أهلا وسهلا بطه حسين: قراءة لعـبـيّة في نصّ من الزّجل اللبناني

 زار طه حسين مدينة زحلة في لبنان، خلال النّصف الأوّل من القرن الماضي، عندما كان وزيرا للمعارف، فاحتفى به أهلها أيّما احتفاء. وفي حفل استقباله، نهض أربعة زجّالين يرتجلون الشّعر ويشيدون بالضّيف الكبير.

قال الأوّل:
أهْلاَ وسَهْلاَ بطَـهَ حْسَيـْنْ/ لاَزِمْ لُو عَيـْنــَيْــنِ اثْـنـَــيــْنْ
العَيْـنِ الوَاحْدَهْ بْتـِـكْفِــينِـي / خْـذْ لَكْ عَيْنْ وخَـلِّ عَيـْـنْ !

1ـ استنتاج “براغماتي”: يصبح طه حسين أعور(لغة) والشّاعر الزّجّال أعور(لغة).

وقال الثّاني:
أَهْــلاَ وَسَهْلاَ بطَـهَ حْسَـيـْنْ/ بِـدْنَا انْـقَـدِّمْلُـو عَـيْنــــَيْـنْ
تـكرِّمْ شَــحْـرُورِ الـوادي / مِـنُّو عَيـْنْ، ومنّـي عَــــيْــنْ !

2ـ استنتاج “براغماتي”: طه حسين بعينين بصيرتين(لغة)، وقد أنعم عليه الزّجّال الأوّل بعين، والثّاني بأخرى. وأمّا الشّاعران فقد أصبحَا أعوريْن(لغة) !

وقال الثّالث:
لا تِـقْبـِل يَا طَـهَ حْسَيْـنْ / تَـاخِـذْ مِنْ كِـلْ واحِدْ عَـــــيْنْ
بْقـَدّمـْلـِكْ زُوجْ عْيـُونِي/ هْديَّه لاَ قَـرْضَ ولاَ دَيــــــْنْ !

3ـ استنتاج “براغماتي”: يستبدل طه حسين العينين الموهوبتين من الأوّل والثّاني، بعينين ثانيتين بصيرتين(لغة)، فيستردّان بصرهما كاملا. وأمّا الثّالث فيصبح أعمى(لغة) !

وقال الرّابع:
مُـشْ لاَزِمْ لطـَهَ حِسَيـــْنْ /لاَ عَيـْنْ وْلاَ أكـثـرْ منْ عَيــــْنْ
اللّه خَصُّـو بْعَيْــنِ العقـْلْ/ يقـَشعْ فِيـها عْلى المَيْـــلَيْـــنْ

4- استنتاج “براغماتي”: يعيد الزّجّال الرّابع الأشياء إلى أصولها، فيحتفظ طه حسين بعماه ويحتفظ الشّعراء الأربعة ببصرهم. ولا تبقى سوى لعبة الشّعر الممتعة.

هذا النّوع من الزّجل هو نشاط”لعبيّ” Ludiqueبالمعنى العميق للكلمة.أعني هو فعل “حرّ”،متعته حاصلة فيه،أو أنّ لذّته تـتحقّـق أو هي تنشأ لحظة تحقّقه وإنشائه.فاللاّعب ينخرط فيه،من تلقاء نفسه وبملء إرادته، أي بمنأى عن أيّ إجبار أو تكليف. ثمّ ينسحب منه متى أراد. وهذا ما يجعل منه نشاطا حرّا. ولكن دون أن ينفي ذلك سلطان اللغة التي يمكن أن تقول بصاحبها ما لا يقول بها، وأن تجرّه إلى داخل علاقاتها الملتبسة. وهو،من ثمّة، لاعب وملعـوب به، في ذات الآن. فلا الزجّال الأوّل ولا الثّاني فطنا ـ وقد تبرّع كلّ منهما لغة، بعين لطه حسين ـ إلى أنّهما يصبحان أعورين (لغة طبعا). ولا الثّالث فطن ـ وقد تبرّع لغة، بعينيه ـ إلى أنّه يصبح أعمى (لغة طبعا). وإنّما هي اللغة لاعبة مراوغة، فيما كان هؤلاء الشّعراء منصرفين إلى اشتراطات الشّعر الأخرى من خيال ورغبة ومتعة. بل إنّ الزجّال الرّابع ـ وقد حجزنا الاستطراد عنه ـ كان يلعب هو أيضا، ولكنّه اللعب قرين العقل أو الوعي، أكثر منه قرين الصّدفة أو الحرّية.

أمّا طه حسين ـ والعهدة على من روى لنا هذه النّادرة ـ فعلّق مستغربا بلهجة مصريّة فصيحة: “مِينْ دُولْ؟ أبالسهْ وِلاَّ إيهْ؟ !”..

حقّا أليس الشّعر “قرآن إبليس” بعبارة شيخ المعرّة في “رسالة الغفران”، في إشارة لطيفة منه إلى معتقدات عرب ما قبل الإسلام، في شياطين الشّعر؟ ولعلّها ليست أكثر من ثنائيّة اللعب/الدّين التي تـتيح لنا أن نفهم، بصورة أفضل، موقف القرآن من الشّعر باعتباره لعبا أو فعل غواية يزيّنها الشّيطان للشّاعر،على نحو ما زيّنها للنّبي في”الآيات الشّيطانيّة”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This