أنثى الكهف العارية: جنون مجد ودفتر ناهد…

التعذيب قد يؤدي أيضاً إلى الجنون..

فكرة أضحت ثابتة في ذهن معتقلات فرع الأمن. كيف سيستطعن جميعهن، حتى بعد سنوات من الإفراج عنهن، محو مجد.أ من الذاكرة؟!

كانت مجد شابة من مواليد 1966 في السنة الثالثة من دراستها الجامعية. بعد الاعتقال بثلاثة أشهر تلقت مجد ضربة من قبل أحد المحققين على رأسها، أدت إلى حدوث كدمة دموية بالرأس، تسببت لها بمشاكل عصبية ونوبات صرع شديدة في الفرع. صارت تؤخذ إلى المشفى كل فترة وتعود إلى السجن. ثم جلبوا أمها لتجلس معها مدة شهر كامل سجينة في المستشفى، لأن وضع مجد أضحى صعباً للغاية.

في الفترة الأولى ظلّت ساهية، لاهية عما حولها، متوحدة مع نفسها والورق، كان يأتي إما تهريباً من بعض السجانة المتعاطفين، أو من الورق الأسمر يلفّون به باكيتات الدخان.
مجد والورق وقلم الرصاص.

كأنها كانت تكتب الناس، تستعيض بالكتابة عن علاقتها بالمعتقلات في الزنزانة، وعن علاقتها بالعالم الخارجي البعيد.
قد تمر ساعات طويلة متواصلة ومجد منكبّة على الورق تكتب!

فجأة بدأت حالات الهيستيريا تأتيها متباعدة. نوبات طويلة من الصراخ المبهم والتشنجات العنيفة في يديها ورجليها. النوبة قد تمتد أحياناً أربع ساعات أو أكثر، في مكان ضيق كالزنازين، محشور بعشرات الأجساد المتململة.

ساعات من العواء حتى يبحّ صوتها، ومن ثم تهمد تماماً.. لتمتد ساعات أخرى من الموات، موات حقيقي بلا حسّ أو حركة!
ثم تصحو.. وتعود إلى الكتابة.

تلك الحالة، حالة مجد المؤلمة، قد تعيد إلى الذاكرة ما كتبته فيليسيا لانغر يوماً، وهي صاحبة الكتاب الشهير “بأم عيني” ( مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية، 1974): كانت هناك الكثير من حالات التعذيب للمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. قاد التعذيب الكثير منهم إلى الموت أو الجنون أو العاهات الدائمة. من الأمثلة كان اسم سالم جاد عيد يلوح دوماً: أصيب بالجنون بسبب التعذيب، وظل سنوات طويلة في مستشفى الأمراض العقلية. وقاسم أبو عكر توفي بسبب التعذيب أيضاً. وحالات كثيرة أخرى.

لكن التوتر انتقل بسبب حالة مجد أ. إلى كل الفتيات في المزدوجات. الحالة تتطور من سيء إلى أسوأ، خاصة حينما أُخذت مجد، بعد طول مطالبات، إلى المستشفى للعلاج، حيث كانت الصدمات الكهربائية هي العلاج الوحيد!
أعطيت الصدمات العلاجية لمجد بطريقة التعذيب نفسها! تدهورت حالتها أكثر فأكثر، وهذه المرة فقدت النطق والقدرة على المشي.

ثم أعيدت إلى المزدوجات بعد العلاج المفترض، نحيلة بشكل فظيع. لكنها هذه المرة بكماء وتزحف.

بدا الأمر أشد سوءاً مما سبق. ومجد تزحف كل صباح إلى الحمام، محاولة تهدئة نفسها. تفتح الدوش البارد عليها، وتشهق متكومة كقطة تحت وابل الماء المثلج.

ثم بدأت محاولاتها لابتلاع لسانها! خصوصاً في لحظات الهيستيريا. لذا كان على الصبايا القريبات منها، اللواتي يعتنين بها بشكل مباشر: سونا س. وحميدة ت. وأنطوانيت ل.، أن يدأبن، كعادة يومية، على دسّ أصابعهن في فمها، أو وضع ملعقة فيه، ليمنعنها من ابتلاع لسانها بالفعل في إحدى حالات هيجانها.

أحياناً كان السجان أحمد يعمل على مداعبة الفتيات في المزدوجات بمزحاته الثقيلة. يطفئ اللمبة الشاحبة في أعلى السقيفة المطلّة على المزدوجات بشبك حديدي. كان هذا يشيع عتمة طاغية مرعبة، إذا وضعت إحداهن إصبعها أمام عينها لن تستطيع رؤيته. ثم يعود ليشعل الضوء من جديد، ومن ثم يطفئه، فيشعله… وهكذا.

الضوء يومض، وضحكاته تضجّ في الكوريدور!

تنتهي المزحة بنوبة هيستيريا شديدة تجتاح مجد، وحالة شقيقة مجنونة تمسك برأس لينا و..
مع الزمن، تحت تأثير الحالة، راحت أنطوانيت ل.، وكانت على تماس دائم مع مجد، تعاني من نوبات اختناق شديدة تمسك برقبتها وتمنعها من التنفس. يضطر السجانة على إثرها إلى إخراجها لمدة ما خارج الزنازين، كي تعاود قدرتها على التنفس.

طفقت التشنجات تغزو يدي سونا س.، بسبب ملازمتها الدائمة أيضاً لمجد. تلك التشنجات امتلكت فكيها أيضاً، وحالة الكزاز المزمن راحت تمنعها من الكلام بطلاقة، وأحياناً تمنعها تماماً من الكلام.

ليأتي يوم تخرّبت فيه حبالها الصوتية، وجعلت صوتها أبحّ حتى اليوم.

الوحيدة التي صمدت كانت حميدة ت.، إلى وقت ليس بطويل، فقد جاء الأمر بإطلاق سراح مجد أ. بعد سنة وشهرين من الاعتقال وذلك سنة 1990. وبقيت تتعالج من سنة 1990 وحتى سنة 1995، ثم استطاعت الحصول على جواز سفر على أساس الخروج إلى بلد مجاور لاستكمال العلاج. وهناك استطاعت أن تحوز على اللجوء السياسي في أوكرانيا، ومن ثم نالت اللجوء السياسي في أميركا.

تعيش مجد أ. اليوم كلاجئة سياسية في مدينة هيوستن الأميركية.

لم تجد المعتقلات، طيلة فترة مرض مجد، بدّاً من بعث رسائل استغاثة إلى الخارج، كي يعرفن ما الذي يمكن أن يعملنه.
كتبنها على ورق سجائر “الحمراء” (بما أن الورق كان ممنوعاً في الفرع، فقد عملت المعتقلات، ومن قبلهن المعتقلين، على نزع الورقة الداخلية لباكيت الدخان، الذي من الممكن شراؤه في الفرع، ثم تُبلل بالماء حتى تنفصل السيلوفانه عن الورقة. تنشّف الورقة ويُكتب عليها).

ثم استطاعت المعتقلات إخراجها بالتهريب من فرع الأمن، وذلك أثناء إحدى الزيارات النادرة لإحداهن. كان ذلك في أواسط سنة 1990

في جانب آخر، ربما في زمن آخر، كانت تجربة مغايرة تتشكل.

على الرغم من أن أغل بالمعتقلات الإسلاميات كنّ رهائن عن أزواجهن، أو أولادهن، أو حتى أقاربهن، إلا أن التعذيب الشديد، الانتهاكات، والمعاملة المتميزة بقسوتها، جعلت معظمهن يخرجن محطّمات،وقدكان للسجن تأثيركبيرعليهن.
أجبرت الكثير من الإسلاميات على التعري، وبالكيلوت فحسب. يتم إحضار السجانين كي يتفرجوا عليهن وهنّ عاريات، ويسمعوهن الكلمات البذيئة، يتفنن عناصر الأمن والجلادون في اختراعها.

إحدى الحاجات أجبرت على التعري، وأدخلوا أخاها ليراها وهي على تلك الحال. يقال أن الأخ خرّ مغشياً عليه على الفور.

— الحرق بالسجائر في كافة أنحاء الجسد.
— …

— الكهرباءعلى الحلمات، علىالأيديوالأرجل،والمناطقالحساسة.. أساليب أخرى كثيرة.
همست الحاجّة بصوت خفيض.

–هل هناك أساليب أخرى؟!

–التعليق لساعات طويلة، ورشّ الملح مع الماء على أرض المنفردات، بعد الضرب المبرح على باطن الأرجل، والإجبارعلى الوقوف حافيات..هذا غير الضرب بالخيزرانة والعصي والدولاب وغير التحرش الذي قد يصل إلى الاغتصاب.

–هل وصل الأمر إلى الاغتصاب؟

–نعم.. إحدى المعتقلات، كنت أعرفها، صبية جميلة من مدينة في الشمال، في العشرينات من عمرها، كانت تدرس الأدب العربي قبل أن تسجن. تعرضت للاغتصاب في أوائل الثمانينيات، ظلت تسعة شهور بعد الاعتداء عليها شبه فاقدة للو عي، تستيقظ لتمشي كالهائمة في المهجع، وهي عارية، أحياناً مشعّث ةومهملة كالمجانين.

–كنت معها في المهجع؟

–كنت معها.

–…!!

–تستيقظ ليلاً وهي تصرخ ثم تدخل في نوبة من البكاء العالي.. نوبة قد لا تنتهي حتى الصباح.

سكتت الحاجّة وسهمت بعيداً، وهي تدسّ طرف حجابها الأبيض في ياقة البلوزة القطنية.
1984

–ما في نوم.. اليوم سنظل نضربك حتى تعترفي.

صاح المحقق، بعد أن أنزلوا هند ق. إلى القبو، وشرعوا بالتحقيق معها.

الطميشة على عينيها، الأصوات حولها من هنا وهناك.. كأنهم كانوا يريدونها أن تجنّ.

بالتأكيد كانوا يريدونها أن تجنّ.

–تضعونها تحت دوش الماء البارد بعد كل فلقة.. وإذا ما جابت الشباب بتحطوا لها الكهرباء..

صرخ الضابط، قبل أن يغادر غرفة التعذيب، ويتركها لعدد مبهم من العناصر كي يكملوا تعذيبها.

بدؤوا بالدولاب، حشروها فيه، راحت العصي تنهال على قدميها وساقيها وجسدها المطوي، حتى كاد يغمى عليها. وتنفيذاً لأوامر الضابط شحطوها، وهي شبه فاقدة للوعي، تحت الماء البارد.

أعيدت الكرّة مرات. حين يكاد التعذيب يغيّبني عن الوعي، يعمل الدوش البارد على إعادتي إلى الحياة.

لا أذكر إلا جسدي وهو يسبح في فضاء آخر. ألم فظيع يجعلني أتهاوى، ثم دفق ماء بارد كالثلج، يعيدني من جديد إلى غرفة التعذيب.

أخيراً أشفق أحد العناصر عليّ. همس لي بصوت مبحوح خافت بعد أن أصبحنا وحدنا:

–اشلحي الفيلد من شان تلبسيه بعد الدوش.. ووقفي على جنب.

ما كان منه إلا أن تركني أتهاوى على الحائط، وعاد بعد لحظات جالباً قصعة معدنية. عبأها بالماء، وصار يرشّني بها بلطف. لكني لم أستطع أن أتبين وجهه من تحت الطميشة.

همس من جديد:

–إذا قالو لك قعدت تحت الدوش بتقولي إيه..

ظلوا يضربونني طيلة الليل.

في أول الصباح تركوني واقفة بلا استراحة في غرفة التحقيق. كنت منهكة حتى الموت، لكن إحساسي، من تحت الطميشة، بوجود مراقب منعني من الانهيار على الأرض.

كان الجلوس، أو حتى الاتكاء، يعني عقاباً جديداً ليس باستطاعتي تحمّله بعد. بقدرة ما ظل جسدي متماسكاً، ولم يتشظّ على الأرض إلى عشرات الأجزاء المفككة، تعباً وألماً وإحساساً بالعجز أمام كل ذلك القهر اللامتناهي.

حين دخل المحقق من جديد، مصطحباً شتائمه معه، وعلم بعدم اعترافي، صاح كالممسوس:

–لا تطعموا هذه الكلبة.. ترمونها بالمنفردة، وتجعلون أرضها كلها ماء وبدون بطانيات.. والباب مفتوح.. ويظل عنصر على الباب.. تمنعونها من النوم والطميشة على عيونها، وحين تجلس تضربونها حتى تقف.. لنشوف أنا أم هذه الكلبة..
رميت في المنفردة حافية.

كان محالاً أن يدخل أي حذاء في قدمي المنتفختين والمتقرحتين. الملح، المرشوش على أرض الزنزانة، يستفزّ أسفل قدمي كالسكاكين، والألم، تركّز هناك، يصعقني كل لحظة حتى يصل حدّ الموت..

ثم ملؤوا الزنزانة بالماء، وأجبروني على الوقوف حافية طيلة الوقت في شتاء مارس، كان استثنائياً بمطره وبرده في تلك السنة، سنة 1984.

في اليوم الثالث لوقوف هند في المنفردة، وحين لم تعترف، وضع الجلادون الكهرباء بين أصابع قدميها.
بعد ضربتين على الجلد المتقرّح غابت عن الوعي.

عندما استيقظت، كانت هند ممدة على طاولة معدنية عالية، ورجل يرتدي الأبيض يدهن أسفل قدميها باليود.

رائحة اليود القاسية تثير غثيانها. ألم عميق يتشعّب من الأسفل مروراً بأجزائها وحتى داخل رأسها. والطبيب المتجهّم صامت طيلة الوقت لم ينطق بكلمة. كانت تتمنى أن يكلّمها، يسألها عن أي شيء، أو حتى يشدّ أزرها بنظرة. لربما نشلها همسه المتعاطف من ضعف مقيم امتلكها.

لم يتنازل عن صمته!

بعد أن انتهى أعيدت هند إلى الزنزانة من جديد.

مع الوقت صار السجان يغادر باب الزنزانة لفترات وجيزة. الأمر الذي جعل هند تجلس، ولو لدقائق، حين يذهب، وتعود للوقوف وقت تقترب خطواته في كوريدور الفرع.

مع الزمن صارت متأكدة أنه يقوم بكل ذلك تعاطفاً معها. يجعل باب المنفردة موارباً، بدل أن كان مفتوحاً بشكل دائم!

وحين يعود يعمل على خبط الأرض بقدميه عامداً، فتتحامل هند على نفسها وتقف، على الرغم من أن صدى خطواته القادمة كانت أشبه بخطوات فيل تضجّ بصداها جدران الفرع كلها.

خلال تلك الأيام استطاعت هند أن تشتري من السجان، ببقايا نقود بقيت في الفيلد العسكري، وكانت ما تزال ترتديه:
باكيتين دخان حمراء، منشفتين، وعلبة محارم تواليت.

أما المحارم فقد تحولت إلى سجادة واهية، لم يكن الماء يصلها حتى تنقلب إلى وسادة أسفنجية مبللة، تزيد البرد في جسدها بدل أن تقيها منه..

البرد كان مجنوناً مجنوناً..

بعد سبعة أيام كنت ما أزال متكئة في زاوية المنفردة، ربما كان منظري يرثى له، كنت أحسّ بجسدي يتلاشى، وأشعر بهزاله بعد أن راح سرج البنطال يكاد لا يعلق بخصري. كنت أحسّ بشفقة بعض السجانين علي من نظراتهم.
دون طعام ولا بطانيات.

الماء ما زال يغطي الأرض..

ركبتاي توجعانني، دون حذاء. جروحي تقيّحت، وراحت تنزّ صديدها.

مرت أيام طويلة دون أن أتمدد ولو لدقائق.

فُتح الباب فجأة، لم أستطع الوقوف من فوري، فقد كان إنهاكي أشبه بالموت. فكرت لثواني: سأعاقب بالتأكيد..

غير أن السجان، لدهشتي، لم يقل أية كلمة، ولم يقم بأي فعل، إلا أنه أغلق الباب.. تنفست الصعداء، وأنا متكوّمة في مكاني في الزاوية.

غاب السجان قليلاً ثم عاد.

كان يشتم، يسبّ عناصر الأمن وقلوبهم الحجرية، يشتم زمناً رماه هنا، وجعله يرى صبية على هذه الحال.

يشتم ويشتم..

جلب معه بطانيتين، واحدة فرشها على الأرض، ورمى بالأخرى لي، ثم قال قبل أن يذهب:

–رح تخلص دوريتي الساعة 6، الصبح لازم تفيقي قبل ما تخلص من شان ما يشوفوني أعطيتك البطانية.

لم أصدق أن بإمكاني أخيراً أن أتمدد!

أن أنام كالبشر العاديين مستلقية، وأتدثر أيضاً ببطانية!!

يا إلهي.. كان الحدث أكبر من أحلامي.

لا أذكر إلا إني خلال ثوان غبت في نوم عميق عميق.

لم تستيقظ هند، ساعات الليل مرّت عليها أشبه بهنيهات، وكان رجل ما يهزّها بجنون صائحاً:

–قومي يا 48 قومي يا 48..

يصرخ باسم منفردتها وقد غدا اسمها، وهند لا تستطيع الاستيقاظ..

لما أحسّ أن الصراخ لن يفيد، شدّ البطانية من تحتها، وخطف الأخرى، وطفق يهرول في الكوريدور قبل أن يلمحه أحدهم..

مرمية على الأرض الرطبة، غواية النوم والتدثّر ما تزال تمتلكها، كان شعور الامتنان للسجان الغريب يغمر هند تماماً.
بقيت هند ق. في المنفردة 15 يوماً بدون بطانيات.

سمحوا لها في اليوم السابع بالخروج إلى الحمامات. حينئذ استطاعت أن تقعد قليلاً. كان التواليت بالنسبة لها ترويحاً عن النفس.

في اليوم الخامس عشر جلبوا لها الأكل صباحاً، فلم تأكل. وجاء مدير السجن يصيح أمام المنفردة:

–خير يا 48 ليش مارح تاكلي؟

–ما بقى فيني اتحمل بدون بطانيات.

هز رأسه وذهب.

بعد قليل جاء أحد العناصر، طالما كان لطيفاً مع هند، يصرخ فرحاً وهو يقترب في الكوريدور، حتى أن صوته سمعه جميع معتقلي المنفردات:

سمحوا لك بالبطانيات.. سمحوا لك بالبطانيات..

يومها أعطاها عشر بطانيات عسكرية وعازلين (عبارة عن بطانية عسكرية سميكة مخيط إليها عازل نايلوني سميك من أسفلها)

لأول مرة، بعد أيام طويلة، تنام هند باطمئنان لساعات متواصلة. ويبدو أنها أغفت طويلاً حتى استيقظت والليل قد حلّ في طاقة الزنزانة الصغيرة.

مع الزمن ومن أجزاء الفروج، كانوا يدخلونه إليها كل حين، شفّت هند عظمة مدببة قاسية، صارت تستخدمها، بغياب الأقلام والأوراق، لتحكّ على الحائط الإسمنتي العاري ما يخطر لها.

بذلك نقشت هند كثيراً من الجمل والخربشات، وملأت جدران الزنزانة بكل ما اعتمل في روحها، بكل الأغاني والكلمات، بحالات الحب الغامض، وبالحزن والأمل.

أما فوق الباب مباشرة فقد حفرت جملتها الأثيرة: غاب نهار آخر.

بالعظمة أيضاً عملت هند على نقش روزنامتها الخاصة، استطاعت من خلالها معرفة مرور الأيام المتشابهة والمتكررة، كدوامة لا بداية لها ولا نهاية.

كانت الروزنامة تبدأ بيوم الاثنين: يوم اعتقالي. وبما إني لم أكن لأتكهن بمدة اعتقالي فقد رحت، في صباح كل اثنين، أشخط خطاً صغيراً عمودياً، حتى يستوعب حائط الزنزانة الضيق روزنامتي الآخذة بالامتداد كل أسبوع. كما إني حفرتها وراء الباب الحديدي، حتى لا يلمحها السجانون حين يدخلون الزنزانة.

الشيء الأساسي الذي كان علي أن أتأكد منه كل صباح.. هو قدوم الصباح!

لم يكن ذلك صعباً في الحقيقة، رغم غياب الشمس وضوء الحياة، لأن الصخب المجنون يخلقه السجانة كل صباح، وهم يفتحون ويغلقون أبواب الزنازين الحديدية، على طول كوريدور السجن الطويل، كان كافياً، لأن ذلك يعني أنهم يوزعون قصع الفطور على المعتقلين، ويأخذونهم، كل بدوره، إلى الخط (خروج المعتقلين ثلاث مرات في اليوم إلى التواليتات).

بقيتُ في الاعتقال الثاني أكثر من شهرين في المنفردة ذاتها. ومن ثم نقلت إلى سجن النساء الأول، وبعده إلى سجن النساء الثاني.

أما هناك فقد كانت حياة جديدة.. جديدة تماماً!

بعد سنتين من ذلك، في سنة 1986 اعتقلت حسيبة ع.

مرّ أكثر من 11 يوماً حتى اكتشف فرع الضابطة الفدائية الفلسطينية هويتها. كان الاعتقال الثاني لها، والسنة ما تزال في بدايتها.

إثر اكتشافهم الأمر، بأن حسيبة عملت على إخفاء حقيقة هويتها، صار العناصر يقحمون الخرق الوسخة والأسمال في فمها، يغلقونه بتلك القاذورات، حتى كادت تختنق.

لكن غلّهم تجاهها لم يشفَ، فانهالوا عليها بالكابلات الرباعية على قدميها وساعديها وأجزاء جسدها الأخرى، وهي مقيّدة مرمية أرضاً بحيث لا تستطيع الحراك.

كلما كان جسدها يوشك على الانهيار، أو تقترب من الإغماء، يدلقون سطول الماء عليها كي تستيقظ.

ويعاودون التعذيب مجدداً.

كتكملة لحفلة التعذيب تم صعق حسيبة بالكهرباء. صعقت مرات ومرات قبل أن تُبعث، شبه منهارة جسدياً، إلى فرع الأمن2 العسكري.

في فرع الأمن2 كان ينتظر حسيبة ما هو أكبر.

الاعتقالات هناك على قدم وساق، الفرع مليء بالمعتقلين، والزنازين متخمة على آخرها. الأمر الذي جعلهم يرمونني في كوريدور الفرع.

أفكر اليوم بأني عشت الجحيم بكل معناه هناك.

بقيت أياماً بلا نوم ولا طعام، لا يمكنني أن أسمع إلا صراخ المعتقلين وهم يعذبون بوحشية، وأصوات المحققين والأنات..

لأيام لم أعِ شيئاً متمايزاً، كنت كمن ألقي في هيولى ليس لها تحديد. هيولى قاتمة، أترنح فيها والطمّيشة على عيني لا يسمحون لي بخلعها.

لا أذكر إلا دخولي إلى غرفة التعذيب، مطمّشة بالطبع، أعذّب لساعات، يحقق معي، ثم أرمى في الكوريدور حتى موعد الجلسة التالية.

أحسّ أجساد المعتقلين والمعتقلات، المشلوحين مثلي على الأرض، تحيط بي من كل جانب.

دماء وماء وصياح وأنّات.. إنه الجحيم الحقيقي.

الكرسي الألماني كان له نصيب أيضاً من جسدي. هذا ما أتذكره بدقة، رغم أن تفاصيل التعذيب تغيب عني في بعض الأحيان، لا أكاد أستحضرها بدقة، وأنا في ذاك الجنون لأيام.

أذكر شعري، كان وقتها طويلاً، وهو يتملّخ بين أيديهم. يضربون رأسي بالجدار، يشحطونني على بلاط الغرفة، ثم يسلخونني بالكهرباء على فمي ولساني وأصابع قدمي ويدي. لم أكن أعرف من أين يأتيني الضرب، ولا من أين تصيبني لسعات الكهرباء..

أصوات في كل مكان.. أصوات.. أصوات..

كأني دجاجة مذبوحة للتو تفرفر على الأرض.

بعد أكثر من أربعة أشهر في المنفردة نقلت حسيبة إلى مهجع المعتقلات. كان في المهجع معتقلتان من بعث العراق ومعتقلة واحدة عرفاتية. يومئذ أُحضر الطعام لهن، وهو قصعة من البرغل لكل معتقلة كما معظم الأوقات.

على الرغم من الجوع الشديد، الانتظار المضني للطعام، تركت المعتقلتان قصعتيهما جانباً بعد تذوق لقيمات قليلة منه.

وراحت العرفاتية في نوبة من السعال.

ثم جلسن دهشات يتأمّلن حسيبة، استمرت تأكل بنهم شديد كأن شيئاً لم يكن.

–كيف تستطيعين الأكل؟!

سألتها العرفاتية مستغربة.

–الأكل مالح كتير.

أردفت معتقلة بعث العراق.

لحظتئذ فقط عرفت حسيبة أن ثمة مشكلة ما في التذوق لديها، ولا بد أن يكون بسبب لسعات الكهرباء على لسانها. أمر لم تكتشفه وحدها في المنفردة طيلة شهور، فلم يكن هناك من يقول لها بأن الطعام مالح جداً.

احتاج الأمر إلى شهور أخرى كي يعود شعور حسيبة بالطعوم تدريجياً.

زمان الفرع ذاك وأيامه العصيبة دوّنتها ناهد ب، حالما انتقلت إلى سجن النساء.

كانت تشعر أن كل ما حدث هناك سينسى إن لم تكتبه. سيضيع من الحقيقة، وتنشله الأيام من الذاكرة مهما كان راسخاً.

دفتر مدرسي صغير ومهمل، اشترته من الندوة الصغيرة في آخر باحة السجن. أصبح ذلك الدفتر ديواناً لكل ما يمكن أن تشعر به، تحلمه، يحدث لها أو لغيرها.

سمّته: دفتر مذكراتي، وعليه كتبت:

“سمعنا صراخ انتصار وتصفيق، وهي عادتهم عند كل اعتقال رفيق جديد يعتبرونه مهماً، من نافذة فوق السقيفة مطلة على الطابق العلوي حيث يجري التحقيق.

ثم تلى الضجيج صرخات ألم ناتجة عن التعذيب. صرنا نطرق جدران الزنازين علّنا نحصل على اسم المعتقل الجديد.

ولم يدم بحثنا طويلاً إذ فتح باب المزدوجة، وطلبوا بثينة. فتهاوينا مدركين أنه نزار زوجها، وكانت قد أخذت رهينة من أجله. وعندما عادت أخبرتنا بأنهم عذبوها أمامه.

في نفس اليوم علمنا أنهم اعتقلوا مضر ج.، وكنا قد سمعنا أصوات تعذيبه، دون أن ندري أنه هو، لمدة تسع ساعات متواصلة.”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق