أن ننسى لنملك أوهامنا…نزهة خطرة بين سلطة الذاكرة وفضاء الوهم

لعل حنين الإنسان إلى اليوتوبيا وتوقه إلى الحرية الغائبة والمغيبة عن أزمنة الناس في بلادنا وشوقه النوستالجي إلى الطقوس والشعائر التي غابت عن راهن حياته ولبثت في أغوار لاوعيه ومكبوتاته، هو الذي يمضي به إلى التشبث بسلطة الوهم وتبني آليات التوهم ليواجه بهاالعنف الذي يحكم عالمه بطقوسه التدميرية وغرائب طرائق القتل فيه، مما يديم تهديد وجوده في كل آن وهو الطريد المحاصر بفخاخ هنا وكمائن هنا…

ترى أين يتجه هذا الإنسان المطارد وهو في عجزه عن المواجهة والهرب؟ من سياخذ بيد هذا الكائن المرصود لميتات عبثية؟ ومن سيكون حامي هذا الكائن المهدد الخائف في غابات البشر من بائعي رؤوس الناس في صناديق تفاح وموز ومن مكفري الخلائق والمتخذين من انفسهم قضاة، ينزلون القصاص بالأغيار وكأن الـرض خلت من أي قانون أو شريعة، ترادفت فيها المجازر وأبادت الذين لاذنب لهم غير أنهم وجدوا أنفسهم على دين ذويهم أو أنهم توارثوا الصفات وتقاليد الأسلاف في أرض ضمت منذ آلاف السنين – أجداث أصولهم وتراث العقول النيرة من مبدعي العصوركلها أو أنهم من أولئك الساعين في الأرض لطلب رزق أو علم أو من الغافلين العابرين جهات الأرض إلى حلم أو البانين صرحا من صروح الحضارة والبقاء…

ليس أمام الميت التالي أو المقتول اللاحق غير أن يركن إلى يقين بقى من عداوة الجاهلين ويحاول أن يوجد في اللحظة الضارية مؤمنا بأن حياته، التى لاتعني للقاتل غير إطلاقة في الرأس، توازي حياة الناس جميعا في شريعة السماء .

من يعزي المرصود للقتل؟ لا أحد غير فسحة وهم صغيرة بحجم حلم يخشى الإفصاح عنه، ويحتضنه ويحميه كأنه سر خلاصه ويتبناه ويؤمن به حتى ليصير مالك زمامه ومحرك كينونته الحاضرة وتصوره لما هو آت من أيامه إن أتى…

الوهم ، آنئذ، يقره باعتباره أمرا مسلما به بينه وبين غريزة البقاء لديه، فيأخذه علاجا ، ويمارسه اعتيادا، أو وسيلة ورثها من أسلاف حالمين وعمل على تطويرها عبر الأزمنة، واعتنقه في جميع مراحل نموه وتطوره الحضاري…

فيوض الوهم تمد الإنسان بقوة دافقة تتوالد في أعماقه وامداء روحه المهددة ليجابه بها الخواء والعدم الذي يلاحقه بشكل حروب أو عنف منظم أو إرهاب أو إرهاصات مجتمع متغيرأو حتى فشل شخصي، وتماثل قوة الوهم ومضة برق أو شررا بوسعه إشعال الحريق في ركود المخيلة والتكرار البليد ليوميات العيش ومستلزمات البقاء ويسمو بصاحبه فوق تدابير المحو والفتك ولو إلى حين من الوقت.
المبدع والوهم
يقف المبدع في فضاء الأمكنة ومديات الزمان، وينوجد ضمن حركة الأحداث حيث التغيرات المتوالدة عن مرور الزمن و تبدلات الأمكنة واندثارأساطير وتقوض مفهومات وموت طقوس وتهاوي قيم وامحاء ظواهر وتوالد بدائل عن كل مندثر أو ممحو. وبإزاء هذا التقوض والاندثار والتغير المتواتر، يتمسك الفنان بشيء يحتمي به من التهديدات التي تتر بص بوجوده ونتاجه ويحاول أن يلوذ بأفيائه المفترضة ويحيا في تدابيره اللامرئية.

إنه يحتمي بالوهم الجميل مقابل قبح الواقع وسلطته الفاتكة، تتغير أشياء وتزول أخرى وتحل محلها
أشياء وأشياء، غير أن الوهم يبقى ملاذ المبدعين والقوة التي تحكم سيرورة الجهد الإنسانيبداع وعيشا، يملأ شواغر الوقت وثغرات الأمكنة التي تنشأ عن التحولات الاجتماعية والإقتصادية والسياسية والمعرفية والتغيرات التي تتكفل بها الطبيعة من زوال ونشوء.

كل ابداع مبتكر هو نتاج مخيلة “تتوهم” يدرك معه الفنان أنه يلج منطقة أخرى موازية للواقع أو متقاطعة معه، هي فضاء الوهم الذي ما إن يبلغه حتى يقع تحت هيمنة سحره وغواياته وإمكاناته التي لا تحد…

العمل الإبداعي ، إجراء بديل للسحر البدائي لدى الإنسان الأول لانطوائه على علامات وشيفرات تخلق وهما وتقدم بديلا عن واقع ما أو صورة محورة عنه أو شكلا ممسوخا له. وينطوي العمل الفني أو النص على مفاعيل سحرية تفتن وتقود إلى استيهامات نعوض بها -منتجين أو متلقين- عن نقصان أو غياب مقومات وجود أو اشتراطات بقاء. وتعيننا هذه التوهمات ذات التأثير السحري على جعل حياتنا ممكنة ومحتملة لنواصل التحرك في المديات المتاحة لوجودنا الإنساني. وهكذا نجتاز خط الحظر وندخل أقاليم الغرابة عندما نبدع أو ننشغل بفكرة أو ننام، مستعينين بالوهم للامساك بالمستحيل في لحظات الرؤيا. وعندئذ نتحول وندخل أطوارا متباينة، فنكون مرة أبطالا لنصوصنا أو شهودا على شخوص أعمالنا. وفي النوم نكون أبطال أحلامنا أو متفرجين على مستحيلات أحداث نقوم بها بأنفسنا. أما عندما يأخذنا الفكر والتفكر، فإننا نضع أنفسنا بدلاء عن أنفسنا أوعن آخرين سوانا، أي نكون أنفسنا ولا نكونها في الآن ذاته. نفكر بالآخر وله ومعه، خارج حدود وجودنا المادي والمجازي لهدف بسيط وغامض، معلن وخفي: أن نملأ مجلدات الزمن- زمننا بأشياء وأحداث مصنوعة بمزيج من اللغة والصور. احداث توهمنا أو أوهتمنا أو نوهم الآخر بحدوثها. وندعي أو يخيل ألينا ـننا شاركنا فيها أو شهدنا وقوعها.

بوهمنا الساحر وبتوهمنا الخادع نرص في الفراغات الشاسعة المحدقة بمخاوفنا، التعابير والجمل والمقاطع والصور والألوان والأنغام ونملأ الأمكنة والوقت باستعارات نستمدها من واقع متخيل لنقترح واقعا وهميا في العمل الفني، فنبتكر سلالات وبحارا وعوالم ونجول في الفضاء أو يستغرقنا
التصدي لأضداد يتوالدون من عذاباتنا، أو نوجد أحباء ينهمرون من فجوات أشواقنا الإنسانية أو نحظى برفقة وتتفتح بين أصابعنا حزمة من آمال ونجترح مآثر ونقطف متعا ونحيا مباهج لالأرضية وبذا نستبدل ما ينقصنا بالوهم منطلقين من تصوراتنا عن واقع ما، تمدنا به المخيلة بعون من وسائل التعبير المختلفة، لا لشيء إلا لنعوض عن فقدان حيثيات كثيرة أو غيابها من حياتنا أو لطغيان حيثيات أخرى عليها، مما أفضى إلى تغييبنا عن ممكنات الواقع، فنعيش وهما يهديء من وتيرة إقصائنا عن المشهد الحياتي ويرجيء – وإن إلى حين- لحظة فنائنا.

الإبداع إنما هو إقرار بوجود حلم، بإمكانات أخرى نتوهمها، نرغبها وننشدها وهي كامنة فينا ومتموضعة في مخيلاتنا صانعة أوهامنا الفردوسية.
في الكتابة –الإبداع نقصي “الآن” والـ “هنا” من أجل “الآتي” والـ”هناك”، بعون من آليات التوهم والتخيل وإمكاناتهما وتـأخذنا متع الوهم إلى معابر تنقل خطوتنا إلى أزمنة وأمكنة مغايرة، سواء نحو الماضي على سبيل الاستحضار والتذكر أو باتجاه المستقبل عن طريق الحلم والتخيل. ولكن الذي يساعدنا على المضي في النزهة الخطرة من غير أن نتراجع او نتوقف؟

إنها قدرتنا الإنسانية على النسيان والتخطي والبدء كل آونة من جديد، وذلك هو سر الإنسان مذ وجد على أرض الله …
النسيان : نزهتنا الخطرة
عندما تتلظى الذاكرة في هيجان لهبها وتدور أو تتطاول أو تشكل حلقة نارية تطوق الوعي، ترغمه على تلقي رسائل وشفرات من الماضي، من تلك الوهجات الواهنة التى تلاحقنا مع أنها رقدت في سكون حجرات الأمس، وتحاصره وتستعبده بغواياتها فتثير الحنين والشغف الطفولي وتروض جموحه بمخزون من الخبرات الراسخة وأصداء الأصوات والروائح والتجارب الها لكة وتؤجج الحنين المرضي إلى ذلك الذي تلاشي وانتهى في طوايا الزمن المندحر، في محاولة لتدجين المخيلة النشطة والتحكم بها وإعاقة انبعاث نتاجها ليبقى الوعي في المنطقة الحرجة القلقة، بين القبول بمكر الذ اكرة أو التصدي لها في المعبر الخطر المؤلم الذي يماثل آلات التعذيب القروسطية، من تلك التي نراها في قلاع أوروبا الوسطى : عجلات مسننة، نير خشبي، سلاسل تنتهي بأغلال.

هذه هي الذاكرة المعيقة، حاجز المنع وسلطة الحنين الطاغية. فكيف نحد من سطوتها ونوقف فعلها الجهنمي في وعينا المحاصر؟ وكيف ننجو من ألاعيبها ومكرها؟ وهي تقف في وجهنا مشهرة سلطة الضد والآخر المعادي ، ناقض آمالنا، وكيف نقوض سلطتها ونفلت من أسنانها الفولاذ الناشبة بلحم حاضرنا؟

يكمن الجواب في وسيلة ذات وجهين متلازمين : الوهم والنسيان… ففي اللحظة التي يحاول المرء فيها الإمساك بالوهم يتوجب عليه أن ينسى ليصدق وهمه، ولحظة يمسك بالنسيان، يمكنه أن يتوهم وينسى ـأه ينسى… وعند ذاك سيدخل أرض النزهة الواعدة –الخطرة، في عربة يجرها جوادان توأم: الوهم والنسيان.

تأخذه النزهة –المخاطرة إلى حيث يفلت من من جحيم التذكر أو نعيمه، وتقترح عليه فعل التحرر من سطوة الذاكرة وعبودية الأمس. وهذه المخاطرة – المجازفة شرط للمضي في اقتحام أقاليم العجائب، وآفاق الكشوف المدهشة، خلاصا من اليومي المكرر والمستعاد الرث. وعندئذ يوقفنا سؤال النسيان أمام تحد آخر: كيف نمسك به ونروض هيولى وجوده المضطرب فينا؟ وكيف نغلب سلطته على سلطة الذاكرة المستمكنة في عقولنا؟ أو كيف نعتنقه ونحن نهرب من لظى الأحداث التراجيدية ووجع التجارب وألم الفقدان، وندخل بوابته الكبيرة المشرعة أمامنا؟

قد نجد لدى البوابة الغامضة التي يلفها الضباب الأبدي والدخان أعمدة متبلورة شبيهة شواخص ملحية أو نفاجأ بغدران متجمدة يعلوها زبد الأحداث المتهاوية. وقد نلمح حقولا من نجيمات وزنابق، من جليد يشع نصوعها تحت شموس من صهير أبيض، ومن أجل عبورها لا بد لنا من أن نؤدي ثمن التحول الخطر من يقظة التذكر المهيمنة إلى خواء النسيان الشاسع .
آنئذ، نقدم مفاتيح الذاكرة لرياح مثلجة تدور بها في متاهات الأعصر الجليدية الأولى وندع البياض الأزلي يغمر تلك الحجرات المكتظة برماد الزمن والغبار ومواثل الموت والصدأ والاصداء، وسوف يكتسي كل مافيها بالبياض. سيغدو فراغا،عدما، ذاكرة ممحوة، مجلوة، شبيهة الغياب. وسوف تحط الذاكرة مثل طائر التم الأبيض في الهوة الثلجية ويتلاشى البياض في البياض ، وتبدأ مملكة النسيان في الظهور. وعندها تمضي النزهة في الفانتازيا الكبرى التي ترجىء إلى حين التلامس مع الواقع. ولكن ليس هذا هو المهرب النهائي. إنها النزهة المؤقتة ، والعقار المهدىء الذي تعقبه إجراءات السطوع ضمن حرارة الواقع والوقائع.

إن إمكانية ان نحيا وسط المخاطر هي إمكانية أن نحتفي بالشمس والوردة والينبوع، بالقصيدة والنغم واللون، بالجمال والحب والحلم، لنديم فعل الحياة الذي يشترط إمكانين آخرين:
– العمل إيجابية الفعل
– الوهم، أي اجتراح الرؤيا

فإذا تعذر علينا الفعل في حقب الاضطراب والفوضي والمهالك – كما هو حاصل في برهتنا الراهنة- وفي مكنة التهديد والتلويح با قصائنا مبدعين وفاعلين – من الحياة – فاننا نستبدل العدم الحاص من عجزنا عن الإنجاز، بوهم إنجاز آخر على مستوى الحلم، حتى لايطحننا الخواء وتبتلعنا الثغرات الفاغرة في الزمن والأمكنة الخطرة، ولا نقف في محنة القنوط إزاء أرجاء الفعل وعجزه عن التحقق، بل نتبنى تمثلات الوهم المنقذ ووهجات الحلم والتوق إلى المجاهل الساحرة، فلا نتبدد في هجمة العاصفة واصطفاق الموج…

لعل عبورنا من متاهات الذاكرة إلى مملكة النسيان الثلجية، يقدم لنا إمكانية مزاولة الحلم والوهم الجميل، ويهيئنا للإقدام على الفعل المرجأ. إنما علينا أن نحتاط من سطوة ذلك النسيان وشراسته ومخاطره، ونحول بينه وبين شراهته العاتية وبين احتلاله لجميع طوايا الذاكرة التي تضم كنوزنا وبذور معارفنا وموروثنا ونفائس خبراتنا، ونوجهه حتى لا يمس صروح مكتسباتنا المعرفية، بل نقوده ليطمس الخرائب ويزيح الأنقاض وركام الرماد والحراشف الميتة والخبرات المؤلمة. ونوصد بوجهه الذاهل سبل الانفراد بذاكرتنا فنجعل منه قوة بناءة لا سلطة هدم تهدد تقدمنا في الفعل وجهدنا في الإبداع وامتدادنا في الزمن.

مبدعو هذا المنعطف التاريخي الوعر هم أحوج من سواهم إلى خوض تجربة النسيان والتشبث بالوهم وتفعيل المخيلة وإلا فان حرائق الواقع ستودي بهم وتذروهم رمادا في دروب التجارب المريرة والعنف المهيمن على مفاصل الحياة العربية وآفاقها…

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق