أيــن الـخـطـأ ؟ / الحبيب الجنحاني

• قال صاحبي : لا أكتمك سرّا أن كثيرا من المواطنين، و أنا واحد منهم، قد أحييوا الذكرى الثانية للثورة بنفوس متشائمة، و قلوب قلقة من المستقبل، و هنا أريد أن أسأل : لماذا احتفلنا بالذكرى الأولى بروح متفائلة، بل قل منتشية، و يكاد اليوم المتابعون للشأن العام، و العارفون بتعقيداته أن يفقدوا الأمل، و يودعوا الأهداف النبيلة التي اندلعت من أجلها ثورة شعبنا ؟

• قلت : أبادر قائلا : إن اللوحة قاتمة، فلا ترش عليها بتشاؤمك حبرا أسود، و أنت تعرف أن التفاؤل يمثل الشرط الأول لفهم أوضاع الراهن المعقد لتجاوزه نحو مستقبل أفضل، و الإيمان بالمستقبل يمثل جذوة النضال من أجل التجديد، و تجاوز العوائق.

أعود لسؤالك لأقول : إن الفرق كبير بين أوضاع البلاد اليوم، و أوضاعها قبل سنة، فقد تفاءل المواطنون بالأمس خيرا لما مرت المرحلة الانتقالية الأولى بسلام، و أنجزت انتخابات نزيهة مثلت الخطوة الأولى الراسخة فوق درب الانتقال الديمقراطي، و أدى ذلك إلى بعث سلطة استمدت نفوذها من المؤسسة الشرعية الوحيدة في البلاد، و أملوا أن السلطة الجديدة ستكون قادرة على قيادة السفينة، و البلوغ بها شاطئ السلامة، أي نهاية المرحلة الانتقالية الثانية، و بداية استقرار البلاد بعد صدور الدستور، و ميلاد الجمهورية الثانية، و لكن سرعان ما خابت الآمال، و سقطت الأحلام.

• قال صاحبي : أصبح الخطاب الرسمي يحمل قوى المعارضة، و حتى مؤسسات المجتمع المدني مسؤولية الفشل ؟

• قلت : لا بد أن نعترف بأن خطاب كثير من المواطنين العاديين يبرهن على أنهم عقلاء، وواقعيون، بل قل : إن البعض منهم قادر على إعطاء دروس في السياسة لكثير من المثرثرين في المواقع الإعلامية، فقد أعلنوا أنهم مدركون أن الظرف دقيق، و أن الإرث ثقيل يحتاج إلى زمن لتصفيته، و أنه لا توجد عصا سحرية لحل القضايا المعقدة، و لكنهم طالبوا بالوضوح، و التأكد من أن البلاد في الطريق السوي، و مما يدل على حسهم الوطني، و حبهم الخير لوطنهم إعلانهم أنهم مستعدون للصبر و المصابرة، مذكرين أن الصبر هو غذاؤهم اليومي، و لكن ماذا ينتظر منهم عندما تبلغهم أخبار مثيرة عن التصرف في المال العام، و توزيع المزايا و دماء الشهداء لم تجف بعد، و أين يحدث ذلك ؟ يحدث في الهرم !

المطلوب من الهرم أن يعطي القدوة في التصرف في المال العام في البلدان الديمقراطية الثرية، فما بالك في بلد فقير ثار أبناؤه أساسا ضد ظاهرة الفساد في القمة.

* * *

عندما تتدهور الأوضاع في بلد من بلدان الأرض شرقا و غربا فإن المسؤولية الأولى تتحملها السلطة المشرفة على تسيير شؤون المجتمع. يستغرب الناس من إشارة الخطاب السياسي إلى خطر “الصولمة” اليوم، ربما كان هذا الخطر قائما غداة سقوط الديكتاتورية، و ما تزامن معه من تدهور أمني، و ارتباك في أجهزة الدولة، أما اليوم و بعد أن أمسكت بزمام الأمور سلطة تنفيذية تحظى بثقة المؤسسة الشرعية في البلاد فهي المسؤولية الوحيدة عن درء الأخطاء المهددة للبلاد، و ماذا يبرر وجودها في المسؤولية إن بلغت البلاد حافة “الصولمة”، ثم إنه ليس من الحكمة السياسية بث الرعب في نفوس الناس باجترار الإشارة إلى ما لحق الشعب الصومالي الشقيق من لعنة و دمار نتيجة توظيف الدين من أجل أهداف سياسية.

• قال صاحبي : أين الخطأ ؟

• قلت :

أولا : يبدو أنه لم يقع تنزيل الوضع الثوري الجديد في محيطه الاستراتيجي إقليميا و دوليا، و لا ننسى التلميح هنا إلى أن كثيرا من الثورات وقعت قديما في هذا الخطأ، فما بالك اليوم، و قد أسقطت العولمة الحدود و المسافات.

ثانيا : الانتشاء بأغلبية انتخابية هشة حركت الحقد في بعض النفوس، و أذكت روح التشفي، و الحقد ينسف منذ البداية أهداف أي عمل سياسي، إذ أن الأوطان لا تدار بعقلية تصفية الحسابات.

ثالثا : عدم التعمق في دراسة ما أفرزته التجربة التحديثية التي عاشتها تونس طيلة ستين سنة من نخب، و قوى اجتماعية متنوعة، و رؤى فكرية متعددة، و بخاصة استماتة المرأة في الذود مكاسبها.

رابعا : غض الطرف عن قوى العنف و الغلو العقائدي قبل أن تتغوّل، و من المعروف في تاريخ جميع التجارب السياسية الحديثة أنها العدو الأول، و الداء القاتل لكل تجربة ديمقراطية.

غض الطرف هذا هو الذي شكك في صدق خطاب الإيمان بالدولة المدنية و الديمقراطية.

خامسا : أصدع الزعيم النقابي الشهيد فرحات حشاد بمقولته الشهيرة في مرحلة التحرر الوطني “الحرية قبل الخبز” لما اتهمته الإدارة الاستعمارية بالخروج عن المطالب النقابية البحتة، و اهتمامه بقضايا الحرية و الاستقلال.

لما بدأت حركات مقاومة النظم الاستبدادية في بلدان أوروبا الشرقية نشرت في ستينات القرن الماضي نصوصا بعنوان “ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان” ردّا على من قال : إن مزية تلك النظم توفيرها الخبز لجميع الناس.

هل يعي الحكام الجدد الذين قذفت بهم الثورات العربية إلى سدة الحكم أنه “ليس بالحرية وحدها يعيش الإنسان”!

• قال صاحبي : هل أفهم الآن أنك فقدت الأمل ؟

• قلت : لا، و ألف لا، فلا بدّ من إذكاء جذوة الأمل، و التمسك بالحوار و التوافق إنقاذا للتجربة الديمقراطية.

إن التخلف عن التوافق السياسي هو خيانة لدماء الشهداء، و قبل ذلك خيانة للوطن.

 

  

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق