أوّل عرض أزياء عربيّ للملابس الداخلية: هيّا إلى انتضاء السيوف والخناجر…!!

يلمس المرء في تناقل الخبر الذي أفاد بأنّ «تونسيّات يقدّمن أوّل عرض أزياء عربيّ للملابس الداخليّة» بين العديد من وكالات الأنباء والمنابر الإعلاميّة والصحفيّة، لغطاً واتّهاماً، سواء كانا ظاهرَين أو مُضمَرينِ، وذلك استنكاراً، وربّما «تشهيراً» وتقريعاً للذات من باب جلدها والتأسّف والحيرة والذهول لما حلّ ويحلّ بالعالم العربيّ الإسلاميّ «والإسلاميّ» من «تهتّك وانحراف وشذوذ واختراق وتميّع».

والامتعاض ناشئ ومتعاظم لمّا قدّمت مجموعة من عارضات الأزياء التونسيّات في العاصمة تونس عرضاً علنياً للملابس النسائيّة الداخليّة هو الأوّل من نوعه لعارضات أزياء عربيّات قدّمن آخر التصاميم العالمية للملابس النسائيّة الداخليّة وملابس السباحة والنوم.

وكان العرض الذي أقيم في افتتاح الدورة الأولى من صالون متوسطيّ للملابس الداخليّة نظّمته تونس خلال الفترة من 15 إلى 17 نيسان / أفريل الجاري، وشاركت فيه 50 مؤسّسة لصناعة الملابس الداخليّة من تونس ومصر وسوريّة وإيطاليا وفرنسا واليونان، قد لفت انتباه سدَنة «الأخلاق» وأثار اشمئزازهم وسخطهم، ما دفعهم إلى إطلاق أبواق الاستنفار العامّ، وصفّارات الإنذار، لتدارك ما يمكن تداركه وإنقاذه من السقوط في شِراك الفواحش. وقد ذهب بعضهم إلى حدّ اعتباره «إحدى العلامات على قرب السّاعة»،(ولست أدري هل هي من علامات القيامة الصغرى أم الكبرى..؟!)

 

وقد أرفق الخبر بما قالته مصمّمة أزياء تونسيّة ومنظّمة العرض : «إنّ هذه أوّل مرّة في تونس والمنطقة العربيّة التي يتمّ فيها تنظيم عرض (علنيّ) للملابس الداخلية تقدّمه عارضات عربيّات مسلمات». وردّاً عن سؤال حول الانتقادات الكبيرة التي أثارها تقديم العرض في تونس البلد المسلم والمحافظ، أضافت المصمّمة: «إنّ عروض الأزياء بصفة عامّة «مهنة كأيّ مهنة» وأنّ تقديم هذا النوع من العروض لا يعني أنّ العارضات «غير محترمات».. ». كما دعم الخبر بدفاع مبدئيّ من قبل عارضة  مشاركة قالت فيه: «إنّ هذه أوّل مرّة نقدّم عرضاً (علنيّاً) للملابس الداخلية.. ما المشكل في ذلك فالتونسيّات يسبحن منذ سنوات في الشواطئ وهي أماكن عامة بالبيكيني ثمّ إنّنا لا نقوم بالإغراء بل نقدّم عرضاً تجاريّاً لماركات من الأزياء التي يلبسها الناس.»

 

لا يخفى ما ينطوي عليه الخبر من أبعاد، سواء تلك المتعلّقة بالداعمين أو بالرافضين المستنكرين، حيث يبدو أن هناك رغبة ملحّةً من قِبَل المنظّمين على الانعتاق من التحجير المفروض، لمواكبة الموضة، والتساوي مع دور العرض العالميّة، في حين ينطلق الرافضون من خشية مركّبة، تكمن في نزعتهم إلى النيل من ناشري «الفساد» بين العامّة. كما يبدو أنّ دفاع منظّمة العرض، ووضع العلنيّ بين قوسين نابع من رغبة متحدّية تصرّ على أنّ عرض الأزياء عمل محترم كأيّ عمل آخر، ولا يجوز توصيف العارضات بغير ذلك، وتكون المفارقة في الدعوة من قبل البعض على إبقاء مثل هذه العروض سرّيّة، وفي الخفاء، واقتصارها على شريحة بعينها، وكأنّ ما يتمّ من شوائن عظمى في العالم العربيّ ينتظر عرضاً للأزياء كي ينفضح، وينقاد إلى التهلكة.

 

وثمّة بعض المتحذلقين الذين يتهجّمون على المدافعين عن العرض بطريقة لئيمة تنال منهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة، سعداء بإفحامهم لمروّجي «الفساد»، حين يسألون: «هل ترضى أن تستعرض أمّك أو أختك أو ابنتك أو زوجتك هكذا على الغرباء..؟!».

ولا يهمّهم الجواب بأيّ حال من الأحوال، لأنّهم يقهقهون مبتهجين بسرعة بديهتهم وحضور إجابتهم القاصمة لظهور «أعداء الأمّة».. كما تكثر الأدعية بخسف الأرض من تحتهم، وزلزلتها كي تودي بهم، ويكون اللّهج بمقولة : «يا لَخسارة الرجال».. يدعون إلى انتضاء السيوف والخناجر، وما يمكن تحصيله من الأحزمة الناسفة، للقضاء على «العهر» في بلاد الإسلام.. وقد ترى المتعقّل منهم ينادي زاعماً التفهّم وتدبير المخارج والفتاوى، بأنّ الأمر يتعلّق بالتجارة والصناعة، ولا تكتمل الدائرة من دون إكسسوارات مرافقة واجبة، فيُوجِب قيام غير المسلمات بذلك، باعتبار أنّ الآخرين موقوفون لخدمتهم وإمتاعهم، وأنّهم منحلّون قيميّاً، ولا ضير من التمتّع بنسائهم. يمنح نفسه الحقّ، ويحجب عن الآخرين حقوقهم..

لا شكّ أنّ عرض الأزياء «العلنيّ» الأوّل لا يعدّ اجتراحاً للمعجزات، بقدر ما يعني تخلّفاً عن التطوّر المذهل في اللّحاق بركب هذه الصناعة العالميّة المزدهرة.. وليس من الجائز تكفير وتجريم وتخوين بعض الجريئات لمجرّد إقدامهنّ على ممارسة عملٍ التحقنَ به عن رغبة أو حاجة أو متعة، لأنّ هناك الكثير من الموبقات التي تمارس في العتمة المفروضة، والظلمة الحالكة الحاجبة، والتركيد والاستنقاع الممنهجين في العالم العربيّ «الإسلاميّ» والإسلاميّ تنتظر المبادرة من أجل إيجاد بعض الحلول الإسعافيّة لها أكثر من التجيّش لهدر دماء بعض الجريئات. وبإلقاء نظرة على السواحل والشواطئ العربيّة ندرك ضيق الأفق الذي يقيّد أمثال هؤلاء، ويحجب عنهم الواقع وما يجري فيه، وكأنّ الدول العربيّة كانت تنتظر العرض لتنهار!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This