أي مصير ينتظر الإسلام والمسلمين؟ / ناديا ظافر شعبان

إذا كانت صورة الانهيار السياسي العربي مخيفة ومريعة، فإن صورة الانهيار الفكري، أو الثقافي العربي، أكثر خوفا وأشد رعبا، وخصوصا فيما يتعلق بالفكر الديني واستيعابه كمرتكز ثقافي وحضاري تجديدي عام، إذ لم نعد نجد في الوسط الإسلامي العربي وغير العربي، قامات كبيرة وخلاقة من مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي، والإمام محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ومالك بن نبي، وعبدالرحمن الكواكبي، وفاروق اقتداري، ونظام الدين أوغلي، وعبدالله العلايلي، ومحمد مهدي شمس الدين وغيرهم، وغيرهم من علماء أهل السنة والشيعة، من شأنهم أن يتصدوا لفداحة الهبوط، أو«الشرشحة» التي وصلت إليها الساحة الفكرية الإسلامية، ويكونوا بالفعل رافعة تاريخية مجددة للثقافة الدينية، ولصورة الإسلام كما ينبغي أن تكون عليه في إطار المشهد الفكري العالمي الراهن، والانفتاح على الآخر، والتناغم معه في طرح المشكلات العالقة، وإيجاد الحلول المرنة والمتسامحة لها.

باختصار، نحن اليوم في عصر انحطاط ثقافي ديني غاية في الرثاثة، والبؤس، والهبوط، والغثيان.. فأنىّ تلفت حواليك هذه الأيام فإنك لا تجد غير رجال دين، أقصى طموحهم أن يكونوا من المحظيين جدا في البلاطات الجديدة، يؤمرون فينفذون دونما أدنى مجادلة، حتى ولو كان الأمر منافيا لأبسط التعاليم الدينية المتداولة والمتعارف عليها. معظمهم مرتاح جدا لوضعه في مستنقع التخلف، ومراتع الخرافة والأسطورة، والضحالة الفكرية، والاستتباع السياسي المذل والمدمر في آن. ولذلك نجد أنفسنا أمام حالة فقدان مناعة مفتوحة في صفوف المسلمين، وانكشاف الساحة الإسلامية على كل أنواع الظلامية، والشذوذ، والإرهاب، والتكفير، والانفلات، والتبعية الأمنية، وحتى المخابراتية لقوى خارجية سرية مشبوهة.

وعندما أقول بهذه التبعية، أحيل دليل كلامي على العديد من المتجلببين بالدين، فبعض من يرتدي الزي الإسلامي بمشهديه السني والشيعي ضبط مثلا في العراق وهو في حالة التهيؤ المباشر لتفجير مسجد للسنة هنا، ومقام للشيعة هناك، كما ضبط بعضهم وبالجرم المشهود، وهو يهمّ بوضع متفجرة في هذه السوق الفلانية، أو ذاك التجمع العلتاني، وتبين فيما بعد أن هؤلاء رجال مخابرات بزي رجال دين.

لكن البعض منهم، ولأنه تكفيري النزعة، كان يقوم بهذه الأعمال الإرهابية عن سابق قصد وترصد، وهو مقتنع بما يقول ويعمل كما قال للمحققين، ومن باب «الواجب الديني».

وأيضا يمكننا اعتبار كل من يفتي من هؤلاء العضاريط بأن هذه الطائفة الإسلامية أو تلك، ملحدة وكافرة، فهو الملحد والكافر، وهو عدو للإسلام ولله سبحانه وتعالى ولرسوله وكتابه الحكيم.

وحتى الذين يفتون ضد ميكي ماوس، والحيض، وتحريم التظاهر، وعدم دخول المرأة العمل السياسي ومجالس الأمة، هو ظلامي أيضا، وهو عدو للإسلام وجاهل به، وخطر عليه. نعم فالظلامية هي أشد خطورة وضررا على الحرية من خطر الاستبداد ونتائجه، لأن الناس في المجتمع الظلامي يتحولون إلى «مفوضين إلهيين» كي يقتل بعضهم بعضا ويجرم بعضهم بعضا.. يتحولون هكذا إلى كائنات عصابية مغلقة، تتفنن في القضاء على مجتمعها وتيئيسه، وشطب ثقافة الحياة فيه، وإلحاقه بالفقر المادي والمعرفي والسياسي والثقافي، فلا يعود يرى المواطن ما حوله، وما ينتظره، فيتحول إلى ضحية مجانية بيد نفسه وأهله وأبناء جلدته ومن ثم أعدائه.
نعم هذا ما يفعله الظلاميون من رجال الدين بعدما خلت الساحة لهم، فتحولوا إلى عناصر محمومة تضخّ خطاب الكراهية والعنصرية والغشاوة وقلة العقل، أو على الأصح انعدامه، فكيف لنا أن ننتج ثقافة دينية صحية منفتحة ومتطورة ومطورة لمن يعتنقها، أو لمن يتعاطى معها كفكر مستقل؟

بتنا نفتقد وفي العمق، لرجال دين من وزن من ذكرنا أسماءهم في بداية مقالتنا هذه، باستطاعتهم أن يردوا عنا هذا الطوفان من الجهل والغباوة والشطط وموجات الحيل الفقهية وتدبير النفاق. فعلى سبيل المثال كان العصر الذي عاش فيه الإمام محمد عبده زاخرا بالأحداث التحولية الجسام أيضا، وكان مجتمعه المصري والعربي والإسلامي العام ضحية للجهل والفوضى العقلية والانحطاط الأخلاقي، تماما كما نحن عليه اليوم، فكان أول ما فعله في هذا الصدد، هو الجهر بأن الإصلاح الديني والأخلاقي يجب أن يسبق الإصلاح السياسي، بل قد يغني عنه في أكثر الأحيان، لأن الأول جوّاني، والثاني برّاني، ومن أصلح جوانيته، أصلح الله برانيته، مصداقا لقول الرسول الكريم.

وكان يرى أنه ينبغي الشروع في تطهير واسع، يتناول أهل النفوس الضعيفة ومحترفي السياسة، والنخاسين، والمتخاذلين والمهرجين، والديماغوجيين من سياسيين و«رجال دين»، باعوا ضمائرهم للمال والسلطة الوهمية والإدمان على الأوهام. وياليت الأمر اقتصر على ذلك في رأي الإمام العظيم، بل تحول هؤلاء إلى عوامل محرضة على التخلف والتأخر والاستنقاع في العبودية، وسد منافذ نور الحرية، وانفتاح العقل على كل شيء.

كما حمل على فقهاء عصره وتزمتهم في فهم النصوص الدينية وتشبثهم بحرفيتها وظاهرها، وحمّلهم ما وصل اليه المسلمون من فهم سطحي، ساذج، وقلة اكتراث بجوهر العقيدة.. وأنحى باللوم على كبار العلماء، خصوصا لافتقارهم روح النقد والتجدد وتمكن الأوهام والخرافات والخزعبلات من أكثرهم، إذ راحوا يعكسونها على رعيتهم. ومن هنا نجد حماسته بعد عودته من المنفى لإصلاح الأزهر، إصلاحاً يؤهله لأداء رسالته الدينية الصحيحة، ونشر العلم الصحيح، وبث العقيدة الدينية الصحيحة ومكافحة الأراجيف والأباطيل.

كم نحن بحاجة اليوم إلى رجال دين مسلمين بهذا المستوى العقلي، الراقي والرفيع، ليكشحوا عنا هذا العفن والبله والرعونة المضاعفة للجهل بالدين والمعرفة والثقافة الإنسانية والحياة.

عن جريدة أوان 11/6/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق