس. انها حتميات موحاة او مرسلة او ملهمة وكل شك فيها لا يستحق الحياة الانتلجنسيا المعلمنة المؤمنة موجودة في البلدان التي صار للانسان فيها قيمة مطلقة وهذا قليل لكنه متوفر في هذه البلدان المتقدمة الحرة الديموقراطية وهي معدومة الوجود في البلدان التي فيها قيمة الانسان نسبية وهي كثيرة في البلدان المختلفة.
في بادرة لافتة للسفير فؤاد الترك دعوة الى المنظمة الدولية في الأمم المتحدة اعتماد لبنان بلدا ذا خصوصية في حوار الحضارات والثقافات وخصوصا للحوار المسيحي ـ الاسلامي، وكون هذه البادرة منطلقة من انسان علمانوي مؤمن فهي تكتسب بعد اشراقيا طموحا برسم الانتلجسنسيا كي يبرهن لبنان أنه فوق أي انتماءات الا لأرضه وانه مؤمن بانسان صورة المطلق المرتجى.

——————————————–

نشرت في السفير في 1/3/2008
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق