أيها الحاكمون: إقرأوا مكيافيلي

في تراثنا العربي المكتوب فيض من النصوص التي تناولت السلطة والسلطان والآداب السلطانية معا مثل كتاب «الاشارة إلى أدب الامارة» للمرادي القيرواني، وكتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، وكتاب «التاج» للجاحظ، وكتاب «سراج الملوك» للطرطوشي، و«سلوك المالك» لابن أبي الربيع، و«سياسة الملوك» لعبد الرحمن بن عبد الله، و«الشهب اللامعة في السياسة النافعة» لابن رضوان، و«تحفة الترك فيما يجب ان يُعمل في الملك» للطرطوسي، علاوة على «كليلة ودمنة» لابن المقفع، وغيرها.

ومع ذلك فقد تقفعت أيدينا وظهورنا جراء الاستبداد والطغيان اللذين لم ينتفعا قط بكلام الحكماء والناصحين. وإذا كان هؤلاء الحكماء قد تركوا لنا ذخيرة معرفية مهمة في ميدان السياسة والرياسة، فان الحكام العرب خلّفوا لنا «مآثر» جمة في أصول الحكم. فها هو سليمان بن عبد الملك يأمر صاحب الخراج في مصر أن «احلب الضرع، فان انقطع فاحلب الدم». وها هو زياد بن أبيه في إحدى خطبه يقول: «نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ولنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا». وفي الخطبة البتراء يقول: «وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح بالسقيم حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: أنج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم». أما الخليفة المنصور فلم يتردد في القول: «أيها الناس ان الله ملكني رقابكم وأموالكم فان شئت قبضت وان شئت بسطت». ولعل شعرة معاوية بن أبي سفيان كانت لحظة نادرة في التاريخ العربي لم تتكرر الا قليلا، ولم تنقف براعمها على الاطلاق. ومعاوية، باني الدولة العربية الأولى في دمشق، هو القائل: «لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا»، وهو القائل أيضا: «إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا اضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدا. فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت اذا مدّوها أرخيتها وإذا أرخوها مددتها».

بهزيمة هذا النص اللامع لمعاوية على أيدي خلفائه، صار الحاكم غير مسؤول عما يفعل، بل يسائل رعيته عما يفعلون وحتى عما لا يفعلون. وتحول الفقهاء الى مجرد أتباع مرصودين لتبرير سلوك الحاكم، وابتداع الفتاوى التي تجيز له الظلم والانحراف. وبات كل من يعارض الحاكم قد ارتكب المعصية بلغة الدين، والعصيان بلغة السلطة. وعقوبة المعصية قطع الرأس بسيف السلطان، وعقابها الديني الحرق بنار جهنم. لذلك كان شعار الجلاد بعد اقامة الحد: «هذا عقاب الدنيا أما عقاب الآخرة فأشد». ولهذا ليس من الغرابة اليوم ان يكون شعار المحاكم العربية الظالمة «وإذا حكمتم فاحكموا بالعدل» بينما لا يجرؤ أي قاض على نصب ميزان العدالة. وليس من المستغرب ان يكون شعار السجون العربية الراعبة »ما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين» فيما تفيض هذه السجون بأبريائها من كل صنف ولون. أَلم يقتل خالد بن عبد الله القسري صبيحة عيد الأضحى الداعية الجعد بن درهم لأنه كان يقول بخلق القرآن، ثم عاد الواثق بالله ليقتل أحمد بن نصر لأنه كان يقول بعدم خلق القرآن؟

{{لنقرأ مكيافيلي مجددا}}

صدر كتاب «الأمير» لمكيافيلي في سنة ,1532 أي بعد وفاته بخمس سنوات. لكن سلطات فلورنسا انقضت على الكتاب في سنة 1557 ومنعت تداوله، وبقي ممنوعا في ايطاليا كلها حتى القرن الثامن عشر. ومنذ ذلك التاريخ راح «الأمير» ينتشر في جميع المدن وأقاليم العالم حتى صار أحد أكثر الكتب رواجا الى جانب الكتاب المقدس. وصل كتاب «الأمير» الى العالم العربي منذ القرن التاسع عشر. وكان متداولا في بلاط الحكام منذ ذلك الزمن. لكن العرب لم يحفظوا من هذا الكتاب الا عبارة «الغاية تبرر الوسيلة». أما الحكام العرب فطبقوا ثلاث نصائح فقط منه هي:

–صداقة الجنود المسلحين خير من صداقة الشعب الأعزل.

–الأسلم للحاكم ان تخافه الرعية بدلا من ان تحبه.

–كي يستمر الحاكم في الحكم أطول فترة، عليه ان يبدو دائما في مظهر الجبار والمقدس معا.

من الظلم ان يتهم بعض الحكام العرب بـ «المكيافيلية» كما درجت عادة بعض الكتّاب. فمكيافيلي هو مؤسس الفكر السياسي الحديث، وكتابه «الأمير» هو نتاج عصر النهضة العظيم، أي عصر التحرر من قيود الكاثوليكية، بينما الاستبداد العربي الحديث هو وليد عصر الانحطاط المديد. ومكيافيلي هو رجل الجمهورية الايطالية التي قامت على أنقاض الدويلات المتصارعة، وكان هدفه تعليم الحكم لرجال الدولة. أما نحن، في العالم العربي، فما زالت الدولة الحديثة فكرة مؤودة، فلا دولة لدينا ولا رجال حكم، بل رجال عشائر او زعماء طوائف، او رجال استخبارات.

حينما قدّم مكيافيلي مخطوطة «الأمير» الى الحاكم «لورنزو» أهدى اليه معه بضعة كلاب صيد. لم يُلقِ الأمير «لورنزو» ولو نظرة واحدة على المخطوطة، لكنه فرح كثيرا بكلاب الصيد.

والمستبدون العرب اليوم، مثل لورنزو قبل 500 سنة، لا يقرأون الا تقارير المخابرات، وكلابهم البشرية المتوثبة ما زالت تلغ في دماء الأبرياء ونقيع المعذبين. ومهما يكن الأمر فقد كان صدور كتاب «الأمير» انقلابا فكريا خطيرا، فقد كان مغايرا للفكر السياسي الرائج آنذاك، تماما مثلما كان اكتشاف كولومبوس أميركا مغايرا للنظريات الجغرافية التي كانت شائعة في ذلك العصر. ولهذا رأى فيه الكثيرون فكرا يخالف الانطباع الأولي الذي يوحي به عنوان الكتاب ومضمونه. فقد فسر الكاردينال ريجينالد بوليه (1500 ـ 1558) ما جاء في «الأمير» أمام مجمع «ترانت» الكاثوليكي (1545 ـ 1563) بأنه عمل يحرض به ميكافيلي الشعوب على الحكام. ورأى جان جاك روسو ان مكيافيلي تظاهر باعطاء دروس للملوك بينما كان يعطي الدروس العظيمة للشعوب، فهو كتاب الجمهوريين. أما أنطونيو غرامشي فرأى فيه منشورا حزبيا يهدف الى تعليم الطبقات الصاعدة، أي الجمهوريين، فن الحكم.

قصارى القول ان كتاب «الأمير» هو بحث في كيفية اقامة الدولة والمحافظة عليها، والتخلص من الأعداء، وممارسة الحكم في نهاية المطاف. أما الغاية فهي واضحة، للأمير البقاء في الحكم. ولروما الحفاظ على الدولة. وللقائد الانتصار في المعركة. أما الوسائل فهي معقدة. لكن مكيافيلي، على عكس ما هو شائع، ينصح الحاكم بعدم ممارسة القسوة إلا مرة واحدة عند الضرورة على ألا تتكرر ثانية أبدا… فالقسوة التي تتزايد بمرور الزمن تأتي بضدها، أي بالمؤامرات والمكايد.

ان أهم نقد للجماهير قدمه مكيافيلي حينما قال ان الطبيعة البشرية معاكسة للفضيلة. فالناس لا يقومون بالخير الا عند الحاجة. وعندما تسنح الظروف لهم يقومون بأعمال شريرة. في الحرب مثلا، لا يقاتل الجنود بشجاعة الا اذا وجدوا أنفسهم في وضع لا مخرج لهم منه الا بالبطولة. والحاجة ايضا هي ما يجعل الفرد مثابرا، والا فهو كسول. لذلك رأى مكيافيلي ان من الضروري انشاء مؤسسات يعاكس القانون فيها الطبيعة البشرية.

{{«الأمير» العربي}}

لم يقرأ السلاطين العرب، في معظمهم، كتاب «الأمير» على الأرجح. وبطبيعة الحال لم يقرأوا ما كتبته قلة من المفكرين الانسانيين العرب النادرين. فعبد الرحمن الكواكبي الذي وجد أن «العوام سلاح الاستبداد» كان يعرف، من دون أن يقرأ «الأمير» ان الجنود والعساكر لا تهتم الا بالطعام والذخائر. انها الدهماء او الرعاع او البروليتاريا الرثة (الحثالة) التي اختطف ممثلوها الأكثر دموية السلطات في بلادنا، وأناخوا بكلكلهم على رقاب الناس وصدورهم. وأفضل برهان على ذلك ما يجري في العراق اليوم، وما يتم الاستعداد له في بيروت كي يجري على هذا المنوال في لبنان غدا.

ثلاثة لا أمان لهم: السلطــان والبــحر والزمان. هذا ما ذكرته الأمثال العربية قديما. لكن، ما تتناساه الأمثال يتذاكره الحكــماء فيقولون: إذا رغب السلطان عن العدل رغبــت الرعية عن الطاعة. وللأسف العميم، فان الناس ما زالوا رعايا في دولة السلطان، ولم يتحولوا الى شعب في دولتهم. لهذا كان الخروج على السلطان، في كثير من الأحيان، مثل تسييب قطعان الماعز في الكروم الخضر.

كان «الأمير» كتابا فريدا موجها الى رجال الدولة في عصر البرجوازية الصاعدة في أوروبا. وكان له شأن كبير في تفكير بناة الدول التي تطورت الحرية فيها الى ما نعلم. بينما فشلت كتب السياسة والرياسة بالعربية، على كثرتها، في أن تجعل خليفة او أميرا او زعيما يحترم حرية شعبه. أليس هذا هو الطغيان؟ لا ريب في أن هناك فارقا جوهريا بين الطغيان والاستبداد، أي بين المستبد والطاغية. فالمستبد يمكن ان يكون مستبدا و«عادلا» في الوقت نفسه، أي ان يوزع استبداده بالعدل على الجميع. لكن الطاغية هو آفة عصرنا. وفي بلادنا العربية لم نعرف قط «المستبد العادل»، لكننا تعرفنا، ويا للهول، الى الكثير من الطغاة.

ليس الطاغية كالمستبد. ومن المضحك ان نصرف جهدنا في العثور على مزايا للمستبد، ثم مقارنته بالطاغية. ومهما يكن الأمر، فالمستبد يمكن ان يزول بالموت او بالتغيير المتدرج. أما الطاغية فهو كمن يقطع شجرة لينال ثمرة، فهو جاهل ظلوم، ولا يزول الا بعد ان يترك في المجتمع ندوبا وبثورا من الصعب علاجها.

أيها الحاكمون: اقرأوا مكيافيلي. أيها الديموقراطيون: اذا دانت لكم الأمور، فافرجوا عن المعتقلين وضعوا مكانهم القضاة والفقهاء ورجال الأمن وأعضاء الحكومة.

نشرت في السفير في 25/2/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق