أيتها المرأة الحرّة ما أشدّ صبركِ علينا! / بقلم حسن عبّاس

ماذا يعني حديث الرجل عن القضايا المتعلقة بالمرأة وحريتها؟ ترفض بعض الحركات النسوية كل خطاب عن المرأة يصوغه الرجل. تعتبر هذه الحركات، وهي التيارات النسوية المتطرفة، أن أصل المشكلة، أي الرجل، غير مؤهل لطرح الحلول لها. لكنها في اعتبارها هذا، تقع في الدائرة المفاهيمية الإقصائية نفسها لتفكير الرجال الذين ينصّبون انفسهم اوصياء على المجتمع وخالقين لمفاهيمه العامة. هو ردّ فعل على فعل محاولة بعض الرجال الاصوليين تأبيد شكل العلاقات الحالية بين الجنسين. ولكنه ردّ فعل من طبيعة الفعل نفسه: الفكرة الإقصائية نفسها، النظرة السلبية نفسها، غياب التفاعلية. المسألة يجب أن تخرج من كونها تفكيرا عن المرأة. هي تفكير مع المرأة. والتفكير مع المرأة في القضايا التي تعنيها، حاجة انسانية لأن الموضوع المفكّر فيه هو موضوع إنساني، وهو موضوع يتناول الحرّيات التي تتقلص مساحتها يوماً بعد يوم لتطاول الرجل كما المرأة. بل تطاول الحياة مطلقاً.

كان المكان هادئاً، الإنارة خفيفة، والطاولات في الصالة المغلقة الكبيرة إثنتان منها فقط مشغولتان. انه المكان الذي نقصده في قرية مجاورة لقريتنا الجنوبية عندما نريد تناول بعض المشروبات الكحولية الممنوعة علينا في قريتنا. 15 كلم تفصل بين الممنوع والمسموح في وطن واحد! هذه من مفارقات التعددية التي تقترب من الفيديرالية المكرّسة اختلافاً في اخلاقيات الاماكن العامة، او بالأحرى، هي مكرّسة منعاً في مكان، لما هو مسموح في مكان آخر. كنا ثلاثة اصدقاء متحلقين حول طاولة. الهدوء كان حافزاً على التطرق الى بعض المواضيع العامة. بقيت صامتاً معظم الوقت، لا لعدم اهتمامي بالمسائل التي دار الحديث حولها، بل لإرهاقٍ جسديّ كنت اشعر به. كنت “ديكوراً” مضافاً الى المكان اكثر مما كنت جليساً، لكنني كنت مستمعاً ممارساً لرغبتي الانانية في الاستماع الى الآخرين يتحدثون. اجد متعة في الاصغاء، في سبر باطن الآخرين، في معرفة كيف يفكرون، وكيف ينتقون عباراتهم، وما هي الأفكار التي يجدونها جديرة بالتداول، وكيف يقدّمون حججهم، وكيف يقاطع بعضهم كلام بعض، ولماذا، وكيف ينفعل الشخص الذي يتعرض حديثه للمقاطعة، او ذلك الذي يهمّ بالكلام…

علقت في ذهني فكرة قالها صديقي: “المرأة في الشرق تسيء استخدام الحرية إذا ما منحها إيّاها الرجل”. كانت هذه الفكرة صدمة مزدوجة لي: أولاً لأنها جاءت على لسان شاب ليس متزمتاً، بل متحرّر من القيود الاجتماعية في سريرته لا في ممارساته الحياتية المفروض شكلها عليه، وثانياً لأنها لاقت قبولاً من صديقتي التي عاشت حياتها في مجتمع غربي مفتوح.

لم يقدّم صديقاي تبريرات لأساس هذه الفكرة التي اتفقا عليها. برّرا قولهما بأن المرأة التي لا تفهم معنى ان يعطيها الرجل الحرية، تتحول شخصاً يمارس ردّ فعل (اي سلوكات لاحقة لمحضها حرّيتها) يضيق به صدر الرجل، فالحرية “الممنوحة لها” تتحوّل لعنةً تلقيها على الرجل، والسبب هو سوء استخدام هذه الحرية.

أعدتُ هذا الحديث الذي سجّلته ذاكرتي مراراً في لحظات، طلبتُ فيها بعض التفكير أنيساً. الجملة التي بدت للوهلة الأولى أنها تحمل فكرة بسيطة نجيب عنها سريعاً بنعم او لا، ونلحق بها جملة بسيطة تعلل اختيارنا، تحوّلت في ذهني جملة مشفّرة يصعب فكّها من جميع جوانبها.

لطالما اعتبرت، ولا أزال، ان المرأة صنو الرجل، لا فرق بينهما من حيث المعايير الإنسانية. فإن كان لكل منهما بعض الخصوصيات البيولوجية، فذلك لا يغيّر في الأمر شيئاً، وهذه الخصوصيات لا تستوجب تمييزاً قيَمياً، مثلها مثل الفروق الثقافية التي تميّز بين معظم البشر من الجنسين. لم أعط يوماً تبريرات مستقاة من التراث الديني لهذه المساواة، فالأديان على رغم ثوريتها المرحلية، لا بد أن تستبطن معظم قيم العصر الذي ظهرت فيه، وإلا ما كانت لتنتشر، ولست ميالاً الى وضع الآيات القرآنية بعضها مقابل بعض لأني أفهم الناسخ والمنسوخ كحركة لا تتوقف. فإن كان الزمن المحدود لفترة التنزيل جعل آيات تنسخ أخرى، فهل توقف الزمن لإيقاف هذه العملية؟ على العموم، لا استقي تبريراتي المفاهيمية من الأديان وحدها، بل استقيها مما اعتبره تراث الإنسانية جمعاء الذي يضع نصوصاً زمنية الى جانب نصوص دينية.

لكنني أنظر الى الحرية الإنسانية من منظار آخر. لا اعتقد أنها شيء يُمنَح، بل هي شيء يؤخذ، وكثيراً ما يؤخذ عنوةً، بتوافر ارادات وظروف اجتماعية يستطيع التوّاق الى نيل حريته أن يعمل على إيجادها. وعليه، ليس هناك شيء اسمه الحرية التي يعطيها الرجل للمرأة، بل هناك الحرية التي تأخذها المرأة، من الرجل او من كلّ واضعٍ يدَه عليها. فالممنوح هو شيء يمكن استعادته إذا كان يتعلّق بقرار فردي او حتى إداري. حتى الهبة كهبة، هي شيء لا يُمنَح إلا تحت توقع استعادة هذه الهبة، او استعادة ما يفوقها قيمةً وأهميةً، كما بيّنت الدراسات الانتروبولوجية التي تناولت هذا الموضوع.

هل حرية المرأة موضوع يحتمل المقارنة؟ من دون شك. فعلى رغم أن الثقافة الغربية لا يزال يهيمن عليها كثيرٌ من المفاهيم الذكورية، إلا أن المرأة الغربية حققت تقدماً نوعياً على المرأة الشرقية في ما يخص حريتها، وخصوصاً قدرتها على اتخاذ قراراتها الحياتية والمصيرية بإرادتها المستقلة معزولةً عن إرادة الرجل. كيف توصّلت المرأة الغربية الى اكتساب حريتها؟ الجواب هو انها جمعت عناصر عدّة تساعدها في إمكان اتخاذها قراراتها باستقلالية عن الرجل، ثم اصبحت حرّة عندما بدأت بأخذ هذه القرارات، ما ساعدها في تكوين هويّتها الخاصة وفصل هويتها عن هوية الرجل القوّام عليها.

لم يبدأ مسار تحرر المرأة في الغرب بثورة فكرية ما، بل أتى نتيجة مجموعة متفاعلة من العوامل افضت الى أن تشقّ النساء مساراتهن الخاصة في الحياة، وامتلاكهن استقلالية في قراراتهن. بدأت المرأة الغربية مسيرة تحررها بحصولها على الإستقلال المالي الذي حققه لها العمل المأجور. ففي القرن التاسع عشر، ازداد بشدّة عدد النساء العاملات في المصانع، وساعد في هذه الزيادة سعي ارباب العمل الى تشغيلهنّ بسبب انخفاض اجورهنّ مقارنةً بالرجال. أما القفزة النوعية في وضعهنّ، فقد حققها التحكم في الإنجاب، هذا المطلب الذي طرحته الحركات النسائية، بشكل خاص خلال الحراك السياسي لستينات القرن الماضي، وصاغت له شعاراً هو “اجسادنا ملك لنا”. إن دخول المرأة الى سوق العمل هو الذي حقق لها استقلاليتها، فكوّنت بذلك هويتها المهنية التي اضحت في صلب هويتها الشخصية المستقلة.

لا تستطيع المرأة انتزاع حريتها من دون ان تحرر نفسها مادياً من سلطة الرجل. في لبنان، هناك، على الغالب، عادة رائجة عند المرأة تتمثل في الإتكال على الرجل في دفع فواتير المطاعم وغيرها عند خروجها معه. هذا إضافة الى ثقافة إلقاء مهمة تأمين الحياة الثنائية على عاتق الرجل وحده. هكذا تحيل المرأة وضعها على حال من الإنتظار الدائم لتدبير الرجل، ومن تنتظر مخلّصاً ستقع من دون ريب في الفضاء القيمي لهذا المخلّص.

تفصح أماكن السهر الليلي في لبنان عن هذه الثقافة بشكل واضح، إذ يعتمد كثيرٌ منها ما يسمّى “ليديز نايت”، أي ان الرجل يدفع كلفة سهرته، والمرأة تسهر مجاناً (طبعاً، كلفة سهرات النساء محسوبة وملقاة حسابياً على عاتق الرجال). لا يمكن المرأة أن تتحرر من سيطرة الرجل قبل تحررها من هذه الذهنية الإتكالية.

لا يعني هذا أن تحرر المرأة هو مسألة خاصة بالنساء فقط، فهي مسألة إنسانية بامتياز، إذ ان مبدأ الحرية لا يتجزأ، وعلى من يتبنّاه أن يعممه على كل المجالات. لذلك هناك حاجة موازية الى تغيير يطاول ذهنية الرجال، ونظرتهم الى موقع المرأة ومكانتها في الحياة الخاصة والحياة الإجتماعية.

هناك دائماً التباس حول مسألة العلاقة بين الحرية والسلوك الذي يمارس هذه الحرية، أو بشكل آخر، بين الحرية والحدود التي يقبل الإنسان الحرّ بها عند اتخاذه قراراته. ليست هذه الإشكالية خاصة بالمرأة، بل هي إشكالية سياسية عامة. الفلسفة الليبيرالية عملت على جمع مبدأين يجب التنسيق بينهما في الحياة الإجتماعية، وهما الفردانية أو الإستقلالية autonomie، والمشاركة participation. تحدّ مشاركة الآخرين من إطلاقية الإستقلالية، وهذه من الحدود المفروضة على الإنسان من اجل عيشه في جماعات. هذه القاعدة العامة تنطبق على علاقة المرأة بالرجل، فاستقلالية المرأة هي استقلالية داخل اتفاق شراكة، والامر نفسه بالنسبة الى الرجل. وعليه، لا يمكن الحديث عن استقلال كامل لقرارات كلٍّ من الثنائي، فالدخول في ثنائي يقيّد حرية كلٍّ من مكوّنَيه الإثنين. هنا يقع الالتباس الأساسي في العلاقة القائمة بين الثنائي. حرية المرأة، كما حرية الرجل، ما هي إلا الأهلية الكاملة للدخول في تحديد طبيعة الشراكة القائمة بينهما.

تتخطى معظم الجمعيات النسائية اللبنانية كل السياقات الإجتماعية والثقافية لقضية تحرر المرأة، وتطرح مطالب متقدمة تتعلق مثلاً بتمثيل المرأة السياسي. تثير في هذا المجال مطلب اعتماد “الكوتا النسائية” في البرلمان. “الكوتا” هي عبارة عن تمييز إيجابي يساهم في رفع نسبة تمثيل المرأة شكلياً. لكن التمييز الإيجابي مبدأ أثبت فشله عند تطبيقه على مجالات أخرى، كتبنيه في السياسات الاميركية التي عملت على إلغاء التمييز بين البيض والسود. التمييز الإيجابي ما هو إلا تمييز من نوع آخر، هو تمييز مستتر تحت غطاء الإنفتاح.

في أحد الأفلام الأميركية الكوميدية، لا يني شاب أسود عن تفسير سلوك الآخرين الإيجابي تجاهه بأنه ناتج من كونه صاحب بشرة سوداء. يشعر طوال الفيلم بالتمييز من خلال تصرفات الآخرين الإيجابية نحوه، مما يحثه على استفزازهم للتصرف معه بصورة سلبية تلغي احساسه بالتمييز. لا أريد للمرأة أن تشعر بتمييز كهذا. يجب ألاّ تحقق نجاحات فقط لكونها امرأة، بل لكونها إنساناً كفياً، لا ينتج من خصوصيته أيّ تمايز في القيمة ¶

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق