أوباما وجائزة نوبل: الأبعاد والاختيارات المسيّسة / حسن منيمنة

أوباما وجائزة نوبل: الأبعاد والاختيارات المسيّسة / حسن منيمنة
منحت لجنة جائزة نوبل للسلام الخميس الفائت الرئيس الأميركي باراك أوباما فرصة أخرى لإبراز طاقاته الخطابية وقدراته على استعادة زمام المبادرة، كلامياً على الأقل، وذلك في أعقاب تآكل ملحوظ في مستويات التأييد لمختلف السياسات التي يعتمدها. ولا شك في أن هذه الجائزة مازالت محاطة أميركياً كما في سائر أنحاء العالم بهالة من الأهمية، إذ هي أقرب ما يكون إلى إقرار دولي بالإنجاز لمصلحة السلام العالمي. غير أنه اليوم، كما يشتكي العديد من خصوم الرئيس أوباما، فإن الجائزة لم تأتِ مرتبطة بالإنجاز، إنما بالوعد. فباراك أوباما بمواقفه المختلفة، من اهتمامه بالسير باتجاه نزع السلاح النووي، إلى إصراره على تبديل الصورة السائدة في شأن الولايات المتحدة في الخارج والتي تقرنها بالانفرادية بل الاعتباطية في السلوك، وطبعاً إلى تعهده بإنهاء الحربين اللتين ورثهما عن سلفه في العراق وأفغانستان، نجح بإظهار نفسه في مظهر المخالف للمواقف التي اتخذها الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وهذا في حدّ ذاته على ما يبدو كان كافياً لتجاوز الأعراف ومنح أوباما الجائزة.

بل سواء كانت لجنة جائزة نوبل للسلام قد أقرّت منح جائزتها للرئيس أوباما لمجاهرته بمخالفة سلفه بوش، أم كان لها نية مبيتة في التأثير في قراره في شأن الحرب في أفغانستان، أو أنها بالفعل اعتمدت معايير موضوعية وإن غابت هذه المعايير عن إدراك ناقديها، فإنها أقحمت نفسها في السجال الداخلي الأميركي، وفقدت في سياق ذلك الكثير من صدقيتها، دون أن يكون لها الفعالية المتوقعة في دفع الرئيس إلى الاتجاه المرجو. فأوباما أعلن منذ أقل من أسبوعين قراره بتصعيد الحرب في أفغانستان، وذلك وسط استياء مكتوم من دعاة الانسحاب وإنهاء الحرب، والذين يشكلون جزءاً مهماً من القاعدة الانتخابية «المضمونة» له. وقد جاء قرار أوباما هذا في شأن زيادة عدد القوات في أفغانستان بما يزيد عن ثلاثين ألفاً، وتوسيع نطاق عملياتها العسكرية، بعد أربعة أشهر من التداول الداخلي في حكومته، حاولت الأوساط المقربة منه تصويرها على أنها دليل على الدقة والتأني في صياغة القرار. فهو قد استعرض، وفق تسريبات هذه الأوساط، عدداً كبيراً من الخطط البديلة، وتمحص في مختلف الخيارات، وسأل عن أحوال القطاعات المختلفة داخل أفغانستان، بما يكشف، مجدداً وفق هذه الأوساط، حرصه الشديد على عدم التفريط بمن يرسلهم من الجنود لخوض المعركة. ولكن النتيجة التي شهدها الجميع هي أن أوباما اختار في نهاية المطاف الخطة التي اقترحها عليه القادة الميدانيون، وإن كان قد عدّلها بوجهين، كل منهما يضعفها بقدر غير ضئيل. فالوجه الأول هو اعتماده ثلاثين ألفاً بدلاً من أربعين ألفاً كما جاء في طلب القادة الميدانيين، على رغم أن تحديدهم الأربعين ألفاً كان كحدٍّ أدنى لحاجاتهم العسكرية. أما الوجه الثاني، فهو في تحديده موعد انتهاء مهمة هذه القوة وحصر فترة نشاطها بثمانية عشر شهراً، بل واقعاً بسنة وحسب، نظراً إلى أن هذه القوة سوف تحتاج إلى قرابة الستة أشهر للانتقال إلى ساحة المعركة. فأوباما يظهر بالتالي وكأنه قد ساوم مع قادته الميدانيين، وخرج من مساومته بإعفاء عشرة آلاف جندي من خوض المعركة في أفغانستان، وحصر مخدومية الآخرين بفترة محدودة. وهذا من شأنه أن يقنع مؤيديه من دعاة إنهاء الحرب بأنه، وإن رضخ لضرورات ما، فهو لا يزال في صفهم.

لكن في المقابل، فإن حساب القادة الميدانيين يقتضي العدد المطلوب قبل المساومة، فالحل الذي اقترحه أوباما هو بأن يتحمل سائر الأطراف المشاركة في العمليات في أفغانستان من حلف شمال الأطلسي عبء توفير بقية هذه القوات، على رغم التقارير المتتالية عن وهن فعلي في التنسيق والتوفيق بين القوات الأميركية وسائر هذه القوات. أما تحديد أوباما لتاريخ نهائي للانسحاب، دون اشتراط إنهاء المهمة، فمن شأنه في طبيعة الحال دفع أعداء الولايات المتحدة في أفغانستان إلى اعتماد الانكفاء الموقت والتصعيد التدريجي اللاحق وفق جدول زمني يستفيد من تصريح الرئيس. فأوباما، كما يشير مؤيدوه، تحدث في طرح خطته لأطراف متباعدة في المصالح والرؤى، وقد سعى في طرحه إلى إيجاد صيغة توفيقية وإن لم تكن توافقية، مع إدراك مسبق بأنها سوف تلقى النقد من مختلف الجهات. غير أن هذا التفسير يجعل من خطته موضوعاً سياسياً محضاً، ويوازي بين القادة الميدانيين والقاعدة الانتخابية للرئيس، على رغم الاختلاف الجوهري بين حاجات المعركة الفعلية في الميدان والمعركة المجازية في الشأن الانتخابي.

وإن يكن أوباما نفسه والمقربون منه مستمرين في التشديد على أن الحرب في أفغانستان ميراث من حكومة جورج بوش، والذي فشل في إيلائها الاهتمام المطلوب وأوصلها بالتالي إلى حالة التردي الحالية، وفق تعبيرهم، فإن الواقع هو أن هذه الحرب أمست اليوم حرب أوباما، فهو الذي اختار التركيز عليها، وهو الذي حدد طبيعتها، إذ جعل منها حرباً لاعتراض تنظيم القاعدة (المتواجد هامشياً وحسب في أفغانستان)، ولدعم حلفاء الولايات المتحدة في كابول (على رغم انعدام الود والثقة بين هؤلاء وحكومة أوباما). وهنا تكمن المفارقة في توجه الرئيس إلى أوسلو لتلقي الجائزة. فأوباما، والذي عابه العديدون على تخلفه عن المشاركة في برلين بالذكرى العشرين لسقوط الجدار، وذلك على رغم سفراته المتواصلة بما في ذلك التوجه إلى كوپنهاغن لشحذ التأييد لرغبة مدينته شيكاغو في استضافة الألعاب الأولمپية، يتلقى شخصياً جائزة السلام، فيما قواته تستعد لركوب الطائرات والسفر بدورها لخوض حرب هي أشبه بالحرب الأهلية في أرض بعيدة.

المهمات المنوطة بأوباما هي دون شك عسيرة، والفترة المتاحة أمامه لإنجازها بصورة حسنة لا تزال طويلة. فهو اليوم، وإن تعثّرت إنجازاته، قادر على النهوض في الأعوام الثلاثة المقبلة بما يضمن له مستقبله السياسي. أما لجنة جائزة نوبل للسلام، فإنها بخيارها المسيس قد تمسي عاجزة عن النهوض.

عن جريدة الحياة 13/12/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق