أيّ فلسفة لأيّ مدرسة؟

تقديم:

ظهر هذا النص أوّل الأمر في سياق محدد هو النقاش الذي عرفته فرنسا إبان برنامج "إصلاح المدرسة" الذي سمي بإصلاح هابي REFORME  HABY سنة 1975، في ذلك الحين كان  دريدا قد تزعّم حركة للدفاع عن تدريس الفلسفة، بعد أن سعى الإصلاح المذكور إلى الحدّ من حضورها في برنامج التعليم الثانوي الفرنسي. غير أن قيمة هذا المقال، على صغره، لا تنحصر في هذا الحدث أوالتاريخ ذاتيهما، بل هي تمتد لتلامس أسئلة أوسع تتعلّق بالمعنى والغاية من تدريس الفلسفة ذاتها كمعرفة في أي سياق كان، ومن هنا أهميته بالنسبة لنا نحن.

والحقيقة أنّ دريدا يحاول أن يبيّن أمرين اثنين، أوّلهما أن هناك جملة من المسلمات الضمنية التي تحكم تلقين الفلسفة وتبرّر تأجيل تدريسها إلى الثانوي، وهي مسلمات قديمة وذات أصول مثالية، وثانيهما أنّ الأهمّ ليس الدفاع عن  الفلسفة بصيغة  مجردة و"نضالية"، بل الأهم هوتقديم تصور "فلسفي" عن درس الفلسفة، بأن نرتقي للتساؤل عن ماهية ما سندرسه فيها، وعن الغاية التي نروم من هذا التدريس، وعن  العلاقة التي ينبغي أن نقيم بين الفلسفة كمعرفة مُدرَّسة وبين باقي المعارف. وواضح أن هذه القضايا تهمنا بشكل مباشر نحن المدافعين في العالم العربي عن نشر وتلقين المعرفة النقدية  والفلسفية. 

النص:

من أين أتت هذه الفكرة التي مفادها أنّ أيّ تعرّف على الفلسفة هو أمر مستحيل، بمعنى أنه ممنوع، "قبل سنّ المراهقة"؟

إن هذه "الكذبة" الماكرة التي تتحجّج بالسنّ وبالنضج النفسي والعقلي[لمنع الفلسفة قبل البلوغ] تقود، وباعتماد بدائل متعددة، إلى أكثر الممارسات رجعية، وهذا الأمر هو عينه ما نجده، وفي صيغته الأكثر وثوقية، في لغة الوزير الحالي(1)، فكل "منظومته التربوية" تقوم على مفاهيم من قبيل "مستوى الوعي" و"النضج العقلي"، وهو ما يروم من خلاله أن يوهمنا بأنه يستند في بناء مواقفه إلى معطيات "التجربة البيداغوجية" وليس على اعتبارات "اجتماعية – سياسية" (2).

والحقيقة أن هذا الإجماع الضمني حول السن الطبيعي أو النموذجي للتفلسف كان دائما أحد الأسس التي لا يرقى إليها الشك في تدريس الفلسفة. بيد أن المطلوب هوالتحليل العملي لهذه المسلمة، أي خلخلة المرتكزات السياسية – الجنسية [التي تؤسس لها]؛ أي خلخلة صورة  [طالب الفلسفة] ؛ صورة ذلك الفتى الصغير الساذج، الجاهل البريء، الذي نضج أخيرا وصار مستعدا للتفلسف، [الفتى الذي] سيبتدئ، ودون افتراض أي معرفة مسبقة، مع البلوغ – بين 15 و18 سنة – في طرح ووضع الأسئلة الكبرى استعدادا لولوج المجتمع، إذ قبل هذا السن[بحسب هذا التصور] سيكون الأمر شاذا، أوغير ممكن، بسبب من غباء الفتى الطبيعي الذي مردّه صغر سنه؛  وبعد هذا السن سيكون هذا التساؤل غير ذي جدوى، بل مسيئا ومضرا،  فالرجل الذي لا يبتدئ في التفلسف إلا عند الكهولة، هورجل "ليس كامل الرجولة، بل هوـ وهذا ما ترسخ في ذهننا  منذ كاليكليس في محاورة غورجياس ـ يستحق الضرب"(3).

إن ما يعنيه هذا الأمر هو أن الاقتصار على الدفاع عن درس الفلسفة (في صورته الحالية) هوفي الحقيقة دعوة للإبقاء على [هذه التصورات] والموانع  ذات الطبيعة النفسية الجنسية والاجتماعية السياسية، والحال أن لا شيء سيفتح آفاق فهم وممارسة الفلسفة [فعليا]، وقبل الفترة المسماة عندنا  بالمراهقة، إلا  إحداث تغيير [جذري]  في العائلة، كما في المجتمع والسياسة، وبالتالي إحداث تغيير في معنى المدرسة ذاتها، ابتداء من مستوى  "الروض"، وواضح أن تغييرا من هذا الحجم  لن يحصل إلا بمعارك نخوضها داخل وخارج الفلسفة، ثم داخل وخارج البيداغوجيا، وهوما سينتج عنه بروز علاقات جديدة بين هذين المجالين، ثم بين الفلسفة وباقي التخصصات المعرفية، ناهيك عن تغيرات في داخل الفلسفة ذاتها.

ولكي يكون بالإمكان تدريس الفلسفة بشكل مختلف، قبل "الابتدائي"، ثم  بعد الشهادة الثانوية (terminale)، ينبغي أن نحقق مهمة غاية في الصعوبة، وهي أن نتفادى، وفي الآن نفسه، أمرين اثنين : تجزيء الفلسفة (بالسقوط تحت هيمنة "العلوم الإنسانية" مثلا)، أو الإبقاء عليها داخل  التصور التقليدي المهيمن ذي الطبيعة الأنطولوجية الموسوعية. ولأجل بلوغ هذه الغاية ينبغي علينا إبداع روابط جديدة بين المضامين الفلسفية والحقول العلمية وغير العلمية [ المحيطة بها]، وهو ما سيكون من الضروري معه تجديد تكوين المدرسين و[تنويعه] (فلسفي، علمي، بيداغوجي).

الأمر لا يتعلق إذن، كما قد يفهم بعض المعترضين المتشككين، بالدعوة إلى إنزال  بعض الدروس التي تُقدم في الباكالوريا إلى السنة التي قبلها، وهي الدروس التي لا يتحقق تدريسها عمليا حتى في الباكالوريا، بل يتعلق بالقبول المبدئي، وكما نفعل ذلك في التخصصات الأخرى، بمبدأ التدرج المحكم في تقبل وتعلم وتحصيل المعارف[ الفلسفية]، إذ نحن نعرف بأنه إذا توفرت بعض الشروط، وهي التي ينبغي علينا فعليا توفيرها، تكون "الملكة الفلسفية" عند الطفل أحيانا قوية جدّا، وهذا التدرج ينبغي أن يمس، في نفس الآن، تدريس قضايا التراث ونصوصه، كما قضايا الفكر الحديث ونصوصه، فالصعوبة المفترضة في [ تدريس] هذه المسائل[ ليست آتية منها] بل تعود بالأساس إلى الآلية السياسية البيداغوجية التي تحكم التدريس ضمنيا والتي نبهنا إليها سابقا.

إن تحقيق هذا الهدف سيتطلب منا على الخصوص أن نقيم علاقات نقدية بين التدريس الفلسفي وأشكال تدريس المواد الأخرى – وهي نفسها في تحوُّل- أو لنقل إنه سيتطلب منا إعادة تشكيل العلاقة بينها. فمن يشكّ اليوم في أن هناك أفكارا فلسفية دقيقة تُدرس عبر الأدب واللغات والتاريخ والعلوم نفسها؟ هل سبق وطرحنا هذا الأمر وتساءلنا يوما عن الصعوبات الواقعية التي يطرحها تدريس هذه التخصصات؟ التربية الدينية؟ التربية الأخلاقية؟

إن إدراك وتبين القضايا الفلسفية philosophèmes ، كما تحضر  ضمنيا داخل الدرس الفلسفي وخارجه يتطلب تكوينا مستقلا، وهذا التكوين ينبغي أن يتطور في داخل كل تخصص معرفي على حداوضدا عليه في نفس الآن، مسايرا بذلك ما سيتم إبداعه وإيداعه من أفكار فلسفية جديدة في هذه المضامين التي تم تجديدها. وواضح أن مثل هذه الأمور لن تتحقق دون إجراء تغيير كلي  لمعنى التدريس، من الابتدائي إلى الجامعي، أي دون حصول تحول في المجتمع ذاته. إذن، فبدلا من التمسك الوثوقي ب "الدفاع عن الفلسفة"، أوالتسليم ب"موت الفلسفة"، وهوما يخدم في الحالتين معا، وبنفس الأسلوب،  نفس الغايات، أًوَ ليس الأجدى بنا أن ندافع، وبشكل شجاع وجريئ، عن إدخال برامج ومضامين وممارسات جديدة ؟

المصدر:

 « la philosophie et ses classes », In du droit à la philosophie,

Jaques Derrida, Galilée, 1990

      والعنوان الموضوع هنا من اقتراح المترجم، والكلمات الواردة بين معقوفتين هي ، والكلمات الواردة بين معقوفتين هي إضافات من المترجم لتوضيح العبارات أكثر.

الهوامش:
1-   René Habyوزير التعليم الفرنسي صاحب برنامج الإصلاح المذكور سنة 1975 .

2- cité par yves Angés, « le libéralisme pédagogique », le monde du 13 Décembre 1975.

3- Gorgias, 485 c ; Platon, Œuvres complètes, tome III, 2e Partie, texte etablie par Alfred Croisetn Parisn, les belles lettres 1948, P, 164.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق