أوجه الصراع المتعددة من مصر إلى سوريا إسلاموفوبيات وإنسانوفوبيات… وأكثر / نجيب جورج عوض

[1

لم يحتج الإسلاميون في مصر إلى وقت طويل كي يكشروا عن أنيابهم ويبدأوا بمحاولة تنفيذ حلمهم التاريخي بالهيمنة وابتلاع السلطة وأسلمة الدولة والمجتمع. يعلم الجميع أنهم دخلوا الثورة المصرية متأخرين عن الركب. ولكنهم، بحكم صورتهم الشعبية كحراك شعبي وسياسي لطالما قمعه وحاربه واستبد به النظام السابق، استطاعوا أن يلقوا ترحيباً من شباب الثورة وشبانها، وأن يحظوا باحتضان قوى الثورة المعارضة لهم، كشركاء فاعلين ومتكافئين في الربيع المصري التاريخي. سقط مبارك وحكمه، ودخلت مصر في مرحلة انتقال سياسي، سريعة وديناميكية، أوصلت الأخوان المسلمين إلى الحكم، وأعطت الشق الثاني من الإسلام السياسي المصري، التيار السلفي، فضاء حضور وتواجداً عاماً وسياسياً ودولتياً فاعلاً وملموساً. تحول الوافد المتأخر إلى الثورة إلى قائدها والناطق باسمها، في ليلة جعلت الحلم حقيقة. وفي سياق ترحيب غربي، بخاصة أميركي، وتشجيع وتفاؤل عربي واحتضان وأمل شعبي مصري، بدأ الإسلاميون يعتقدون أنهم باتوا أسياد الشارع، وحراس الهيكل الوحيدين. فقرروا أن يهدموا الهيكل برمته، ويعيدوا بناء مسجد إيديولوجيتهم وخلق “أمة الإسلام”، التي تقف معهم فقط، تخضع لهم وحدهم وتطيعهم كما يطيع العبد “المؤمن” ربَّه القيوم. من “حكم الجنرال” إنتقلت مصر إلى “حكم المرشد”، ومن نظامٍ استبدادي أحادي دميته الأولى “محمد حسني مبارك” وجدت مصر نفسها تلغو بدماء أبنائها في نظام استبدادي جمعي دميته الأولى “محمد مرسي (مبارك)”.

يغلي اليوم الشارع المصري لأنَّ أبناء الثورة الحقيقيين اكتشفوا أنهم قدموا ثورتهم أضحية على مذبح استبداد، لا يقل شراسة وظلامية وإقصائية وتغولا في السلطة عن النظام الذي حاربوه. الآن بدأ فعلاً الربيع العربي في مصر، بعد أن عبرت مصر بخطواتها الجبارة مرحلة الحلم العربي. يدرك الشعب المصري الثوري اليوم أن معركة الإنسان العربي المعاصر ليست في الواقع معركة مع أنظمة حكم وسلطة فقط، بل مع تركيبة سوسيولوجية ودولتية، تعيدنا إلى مرحلة إعادة التفكير بمفاهيم “الدولة” و”المجتمع” وعلاقة الفرد بالجماعة، ومعنى أن يكون الإنسان مواطناً. بدأ الشارع المصري يواجه إسلاموفوبيا، ويكتشف أنها يمكن أن تتحول إلى وسيلة تغيير، بدل أن تبقى عامل تسكين وركود.

[

ما زلت مؤمناً بأنَّ الصراع المقبل في تضاعيف العالم العربي ليس صراعاً دينياً (بين مسلمين ومسيحيين) وليس صراعاً طائفياً (بين شيعة وسنة)، بل هو صراع شرس بين تيار إسلاموي أصولي وآخر: بين الأخوان المسلمون واستطالاتهم، من جهة، والسلفيون واستطالاتهم، من جهة أخرى. إلا أنَّ اللافت هذه الأيام في الشارع العربي هو وقوف كل من الأخوان والسلفيين صفاً واحداً، في معركة بدأوها وهم مصرون على المضي بها الى النهاية، ضد كل القوى السياسية والمدنية اللا إسلاموية في الشارع العربي، غير عابئين لهوية مناهضيهم الدينية (غالبيتهم مسلمة) أو الطائفية (غالبيتهم سنة). بات واضحاً أن الأخوان المسلمون في العالم العربي مدعومين من تركيا والدول الخليجية (بالرغم من التباينات العقائدية والفقهية بين الفكر التنظيري الأخواني والفكر التنظيري الوهابي) وأنَّ التيار السلفي مدعوم من قطر. ومن الواضح أن هناك تنافساً استراتيجياً بين تلك الدول أمام أميركا وإسرائيل على من سيفوز بينهم بموقع اللاعب الاستراتيجي، القادر على القيام بمهمة الوساطة، وحفظ التوازنات، ورعاية الصفقات، والسهر على ديمومة التحالفات، وتقديم أفضل الضمانات والتطمينات لإسرائيل على خارطة الشرق الأدنى الجيوستراتيجية الجديدة، التي يتم العمل بشكل جاد وبنيوي على إعادة رسمها من جديد ومن المربع الأول.

تبين لنا الأحداث المصرية والسورية الأخيرة أنَّ المتنافسين اللدودين (الإخوان والسلفيين) قد وضعا جانباً صراعاتهما وأطماعهما الخاصة التي تضعهما على طرفي نقيض وانصرفا إلى تشكيل جبهة عمل وصراع موحدة ضد عدوهما الأول: المدنية والتعددية والعلمانية والحريات. نشهد هذا في مصر حين نجد أنَّ الأخوان والسلفيين يقفون معاً، ويحاربون بلا هوادة دفاعاً عن قرارات الرئيس الأخيرة باحتكار جميع السلطات، ومغازلة الأخوان المسلمين للسلفيين بقوة ومن دون مواربة بالمقابل، بعد أن كان الطرفان يتبادلان الانتقادات والاتهامات في الساحة المصرية، في الشهور المنصرمة. كما نشهد هذا في الثورة السورية أيضاً. فبعد أن تنافس الأخوان والسلفيون في سوريا على الهيمنة على المعارضة السورية، وعلى فرض كل منهما لنفسه الممثل الوحيد للثورة (الأول مدعوم من تركيا والسعودية والثاني مدعوم من قطر) عن طريق التشهير بالآخر في كواليس الثورة السورية، وبعد أن تنافس الطرفان على إرسال مقاتلين وتشكيل كتائب مقاتلة داخل سوريا، لطالما سمعنا عن اختلافاتها، وتناقض أجنداتها، وصولاً إلى تصفية بعض منها لبعضها الآخر في ساحة المعركة، ها نحن نراهما وقد اتحدا وفرضا هيمنتهما الكاملة على المجلس الوطني السوري، محولين إياه إلى جسد سلطوي، إسلاموي الهوية والطابع، والذهنية والهيمنة. وها هم يوحدون جهودهم الآن أيضاً للسيطرة على الإئتلاف السوري الجديد لقوى المعارضة، بعد أن فشلا في منع تشكيله، من خلال تعطيلهما لعمل الائتلاف الفاعل على الأرض وإعاقتهما تشكيل حكومة، وفرضهما على الائتلاف اعتبار الفرق الجهادية الأصولية، القاعدية الهوى والأسلوب، جزءاً شرعياً ومقبولاً من الثورة السورية، ومطالبتهما الأخيرة لرئيس الائتلاف بأن يشجب ويرفض قرار أميركا باعتبار “جبهة النصرة” فرقة إرهابية، ناهيك عن فرضهما لممثليهما في سدتي القيادة التنفيذية، في كل من الإئتلاف والمجلس العسكري الموحد لقوى الثورة.

ستشهد الساحات العربية العامة في المستقبل القريب، كما يبدو، تعاوناً أكبر وأقوى بين الأخوان والسلفيين، مع اشتداد عود التيارات والقوى المدنية والليبرالية والعلمانية والتعددية والديموقراطية الحقيقية في الشارع العربي، ومع تطور الوعي السياسي والمدني عند شرائح واسعة من الشباب والشابات العرب، أبطال الربيع العربي الحقيقيون. وعلى التوازي مع تنافس أخواني-سلفي، سنشهد صراعاً مهماً ومطلوباً، ولا مفر منه، لخلاص العالم العربي من تخلفه ونكوصه وموته السريري بين الإسلامويين، من جهة، والمدنيين الأحرار والمستقبليين،من جهة أخرى. الجميل في الأمر أن مثل هذا الصراع سيأخذ صورة صراع بين “إسلام نكوصي ماضوي” وحراك مواجه يقوده، وإن لم يكن يهيمن عليه، “إسلام تقدمي مستقبلي”. وكلما ازداد تغول وتطرف وجشع كل من الأخوان والسلفيين، كلما تنامى حجم الشارع العربي والإسلامي الشاب والمدني أيضاً. أحياناً، تدفع الإسلاموفوبيا الشارع الحر والمدني إلى المواجهة، بدل أن تجعله يركن للخوف والاستكانة. هذا هو الحلم.

[

مرعبة حتى النحيب والألم والأسى العميق تلك المشاهد، التي نشرها العديدون على صفحات الفيسبوك واليوتيوب مؤخراً، لأطفال صغار، لم يتجاوزوا العاشرة أو الثانية عشرة، وهم يمسكون السواطير ويحزّون رؤوس بعض الجنود السوريين المعتقلين من قبل كتائب الثوار المقاتلة. مشاهد تفطر القلب وتهتك الوجدان، وتطيح بكل ما اعتدنا أن نتصوره عن الطفولة والبراءة والإنسانية. ولا شك بأنها تقزز الآلاف من الشعب السوري من الثوار، وتجعلهم ينفضون عن الثورة وعن الوقوف معها، أو حتى الإيمان بها كثورة تمثلهم وتنطق باسمهم. والمؤكد أن بين الآلاف من المتألمين والرافضين لتلك المشاهد عدد ساحق أيضاً من أنصار الثورة، والواقفين معها، منذ لحظة اندلاعها الأولى. ولا بد حتماً من أن يقوم الثوار الغيورون على الثورة، والمناضلون السوريون الأحرار، من كل حدب وصوب بطرح التساؤلات، وتوجيه الانتقادات البناءة والبنيوية، لعمل الثوار، ولأداء الكتائب المقاتلة، والدعوة لضرورة محاسبتهم على أخطائهم، التي لا تقل عن أخطاء النظام بشاعة وفظاعة أحياناً.

ولكن السؤال الذي يعنيني أكثر من غيره هنا، هو سؤال يتعلق أولاً وأساساً بذاك الولد الذي يحمل الساطور ويفصل به رأس الجندي عن جسده: ما الذي جعل هذا الولد الصغير جداً يصل إلى حالة من القدرة الهائلة على القتل، وعلى القيام بما قام به من دون وجل أو خوف أو اضطراب في دخيلته الإنسانية؟ ما الذي أوصل الأطفال في سوريا إلى هذه الحالة من عدم الخوف من القتل، وعدم الشعور بقيمة الحياة واللامبالاة أمام الموت؟ هذا هو السؤال الذي لم يكلف أحد عبر وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي نفسه، أو نفسها، عناء التفكير به. علينا أن نتذكر هنا أنَّ هؤلاء الأطفال هم أبناء العائلات السورية المشردة والنازحة، التي فقدت منازلها وأملاكها وحياتها، والآلاف منها فقدت أرواح أبنائها وأربابها وأمهاتها وحتى أطفالها. نتحدث هنا عن أطفال حرموا من طفولتهم الى الأبد، وهم يرون بأم العين بيوتهم تدمر بأسلحة النظام المجرم الفتاكة. رأوا أباءهم إما يُقتلون بدم بارد أمام أعينهم، أو يُطمرون تحت الأنقاض، وهم يستقتلون لحمايتهم وأخوتهم وأمهاتهم من غارة أفرغت حمولة موت على رؤوسهم، أو يساقون إلى الأقبية والسجون على يد الأمن ولا يعودون إلا جثثاً هامدة محمولة على الأكتاف، أو يسحلون من قبل الشبيحة في الشوارع ويعدمون على مرأى من الجميع. هؤلاء الأطفال السيافون، قاطعوا الرؤوس، هم أولئك الأولاد الذين رأوا أمهاتهم يُُغتصبن ويجرجرن على أتربة الشوارع، في القرى النائية، من قبل جنود الأسد وقواته، ومن ثم يتركن هناك كالجيف المهترئة للموت والعار والتفجع. رأوا أخوتهم وأخواتهم يُمثـَّل بهم وبهن في العلن، وبوحشية منقطعة النظير. هؤلاء الأولاد رأوا بالمقابل مقاتلين آخرين يشبهون آباءهم وأخوتهم الأكبر في الهيئة ويرتدون ملابسهم نفسها العادية، البسيطة، والمهترئة، ويقطنون معهم في الأحياء المدمرة ذاتها في إصرار هائل وأسطوري على النجاة والحياة في قلب الموت، يقاسمونهم الرغيف والماء والكساء والنجاة. يرون أولئك الرجال المقاتلين يدافعون عنهم، ويحاولون حمايتهم وتأمين حاجاتهم، ويعملون على إخراجهم من قلب الأتون البشع إلى إحدى المعسكرات أو المناطق المليئة بنازحين مثلهم. يرون أمامهم أبناء بلدتهم أو حيّهم أو مدينتهم يقاتلون ويقتلون، فيحسبون القتال هو وجه الحياة الطبيعي، ويخالون القتل والموت هما حلم الليل ويقظة النهار.

في قلب هذا الفضاء القائم من ألفه إلى يائه على الموت والقتل والعنف كأدوات النجاة الوحيدة، ما الذي يمكن أن يتحول إليه أي طفل سوى إلى مقاتل، يكاد يتعامل مع الساطور وكأنه دمية، ويتعامل مع الرأس المقطوع وكأنه مجرد قطعة أشلاء، تشبه آلاف قطع الأشلاء، التي يراها حوله في كل مكان، وقد باتت خبز نجاته اليومي. قبل أن نستنكر ما قام به هذا الطفل في مشهد قطع الرأس، علينا أن نستنكر ونرفض وندين كل العوامل والظروف، ومن خلق تلك العوامل والظروف، التي قادت هذا الطفل إلى التحول من “طفل” إلى مجرد جسد بلا قلب، وروح بلا مشاعر أو أحاسيس. وقبل أن نلوم المقاتلين الذين جعلوه يمسك الساطور ويتعلم كيف يستخدمه، علينا أن ندين ونجرِّم بأعلى الصوت الأطراف التي دفعت بالناس في سوريا الى القتال، والإتكال على العنف كوسيلة نجاة، وهي التي دفعت بدورها بأطفال سوريا إلى هذا الدرك المخيف من السوداوية والظلام. في سوريا المستقبل، ما يخيف فعلاً، أكثر من أي تطرَّف أو إسلاموية، هو الماهية البشرية المشوهة والمحطمة، التي سيخرج بها الإنسان السوري، الكبير والصغير، الذكر والأنثى، المدني والمتدين، على حد سواء. الدمار الإنساني الذي تعاني منه سوريا سيخرج كل الشعب السوري محطماً ومكلوماً في إنسانيته وفي منظومة فكره ووجوده الأخلاقية. في سوريا، ما سينافس “الإسلاموفوبيا” هو “الإنسانوفوبيا.”

 

عن جريدة المستقبل — ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق