«أنطولوجيا شاعرات العالم العربي».. خمسون صوتاً في اجتماع طارئ / مازن معروف

تشبه الأنطولوجيا التي أعدتها الشاعرة السورية مرام المصري بالفرنسية بعنوان «Femmes poètes du monde arabe» (Le Temps des Cerises) رسماً بيانياً، مسنّناً، بخطوط وكتل لكل منها صوته ووحدته الشعرية، وحدّتُه، وأسلوبه في الاختبار والاستفزاز والنبرة والارتفاع أو الخفوت، وبالتالي في الكتابة. ولا يأتي استعمالنا هنا للخطوط المسننة كتشبيه كون الأنطولوجيا مشتملة حصراً على أصوات نسائية من العالم العربي، ولا كون أغلب هذه الأصوات شابة وجديدة وغير معروفة بالمقياس الترويجي الاعلامي (رغم وجود بعض الأسماء المخضرمة والأغنى تجربة)، بل لأن لكل كتلة شعرية محيطها السياسي والاجتماعي العميق والبعيد الذي أسهم في انبعاثها في لحظة ما – قريبة، وهو ما يعني أن ما يقف في ظلِّ هذه الانطولوجيا هو بعض المسوغات السياسية والدينية وكوم التقاليد والعادات غير العادلة والتي استخدمت لتكريس «تفوّقٍ» مزعومٍ لجنس على جنس آخر.

المفارقة أن عملية تجميع الأصوات الشعرية المتناثرة في تجاعيد مجتمع الشرق الأوسط، جعلت من الأنطولوجيا انعكاساً شعرياً جماعياً مندفعاً باتجاه إدانة محيطه، فقط من خلال الإشارة إليه كبيئة تربوية أو مرجع اجتماعي. من هنا، ينفصل العالم إلى جذعين كل منهما يذهب في اتجاه. إذ هناك الصوت الشعري الأنثوي، محتلاً الطبقة الظاهرة، الفجة، التي نقرأها (نتغاضى هنا عن مستوى القصيدة)، ثم هناك من يستتر خلف العامل الاجتماعي والظرف المتراكم الذي ولّد القصيدة، أي الذكر. مسافة شاسعة إذاً، بين من يدفع بالظرف لتطويق المرأة وإدانة كل محاولة منها لتحقيق استقلاليتها، وبين من يمتص هذا الظرف ويقلبه شعراً وينقلب عليه. المرأة الشاعرة في هذه الأنطولوجيا تترك فراغاً «غير مفهوم» لمؤسس التقاليد الذكر، ولمريديه وأتباعه سواء كانوا حداثيين وثوريين ومثقفين أم نقيض ذلك. وتبرهن نفسها لنفسها، لبنات جنسها، ككائن مستقل عن أي إشراف ذكوري أبوة أو شعراً.

الانطولوجيا التي أعدتها المصري تسمح من منطلق احتفائها بالقصيدة «النسوية»، بمعاينة التطور اللغوي وإجراء نوع من المقاربة اللغوية إلى حد ما، بقياس قصيدة لشاعرة مخضرمة بقصيدة أخرى لشاعرة أصغر سناً وبالتالي كشف الاتجاهات الشعرية الجديدة في اللغة والصورة والسياق.

وصدور الأنطولوجيا في هذه المرحلة من الثورات التي يشهدها الشرق الأوسط يتكامل مع هذه الثورات، ويتواءم تماماً مع أحد أهم مرتكزات الحرية التي تنادي بها الشعوب، وهي تحقيق استقلالية المرأة، وليس فقط المناداة بحريّتها. ذلك أن الرجل، الذي يمتلك إرثاً ذكورياً قمعياً طويلاً ليس أبداً، لا يزال مهيمناً بخبرته في تسلّق كل المحاولات النسوية وللتقدم عليها وتعديل وجهتها لمصلحة تمكين موقعه.

خمسون صوتاً شعرياً تبدو أقرب إلى اجتماع طارئ، احتجاجاً ضد طبقات من الزمن وتراكمات مهولة من الممارسات المجحفة بحق كل الناس غير الشاعرات، الغائبات، الماضيات، اللواتي لم يعدن أكثر من أسماء على لوحة قبر رخامية، ومنهن كثيرات ممن لم يجرؤن على رواية قصصهن، وربما كتبن الشعر أيضاً وأتلفنه وهن يحضرن وجبة الطعام لأزواجهن. الشاعرات الحاضرات في هذه الأنطولوجيا يكرّمن أيضاً نساء يقفن على الضفة الأخرى من الجرأة، وعلى الضفة الأخرى من الفن والشعر والكتابة، وهن يحكين، أنفسهن كنساء فرادى، وفي الوقت عينه، لا يفصلن هذه اللحظة عن كل ما أدى إلى انبعاثها ولو في كتاب صادر خارج المنطقة.

كان مطلوباً عبر العصور أن ترتد كل القوانين الاجتماعية الذكورية عبر أغشية الزمن وتتفلتر مع الوقت للتخلص من مسوغاتها غير العادلة فتصبح مسلّمات. وبالتالي يتم التعامل معها على أساس قواعد بديهية لا مجال لمناقشتها. غير أن التاريخ يكشف لنا ما يبدو الآن وكأنه «مفارقات» كواقع أن المرأة في إحدى مراحل ما قبل الاسلام، امتلكت السلطة المطلقة والقرار الذاتي والقوة في قبيلتها للتخلص من زوجها. فكانت ما إن تقوم بتغيير اتجاه باب الخيمة (بيتهما الزوجي)، حتى يعرف البعل أنها طلقته. يوضِّب أغراضه ويرحل. بينما تقرر هي متى وكيف تتزوج برجل آخر. وهي اليوم، تحرك باب خيمة الشعر، لنقله خارج سلطة أيدي الرجل/ الذكر/ الشاعر، في محاولة أخرى، تُضمُّ إلى محاولات سابقة لرائدات عربيات في القصيدة.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق