أين قضية المراة عندما يكون جسدها ميدان البطولة والفتوى والتشريعات / ميس نايف الكريدي

نكتب من أجل المرأة، أو نعمل محاولين استمالتها أولا كشريك في مناهضة التمييز على أساس الجنس، وثانياً كحامل حقيقي لقيم هذا النضال الواعي ضد كل أشكال ذلك التمييز، ونعلم أن النهاية ليست قريبة أو سهلة، خاصة، وأن هناك بُنى اجتماعية وفكرية واقتصادية، عمرها سنوات من الجمود، والحصار الإنساني الذي أحكم قبضته على المجتمع أولا، ونال أكثر ما نال من المرأة ..

المشكلة أصلا تحمل أبعادا نفسية، وهذه الأبعاد وليدة ظروف مجتمعات عاشت قهرا اجتماعيا عاما على مدى سنوات، فمشكلتنا مع هذه المجتمعات ليست مجرد ضرب الرجل لامرأته أو العكس على سبيل النكات التلفزيونية التي يراد منها تمييع المشكلة القائمة على أرض كل المجتمعات المتخلفة، أو خلق كوميديا تذكرنا بياسين و فطوم، في مسلسل صح النوم..

إن التعاطي مع قضايا المرأة يلزمه بعد ثقافي حقيقي، يربط بين واقع المجتمع عموما ومشكلة المرأة خصوصا،لأن التخلف أصلا وليد الجمود والسلفية من جهة، والحكم الاستبدادي القمعي من جهة ثانية، وضمن هذه الظروف لا يمكن بشكل من الأشكال أن تنطلق الأفكار أو تتحرر العقول، وبالتالي فالمرأة بحكم وضعها في الدرك الأسفل من هذه البنى الاجتماعية ستتحمل الاستبداد المضاعف أولا من المجتمع بوصفها فردا كائنا فيه، وثانيا من الرجل لإيمانه وإيمانها بقوامته عليها.

خلاصة القول هنا، ما يحدث ضمن هذه التشكيلات الشعبية في هذا الواقع القهري العام، أن المواطن يفقد إحساسه بالمواطنة، بل وبالإنسانية، وبدل أن تكون قيمته نابعة من قيمة عمله أو فكره أو كل القيم المعيارية الإنسانية، المختزلة في بلاد مصادرة الحريات، وانتشار زمن العونطجية، والمحسوبيات، وعدم وجود أي ضمان إنساني حقيقي يصون كرامة الفرد، لأنه ضمن بنية هذه البلدان، حتى القانون ليس حراً، ولا يوجد نظام مؤسساتي قادر على حماية الحقوق، ولا نظام قضائي نزيه يحمي الأفراد، وبالتالي تتحول القيمة المفقودة لهذا المواطن إلى جملة بدائل دينية أو غيبية، عاجزة حاليا وصابرة، وموعودة بثمن الصبر الجميل المستكين، وهنا يعوض هذا الفرد المقهور على نفسه باستبداده الخاص على من هم في الحلقة الأدنى منه اجتماعيا، وتصبح المرأة كونها الأخس في معادلة هذه المجتمعات، هي العورة، وهي الشرف، وهي البديل، ويبدأ هذا المطحون لآخره باللجوء لأساليب السيطرة التعويضية، ربما الحجاب، والتشدد فيه أو النقاب، أو الحصار، والمعاملة السيئة، وجسد المرأة هذا الميدان البطولي المفتوح أمامه وله، ليثبت من خلاله القدرة، مرة، والكرامة مرة، وترعى الحكومات، والتشريعات السلفية هذا الوضع، بما تتيحه له من تبريرات، ومساعدات من خلال التساهل في حق المرأة بالحياة، والدافع الشريف، والانتصارات الاجتماعية، وبالتالي هذا المقهور المستلب إنسانيا يجد ميدان البطولة مفتوحا أمامه فقط على جسد المرأة ومن خلاله.

وبما أننا اليوم في عصر السلفية بامتياز، بعد أن انحسر الفكر على كافة الأصعدة، وهزمت المشاريع السياسية والاقتصادية، ودخل المواطن غيبوبة الغيبيات، بعد أن آمن بأن كل ما حوله قدريا لا مجال لتغييره، فقد بدأ الفكر الديني بكافة أشكاله يلقى رواجا عند أصحاب الأحلام المنتهية، وفي زحمة الفتاوي الغزيرة، والتي تركز في معظمها على المرأة وعمل المرأة، منحت الرجل خنجرا مشحونا بالحقد، ومدعوما بالشرع من وجهة نظره، وانتشرت عقوبات البنطال، ومنع المشدات في الصومال، وقصة شيخ الأزهر والنقاب، والتي يمكن أن نستنتج من خلالها حجم المشكلة حين لا يستطيع رجل دين بحجم شيخ الأزهر الوقوف في وجه التعصب، وتضيع الحجة المنطقية، لأن هذا الآخر يمكنه أن يتمترس عند نص أو فتوى، متجاهلا حتى رأي من هم في الدين أعلم منه.

المقصود من هذا الجدل الطويل أن المرأة في مجتمعنا تسير في حقل ألغام تشترك حتى هي نفسها في زرعه، بدءا بالأفكار السائدة عن النساء، والتي شرحتها في حديثي عن الاستلاب العقائدي سابقاً، مرورا بحصر الكرامة والقيمة المهدورة الضائعة للإنسان في بلاد القهر بجسد المرأة، وانتهاء بالتشريعات والقوانين المتهاونة في حقوق النساء، والفتاوى المحصورة في عدد كبير منها بالمرأة وجسدها وحجبها وسترها، تلاقي صداها عند الرجل المضطهد بجملة الاضطهاد العام، وهكذا تكون تلك المرأة في عرفهم قاصرا، وموطوءة، وحاملا إجباريا للظلم من أعلى الهرم لأسفله، ومصيبتها أنها في القاعدة.

وبالرغم من أن النشاط في مواجهة العنف ضد المرأة له رموز معقولة في بلد يمتاز بالتكوينات المتعددة فكريا وسياسيا واقتصاديا ودينيا مثل سورية، إلا أنه في ظل هذه المعوقات، والعقبات حتى القانونية، يظل دون المستوى المطلوب، خاصة وأن قانون الأحوال الشخصية المنتظر الذي يحمل في طياته إنصافا وتجاوزا عن أخطاء قاتلة في حقوق المرأة، لا يزال بعيد المنال، رغم المطالبات الجادة بتعديل المواد ضمانا لمساواة إنسانية حقيقية، وسعيا لخلق ثقافة واعية تنهض بكافة أركان المجتمع.

عن مجلة الثرى- العدد211 تاريخ 12-12-2009 السنة الخامسة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق