أنثى اللغة بين المطرقة والسندان

في معجم صغير جمعه الدكتور خليل أحمد خليل أواخر السبعينات، تعرض فيه للصفات والمفردات التي تتناول المرأة في اللغة العربية، وجد أن أغلب هذه الصفات تتعلق بأحوال جسدها من جمال وقبح وصحة ومرض، عدا عن التوصيف الدقيق لكل عضو من أعضائها وأهميته في العملية الجنسية، من ناحية المتعة التي يقدمها للشريك الآخر. في حين أن المفردات أو الصفات التي تتعلق بعقلها أو حكمتها ورزانتها هي أقل بكثير من صفات جسدها وأحواله.

في كتابها الجديد الصادر عن دار نينوى السورية بعنوان “أنثى اللغة: أوراق في الخطاب والجنس”، تبحث الشاعرة والكاتبة الأردنية زليخة أبو ريشة في المنطقة المعتمة من اللغة، التي فيها يحدث التعاقد الخفي على شحن اللغة المستخدمة بشحنة مضادة لكل ما هو أنثويّ، لصالح سيطرة وهيمنة ذكوريتين بامتياز، تتسلّط على مقاليد المجتمع المادية ومفاتيحه الرمزية. وذلك لأنّ اللغة هي الحامل الأساسي للتعبير عن الذات في العالم الذي يحيى فيه حاملوها. “وبذلك تكون اللغة “مؤسسة” موازية وداعمة للهيمنة الذكورية. إنها تضطلع بدور العادات والتقاليد، وبدور الشرائع والقوانين، وبدور المضمون الاستعلائي القمعي الذي يحمل نظرته الدونية لجنس النساء، ولمرض الخوف من أو رهاب النساء” ص 21

يبدو جهد زليخة أبو ريشة في التأسيس والدفع باتجاه لغة بديلة عن اللغة السائدة تحمل في ثناياها صوت نصف المجتمع، أمراً مشروعاً تماماً مع أنه يتعارض بشكل كبير مع شدة السيطرة والتمنع الذي يبديه أصحاب اللغة السائدة أنفسهم، الذين يجهدون في منع حدوث أي تغيير باتجاه إسماع صوت أخفي زمناً طويلاً، وهم في جهدهم يستندون إلى تاريخ وتراث بعيد وموغل في القدم استطاع أن يوطّد سلطته المعنوية والمادية عبر اللغة ورموزها.

تستقصي أبو ريشة في المعاجم العربية قديمها وحديثها لتدعم أطروحتها، دون أن تتوسع فيها، فتقع على تناقض كبير في المعنى الإيجابي الممنوح لكل ما هو مذكّر، والذي يتعارض مع المعنى السلبي لكلّ ما يتعلق بالأنوثة، وذلك حتى على مستوى معجم حديث مثل المورد لمؤلفه منير البعلبكي الذي تنقل عنه أبو ريشة بعض المعاني مثل:

Writer الكاتب، المؤلف

Generous سمح، شهم، نبيل

Gay مرح، مبتهج، زاه (أغفل المعنى الآخر للكلمة والتي تعني: ذكر ذو ميول جنسية مثلية)

وحتى على مستوى فعل To Breast -, suckle, nurse (أرضع) يتم تجاهل الأنثى وتفترض المفردة المستخدمة أن الفعل يقوم به رجل.

وتورد غير ذلك معاني مفردات أكثر تطرفاً، يتم فيها تجاهل المرأة وتجييرها لصالح الرجل. باطلاعها على القواميس النسوية الغربية الحديثة تستنتج أن من غير المجدي ترجمة هذه القواميس إلى اللغة العربية بسبب الفجوة الثقافية الهائلة التي تفصلها عنا، ومن الأجدى بالنسبة لها، الاستفادة منها في إنشاء قواميس عربية خاصة تعمل ضمن خصوصية الوضع الثقافي العربي وهو ما تقوم به على نحو محدود جداً.

النجاحات التي حققتها المرأة في بعض البلدان العربية، من ناحية القوانين والدساتير السائدة على محدودية هوامش الحركة فيها، لم تتسرب ولم تترجم حتى الآن إلى اللغة اليومية السائدة أو تنعكس على السلوك اليومي للرجال والنساء معاً ونظرتهم للمرأة. خاصة أن المرأة تعمل في بعض الحالات ضدها جنسها من ناحية تبني نظرة المجتمع الذكورية لها وإعادة إنتاجها وقولبتها بلغتها هي، وهي بذلك تضاعف استلابها ويضاعف من صعوبة مهمة تحرير اللغة من إرثها الذكوري المهيمن.

لم تتعرض الكاتبة إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة وصورة المرأة فيها بالشكل الكافي. والتي تقدم فيها وفق الصورة النمطية السائدة رغم المظهر الحديث لها، فتخص المرأة بكل المواضيع التي لها علاقة بالطبخ والأسرة وجمال الجسد ونظرة الرجل للمرأة، وما يريده الرجل منها وما يعشقه فيها، دون الخروج ولو للحظة خارج فلك تفكير الرجل. في حين أن السياسة والمعارك والحروب والمجتمع والاقتصاد، جميعها تبدو ميادين رجالية بامتياز. ولا يكفي ما قامت به الكاتبة من مراجعة عدد واحد من جريدة القدس العربي ليعكس هذه المضامين كلها ويسد هذه الثغرة.

نقطة أخيرة، لا تبدو استعادة أبو ريشة لزوبعة رواية ذاكرة الجسد من جهة تحليل لغة الرواية المذكرة التي تنطق بها امرأة، وهو مأخذها الأساسي عليها، أمراً موفقاً يتناسب مع مضمون الكتاب وتوجهه، بل بدا في الحقيقة أمراً زائداً لا حاجة له خاصة وأنه يشغل مع الملاحق حوالي نصف الكتاب. إذ المهم في هذه الحالة التعامل مع نصوص أدبية أكثر أصالة وإبداعا من كتاب مستغانمي المذكور.

{{أنثى اللغة: أوراق في الخطاب والجنس

تأليف : زليخة أبو ريشة

الطبعة الأولى : 2009

إصدار دار نينوى – دمشق – سورية}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This