أن نَنسى مستحيل… وأن نُنسى كذلك! / رامي الامين

في التاسع والعشرين من تشرين الأول عام ألف وتسعمئة وتسعة وستين أشرف ليونارد كلاينروك على فريق نجح في جعل جهاز كومبيوتر في جامعة كاليفورنيا “يتحدث” إلى جهاز آخر، وكان مؤمنا بأن استخدام الشبكة التي ستنجم عن ذلك سيكون بسهولة استخدام الهاتف حينذاك. في ذلك الوقت لم يكترث أحد لإختراع كلاينروك الذي عرضه للمرة الأولى في أطروحة تخرّجه عام ألف وتسعمئة وإثنين وستين، وسمع من الشركات التي جال فيها لبيعها الفكرة أن الخطة لن تنجح، وحتى لو نجحت فإن الشركات لا تريد الدخول في مثل هذا المشروع.

واصل الرجل أبحاثه، على رغم كل شيء، وحصل على تمويل من وكالة تأسست للرد على إطلاق الإتحاد السوفياتي في تلك الفترة رحلة “سبوتنيك” الشهيرة إلى الفضاء. دخل مشروع كلاينروك في الحرب الباردة، وصار جزءاً منها، إلى أن توصّل في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين إلى اصدار أول برنامج معلوماتي يتضمن “جرثومة”. يومذاك ولد الطفل المسمّى “انترنت”.

لكن كلاينروك، الذي يبلغ اليوم خمسة وسبعين عاماً من العمر، لم يتصور قطّ ظهور برامج مثل “فايسبوك” أو “تويتر” أو “يوتيوب” عندما ابتكر الإنترنت قبل أربعين عاماً، ولم يفكر للحظة في أنه سيرى صوراً لزوجة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وهي شبه عارية أو في ثياب السباحة، ولم يكن ليفكر للحظة آنذاك في أن اختراعه سوف يحمل على ممارسة الجنس عبر “الويب كام” على بعد آلاف الكيلومترات، وهو طبعاً لم يكن يفكر في أن أحدهم، سيكون في مقدوره أن ينشر “افكاره” “العظيمة” على الـBLOG خاصته بلا أدنى تحفّظ. هذا كله لم يكن في الحسبان. فقد اعلن كلاينروك خلال احتفاله بالعيد الأربعين للإنترنت، أنه يفاجأ بالبرامج التي تظهر، واصفاً اختراعه بأنه “لا يزال يافعاً جداً”. بيد أن الإنترنتت بطريقة مرعبة، تذهب إلى حد استحالة توقع الآتي. ففي أعوام قليلة باتت المعلومات، التي كانت في ما مضى، أصعب ما يمكن المرء الحصول عليها، أبسط المستطاع، فخدمات “غوغل” مثلاً تتيح لأيّ مرتاد للشبكة العنقودية أن يحصل على ما يريد من معلومات عن الموضوع الذي يطرحه على الشبكة. بكبسة زرّ على كلمة “بحث”، بعد كتابة الكلمات التي يحتاج المرء إلى معلومات عنها، يحصل على كمية كبيرة من المعلومات، بمعزل عن أهميتها أو صحّتها. هذه الخدمة، التي أصبحت من بديهيات الإنترنت، تطورت كثيراً في الآونة الأخيرة، حتى باتت تطاول المعلومات الخاصة بمشتركي مواقع التعارف، من وزن “الفايسبوك”، وذلك عبر نظام تبادل المعلومات بين الـ”غوغل” والـ”فايسبوك”. بمعنى أن كل مرتاد للـ”فايسبوك”، سيكون حكماً جزءاً من الـ”غوغل”، وسيشارك العالم مرغماً المعلومات الكاملة عنه، إلا إذا أوقف هذه الخدمة بنفسه، وهذا متاح له بطريقة أو بأخرى.

الحق في أن نُنسى

لكن المسألة تخطّت ذلك بكثير، فالمعلومات التي تحويها شبكة الإنترنت، خرجت على طور السيطرة عليها، وباتت مباحة لكل من يريد الدخول والبحث عنها، لتشكل مأزقاً حقيقياً لمعظم مستخدمي الشبكة. فقد طرح أحد المواقع الإلكترونية الفرنسية المعضلة بالطريقة الآتية: “ثمة مراهق كتب ذات مرة مقالاً فظاً ونشره على الإنترنت. شبّ المراهق، وبات شاباً يبحث عن وظيفة. أحد مستخدميه المحتملين مهووس بالإنترنت. يقع من طريق المصادفة على المقال. فهل يوظّفه؟ لنفترض أن رجلاً خرج للتو من السجن، لإدانته بتعاطي المخدرات مثلاً. هو تعافى من إدمانه ويريد بدء حياته من جديد. فهل يكون ذلك ممكناً عندما تتربص به الإنترنت لتفضحه أمام الناس؟”. هذه المقاربة البسيطة، تطرح مشكلة خارجة على السيطرة، ألا وهي عدم قدرة الزمن على لفظ المعلومات خارج الشبكة، فالأرشيف يظلّ متوافراً فيها بشكل مباح ويمكن الحصول على المعلومات في الوقت الذي يريده المستخدم، ويصعب محو هذه المعلومات إذا ما صارت مباحة للعلن، لأن الإنترنت معنية بما يسمّى “الذاكرة المطلقة”، كما يسمّيها مؤسس معهد “اوروتكنوبوليس”، حيث يحفظ كل شيء: الصالح والطالح، الذكريات والأخطاء الماضية، كتابات لم نعد نؤمن بمضمونها، مقالات نرغب في محوها، أي كل ما يشكل تحدياً أمام حريتنا العامة”. من هنا كانت الدعوة إلى سنّ قانون النسيان الإلكتروني في فرنسا، الذي لا يزال، على ما يبدو، عصياً على التنفيذ.

القانون هذا يستند إلى الحق في أن نُنسى (بضمّ النون) الكترونياً، لكنه يصطدم بمعوقات كثيرة، منها “النسخ واللصق”، حيث يقدم مستخدمون ألكترونيون على نقل معلومات تخص مستخدمين آخرين وحفظها لديهم، فضلاً عن أن هذا القانون، الفرنسي الأصل، ليس عابراً للقارات، ولا تعترف به العديد من الدول، فيما الإنترنت موجودة في كل شبر من البسيطة. والحال أن مستخدمي الشبكة هم غالباً سبب المشكلة التي ستطاردهم لاحقاً، وخصوصاً عندما يضع كثيرون منا صوراً أو معلومات على الـ”فايسبوك”، سرعان ما تنتشر لدى كثيرين. فمن الضرورة أن نبقى يقظين وأن نبقي المعلومات التي تعنينا تحت سيطرتنا، وخصوصاً أن ثمة شركات مهمتها جمع المعلومات الإلكترونية من أجل ابتزاز أصحابها الآن أو لاحقاً.

فقد تسببت صورة على موقع الـ”فايسبوك” في توقف شركة تأمين كندية عن سداد مستحقات موظفة في إجازة مرضية طويلة لإصابتها بالاكتئاب.

وبدت ناتالي بلانشار مبتسمة في صورة منشورة في موقعها، الأمر الذي رأت فيه شركة التأمين سبباً كافياً تنتفي معه مسببات المخصصات المرضية التي تدفعها لها.

وقد عدّد موظف التأمين لبلانشار مجموعة من الصور الشخصية لها منشورة على “فايسبوك”، منها واحدة وهي تبدو مستمتعة بوقتها في بار، وأخرى لحفل عيد ميلادها، وثالثة وهي متعطلة تحت الشمس.

واتخذت شركة التأمين الصور كأدلة دامغة على تعافيها من الاكتئاب واستعدادها للعودة إلى العمل. هي ابتسامة إذاً في صورة فوتوغرافية على الـ”فايسبوك”، افقدت هذه السيدة مخصصات مالية كانت تستحقها.

ثمة مشكلة برزت لدى إطلاق موقع الـ”فايسبوك”، حيث قيل إن هذا الموقع تابع لوكالة الإستخبارات الأميركية الـCIA، التي وضعت الموقع في الأسواق لتجمع معلومات عن كل مستخدمي الشبكة، ليتم الاستعانة بها أمنياً. وخرجت مقالات وتقارير لتؤكد هذا الأمر، وقد يكون صحيحاً، لا بل يمكن التسليم بأنه صحيح، لكن السؤال الأصعب: هل يمكننا أن نقاوم رغبتنا بالخوض في اللعبة؟ هل يمكن أن نقف متفرجين خوفاً من أن تحصل الإستخبارات الأميركية على معلومات عنا؟ شعرة لا تنقطع قط، تفصل بين الوجودية والإفتراضية، بين افتراض الوجود والوجود في الإفتراض. حتى الـCIA تصبح عرضة للرقابة والخرق في الشبكة التي لا حدود لها.

لا نسأل ردّ القضاء بل…

الـ”فايسبوك” هو الموقع الذي يجاهر صراحة بإفشاء المعلومات وطرحها في سوق التبادل، ففيه يتم البحث عن الأشخاص بالصور والأفلام والمعلومات الدقيقة، ويمكن التأكد من الإسم عبر الصورة أو الفيديو، أو مستندات أخرى ينشرها المستخدم. كما أنه اصبح وسيلة إعلامية وإعلانية، غاية في القوة والنفوذ. عبره يستطيع المرء أن ينشر المقالات والأفكار، الصور والأفلام، والمستندات. يمكن المرء أن يبحث في الـ”فايسبوك” عن الكثير من المعلومات التي تجعله يخترق خصوصيات الغير لمعرفة التفاصيل الدقيقة عن الأشخاص، ويمكن كل شخص أن ينشر صوراً أو معلومات عن أشخاص آخرين ويعرض هذه المعلومات على العلن عبر خدمة “التاغ” TAG، وبذلك تصعب السيطرة على كيفية استخدام المعلومات. فإذا وقعت واقعة الـTAG، فلا.

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق