إثنية- إثنيات،أدب- آداب ساندر ل. جيلمان

ما هي الإثنية؟ ولماذا سحر العديد من ممتهني الثقافة بها؟ ولماذا باتت قوة سياسية تمظهرت في عدة أشكال عند الحديث عن الأدب والثقافة ونقدهما؟

يمكن القول أن الإثنية، كما يتم استخدامها في الدراسات الإنسانية، مفهوم سوسيولوجي شمال أميركي، تم تعريفه مقابل مقولات العرق race والطبقة Class في مقالة ذاع صيتها، قدم م . بولمر تعريفاً سوسيولوجياً نموذجيا ًللإثنية ووصفها بأنها “نزعة جماعية ضمن مجتمع أكبر له نسب عام حقيقي أو مزعوم، مع ذكريات وماض مشترك وبؤرة ثقافية تتركز على عنصر رمزي أو أكثر يمكنها أن تحدد هوية الجماعة، شأن القرابة أو الدين أو اللغة أو الأرض المشتركة أو الجنسية أو المظهر الجسدي”. تقترب وجهة النظر هذه من تعريفات العرق Race في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا المادية، بما أنها تشتمل على المظهر الجسدي لأعضاء جماعة ما. أما بالنسبة للطبقة Class، أكثر تلك المقولات سلاسة، فإنها وبالتأكيد تتخطى كل المتغيرات في تعريف بولمر.

لقد جاء الافتتان المرافق للإثنية بوصفها مقولة في الدراسات الإنسانية، من المناظرات التي جرت في الولايات المتحدة الأميركية ( وبشكل أقل في كندا) في عقد الستينيات. هذه المناظرات التي دارت حول ميزات النزعة التفصيلية والنزعة العامة في القراءة والكتابة والتعليم. ولم تدر رحى هذه المناظرات حول جرن الانصهار فقط، وهو مفهوم استقاه علماء الاجتماع عام 1909 من عنوان مسرحية للكاتب اليهودي البريطاني “اسرائيل زانغويل”، لكنها دارت أيضاً حول دور الأدب في تأمين الوسيلة للتعبير عن نماذج معينة من النزعة التفصيلية مع تحليل لهذه النماذج.

لقد أفسحت فكرة “جرن الانصهار” في الأدب المجال لنقاشات عالم الاجتماع اليهودي الألماني جورج سيميل حول “أصحاب الإقامة المؤقتة”، وهم أفراد يؤكدون حضورهم المؤقت في المجتمع. كما ركز دارسو الأدب أيضاً على مقولة “المنبوذ”، وهي مفهوم سوسيولوجي بزغ لدى البروتستانتي الألماني ماكس فيبر، مميزين إبداع الجماعات المحكوم عليها أبداً بعزلة خارجية أو عزلة ذاتية مفروضة عليها، عن النزعة الجماعية. أو أنهم تبنوا التفكير الذي طرحه الأميركي النورويجي ثوربستين فيبلين حول ثنائية النازح/والمهاجر. وقد اقتضى كل نموذج أشكالاً جديدة ومعقدة من التفكير بالإثنيات والآداب.

أما اليوم فتعتبر الإثنية مفهوماً شمال أميركي، ذلك أن تعقيداتها تطورت بمعظمها من المناظرات التي دارت حول تقييم النزعتين التفصيلية والعامة في حركة الحقوق المدنية. وبهذا شكلت هذه الحركة المحيط الخاص للثقافة والسياسات الأفرو-أميركية، التي لا يمكن فهمها بالضرورة بوصفها محدداً للإثنية. لكن كان من الواضح أن هذه المناظرات تأسست على المناظرات المتزامنة التي دارت حول الطبقة (الطبقة الدنيا) والعرق (العرق الأسود). ورغم ذلك لم يعد ينحصر نقاش الإثنية ضمن الولايات المتحدة فقط. فقد هدفت إحدى المبادرات السكوتلاندية في البي بي سي BBC وهي بعنوان “هجرات” إلى تنشئة موهبة “كتاب اللون السكوتلنديين”. هذه المبادرة التي فهمها هارديب كولي، وهو كاتب اسكوتلندي ينحدر من أصل جنوب آسيوي على أنها “تنشئة مواهب الكتابة للأقليات الإثنية”. وبالرغم من أن دينيش د سوزا بدأ كتابه بتسجيله وبكل حرص، هويته العرقية والإثنية، فهو يبقى أمريكياً مجنساً ولد في الهند. وبما أنه “فرد ملوّن” كما يؤكد، فإن ذلك يعطيه “حصانة إثنية” ويستطيع أن يعلق على كل مظاهر العرق. وهنا يبدو أيضاً أن استخدام اللون والإثنية يشوش مقولات التحليل، رغم أن تطبيق المصطلحات يبدو واضحاً. ولكن ماذا عن التغطية المتوسعة لما هو إثني؟ لقد قام كاتب هذه السطور بالاشتراك مع جاك زيبس بتحرير كتاب كان أحد أغراضه تفحص علاقة اليهود والكتابة اليهودية باللغات الألمانية والعبرية واليديش بالنسبة للألمان (من غير اليهود) وللألمانية (كلغة) وللكتابة في ألمانيا بشكل عام. لكن لم يخطر لنا أن هذا مشروع إثني. ورغم ذلك فقد وضع المفهرسون في مكتبة الكونغرس الذين كانوا بحاجة لإبداع تصنيفات عملية، قائمات لمقولات هذا الموضوع في الكتاب كما يلي:

يهود- ألمانيا- تاريخ

اليهودية- ألمانيا- تاريخ

يهود – ألمانيا – الحياة الفكرية

ألمانيا- الحياة الفكرية

ألمانيا- العلاقات الإثنية

تبدو هذه المقولات معقولة من منظور أميركي شمالي يركز حول فكرة الألماني أو اليهودي أو حتى اليهودي الألماني. لكن مقولة “الإثنية” لا تستخدم إلا نادراً في ألمانيا لمناقشة الحضور الثقافي لليهود في ذلك البلد، مهما كان تعريف كل من اليهود وألمانيا. يدمج الأميركيون الشماليون وبسهولة دور جماعة إثنية دينية ما في ثقافة الأغلبية مع دور الطبقة، وبالرغم من ذلك، نعتبر النظر إلى حالة اليهود في ألمانيا بوصفهم جزءاً من علاقات إثنية، كلاما دقيقا وغير دقيق في آن معاً.

تتقرى مساهمة دانييل بويارين الملفتة تعقيدات فهم فرويد لليهودية. فبويارين يظهر أن العرق والطبقة والجنوسة (Gender آثرنا أن نثبت هنا اقتراح كمال أبو ديب ” الجنوسة على قياس ” الذكورة” ” الأنوثة” والمقصود بهذه الكلمة هو الاختلاف القائم بين الذكر والأنثى ليس على أساس تشريحي وإنما على أساس اجتماعي واقتصادي، أي أنه يرتبط بالتشريط الاجتماعي الذي تمارسه السلطة في مجتمع ما. المترجم.) يجب أن تصبح جزءاً من أي نقاش يدور حول الإثني. هذه الفكرة ذاتها ناصرها، بجلاء وروعة جوناثان فريدمان بتحليله الثاقب لحالة التوتر بين الجنوسة gender والهوية الإثنية الكائنة في مسرحية توني كوشنر (ملائكة في أميركا).

إن مطالب كوشنر المتناقضة الساعية إلى هوية يهودية خنثى (الأصل في النص gay وهو المثليّ. المترجم) في رؤاه لأميركا معاصرة، تزود فريدمان بوسيلة لقراءة الموقف الصعب الذي تجد فيه شخصيات المسرحية نفسها في عصر الإيدز هذا.

ولكن ما هي الكتابة الإثنية؟ لقد باتت الهوية الإثنية في الولايات المتحدة على الأقل في شكلها “الجيد” سهلة المنال عندما بدأت هذه الجماعات تتثاقف. وفي اللحظة التي تم فيها إقصاء وصمة الهوية الإثنية من أي جماعة (مهما عُرفت بالإثنية)، كان بإمكان تلك الجماعة أن تبدأ بالتفكير بنفسها على أنها مميزة إثنياً، لكن وبالطبع ليس إلى درجة بعيدة. وبشكل مشابه تصبح الكتابة إثنية فقط بعد أن يسمح لها أن تكون كذلك. إذن، من المفترض أن الكتابة البريطانية ليست إثنية، بالرغم من أن البريطانيين أسسوا ذواتهم عبر قانون اتحاد واندماج السكوتلنديين الأنكلوفونيين، والويلزيين والأيرلنديين في الكتابة الإنكليزية لتشكيل عالم ” شامل” غير تفصيلي للشرعة البريطانية.

عندما ثار الكتاب الإثنيون (تتم قراءتهم على أنهم قوميون)، مثل ليدي غريغوري وويليام بتلز بيتس ضد زعم النزعة العامة، كانوا قد خلقوا بهذا كتابة إيرلندية إثنية (باللغة الإنكليزية) أنجزت المطالب القانونية للعام. وبحسب تشنغ، رد جيمس جويسعلى هذا الزعم في رواياته الحداثوية متعددة اللغات والثقافات، والمضادة للقومية والتي بقيت إثنية، شأن “عوليس” و”يقظة فينيغان”. وكما أشار بيتر هوهيندال ببراعة، فإن إبداع الأدب الألماني كان مهمة أكاديميي القرن التاسع عشر الذين بنوا فانتازيا لثقافة ألمانية موحدة لم ينجزها لسينغ أو الكتاب الآخرون لعصر التنوير. لقد أخذ هؤلاء الأكاديميون الأدب الإقليمي للألمان السويسريين والبافاريين بالإضافة إلى أعمال أولئك الذين منحوا امتيازاً من أجل نموذج يتجاوز الإقليميي، شأن ليسنغ، وصنعوا أدباً ألمانياً بدأ مع فولغرام فون إيشنباخ وانتهى معهم. وتم إقصاء بعض النزعات الإقليموية وتحولت إلى تعريفات للاختلاف. وهكذا فاليهود الذين خضعوا للمثاقفة وانطلقوا مع موسى مينديلسون، اتفقوا مع معاصريهم المسيحيين ورفضوا أدب اليديش الغربي بوصفه جزءا من تقليد ألماني. وبات من الجلي عبر استعادة ما هو ماض، أن الكتابة اليديشية كانت تشكل جزءاً من الثقافة الألمانية في العصور الوسطى وبداية الفترة الحديثة، بالقدر ذاته الذي كانت تشكله الكتابات العامية الألمانية في المناطق الوسطى والمرتفعة Middle High. ومع ذلك وحتى اليوم يتم رفض اليديش الغربية على أنها ليست ألمانية حقيقية. في أحد المؤتمرات في كاليفورينيا الدانوبية عقد في خريف 1996، طرحت مسألة إقصاء النصوص المكتوبة باللغة العبرية من شرعة عصر التنوير الألماني التي تعود إلى القرن الثامن عشر، بما أن الكتاب عاشوا في ألمانيا واستجابوا للتنوير الأدبي الألماني، رغم أنهم اختاروا الكتابة بعبرية أدبية علمانية . لكن أحد الباحثين الألمان المميزين رفض الاقتراحات بقوله: ” لكننا لا نتعامل مع نصوص من أفريقيا!”. وخلال القرن التاسع عشر، تم قبول أدب ألمانيا في الأراضي المنخفضة على مضض في المتن الناشئ للنصوص الألمانية، وظهر ذلك وكأنه عمل خيري. لقد تم ذلك فقط لأنه كان من الصعب احتواء كتاب إقليميين من ألمانيا الشمالية شأن ثيودور ستورم، وإن حدث أن أقصي كتاب من أراضي ألمانيا المنخفضة شأن كلاوس غروث. ففي كل من ألمانيا وبريطانيا كانت قد تأسس متن عام لأعمال كتاب بدأوا بالتفكير بأنفسهم على أنهم متجاوزون أو كونيون في لغتهم وجمهورهم. لقد باتت النزعة الإقليمية نزعة قومية وأصبح الأدب القومي مبدأً عاماً. وعليه فإن إلفيس برسلي، الذي انطلق كشخصية إقليمية، تحول إلى أيقونة للنزعة الكونية الأميركية. وكما عبر عن ذلك فيرنون د. تشادويك في مهرجان إلفيس 1996: “(إلفيس) أيقونة عالمية، ففي جميع أنحاء العالم مثّل ألفيس جزءاً من أميركا. لقد أصبح إلفيس التاريخي (أكثر) منه ألفيس الجنوبي وهذا ما لم يعهده العالم” (هولدين).

في المناظرات التي تمت حول التعددية الثقافية في أميركا الشمالية، أفسحت مزاعم النزعة العامة المجال لمطالب الخاص. ولكن هل يمكن أن يصبح الكتاب إثنيين إذا لم يتضمنهم متن الكتابة العام؟ ماذا عن ثيس غيرتسين، وهي كاتبة آسيوية أميركية تكتب الرومانسيات. ترى ثيس أنها ليست كاتبة إثنية وقد كتبت ضد النموذج الذي مثلته آمي تان(Amy Tan 1952 روائية أمريكية لأبوين صينيين. ركزت أعمالها الروائية على علاقة الأم بابنتها وعلى الصعوبات التي يتعرض لها المهاجرون الصينيين مع أولئك الذين نشأوا في الولايات المتحدة. كما عنيت بعض أعمالها بموضوعات الإثنية وتاريخ الأسرة. روايتها الأولى the joy luck Club 1989 . المترجم). وهو ما عبرت عنه مؤخراً بقولها “أنا كاتبة آسيوية أكتب مادة غير إثنية، وأنا سعيدة بذلك”، “إنه نوع من التقدم” . يبدو أن الكتاب الإثنيين يمثلون جماعات نادراً ما تم تقديمها في عالم الأدب أو الثقافة الرفيعة. وعلى العكس، يبدو الحال رائعاً (إذا لم يكن نموذجياً) أن يكون المرء إثنياً بالنسبة لجمهور الثقافة الجماهيرية أو الشعبية.

ويبقى السؤال: هل صفة ” إثني” بضاعة قيمة؟ هناك بين كتاب ألمانيا اليهود اليوم من حُددت هويته الذاتية على أنه يهودي أو أن ناشريه عرّفوه كذلك.. في غالب الأحيان، ليس لهذا التوصيف علاقة بالدين، ولكن ربما له علاقة برواج أشكال معينة من الإثني. لقد نشأت إحدى الكاتبات اليهوديات البارزات في ألمانيا نشأة كاثوليكية رومانية، بينما هي أميركية تكتب بالإنكليزية. وفي الوقت ذاته، احتج كتاب مصنفون إثنياً بأن ليس لديهم جمهور عريض، أو على العكس قال آخرون بأن لديهم جمهورا واسعا جداً. ولكن من هو الإثني- الكاتب أم القارئ الفعلي والقارئ المفترض أم كليهما معاً، أم لا أحد؟ كشفت الفضائح في ألمانيا والولايات المتحدة، وبريطانيا وأستراليا مؤخراً بأن الكتاب “الإثنيين” كانوا من البيض الذين يكتبون بأسماء إثنية مستعارة. لقد نجح توبي فوروارد، وهو قس أنغليكاني في إقناع دار النشر فيراغو (وهي دار نشر بريطانية مختصة في الكتابة النسوية. المترجم) أنه امرأة من جنوب آسيا تدعى راحيلا خان.

ووضع الكاتب البروتستانتي الأنكلوساكسوني الأبيض دانييل لويس جيمس كتاباً نال جائزة روزنثال سنة 1984 للإنجاز الأدبي باسم إسباني مستعار وهو داني سانتياغو. أما الكاتب الهيسي (نسبة إلى منطقة هسه الألمانية. المترجم) يعقوب أرجوني الذي قورن في ألمانيا بريموند تشاندلر، فقد أقنع قراءه أن عمله Kemal Kayankaya: Frankfurt detective كان يمنحهم غوصا حقيقياً في نمط الحياة التركية في ألمانيا. واتضح أن رواية هيلين ديميدينكو شديدة العداء للسامية والتي حازت على جائزة مايلز فرانكلين، عمل للإنكليزية الأسترالية هيلين دارفيل التي تكتب باسم أوكراني مستعار. لقد اكتشفت أستراليا مؤخراً أن عددا من الكتاب والفنانين الذين قُدموا على أنهم من السكان الأصليين لم يكونوا كذلك. أما الفنانة ذائعة الصيت إيدي بوروب وهي من سكان البلاد الأصليين فقد اتضح بأنها الرسامة الأسترالية المميزة اليزابيث دوراك. ونالت الفنانة ليون كارمن، سائقة التاكسي في سيدني، جائزة الإصدار الأول على عملها My own sweet time الذي كتب باسم واندا كولماتري. وتبعاً للسيرة الذاتية المختلقة، فإن كولا ميتري اختطفت من قبل البيض عندما كانت طفلة. وهناك أكاديمي أوسترالي (كولن جونسون) كان قد انتحل شخصية الناقد المحلي مودورورو. ويظهر بناء الهوية الإثنية الخيالية على أنه بضاعة ثقافية في المجتمعات التي تبحث عن الأصالة.

ولكن هل أن الإثني يعني ما يعنيه الأصيل (الحقيقي)؟. كما لا حظ ليونيل تريلينغ، فإن أولئك الذي يعيشون في عالم يخلو من المعتقدات القوية- خصوصاً الإيمان بأنفسهم- يحتاجون إلى الأصالة أكثر من أي شيء. هل امتلاك المرء إثنية زائفة يكفي اليوم؟ إن الرياء، كما عبر عن ذلك نيتشه في كتابه “أفول الأصنام”، كانت له مكانة الإيمان الراسخ عبر عصور: حيث لا يتخلى المرء عن معتقده الذي كان له سابقاً حتى وإن كان مجبراً على أن ينشر معتقداً مختلفاً”. أما اليوم، فالمرء يتخلى عن هذا الإيمان. وباتت نزعة تبني المرء إيماناً ثانياً أكثر شيوعاً – ويبقى المرء مخلصاً في كل الأحوال…وهذا ما يشكل أساس التسامح مع الذات. إذن، هل يشكل الإيمان الثاني إمكانية أن يتحول الجميع إلى إثنيين؟

هل أن إثنية المرء تعني اضطهاده في ثقافة الضحايا؟ هل يمكن للإثنيين الناجحين أن يستمروا إثنيين؟ وهل عليهم أن يكونوا تابعين؟ أو هل بإمكانهم أن يصبحوا بورجوازيين خيرين – الأكاديميون الألمان الهاربون من الإخضاع السياسي للقرنين التاسع عشر والعشرين، أو الأكاديميون الأفارقة والأوروبيون الذين جُلبوا إلى أصقاع وبلاد جديدة بفعل الاضطهاد الاقتصادي في العقود القليلة الماضية؟ لقد ابتعد شاؤول بيل عن محاولة تبني أرنست همنغواي في (Henderson The rain King) واقترب إلى أن يكون يهودياً قحاً في (Herzog and Mr. Sammler’s Planet) ومع ذلك ما يزال يعتبر اليوم نموذجا للروائي الأميركي. إن دراسة أندريا موست الخارقة لـ”أوكلاهوما” التي كتبها رودجرز وهاميرشتين والتي تعتبر إحدى أعظم المقطوعات الموسيقية من ناحية الشكل – تقدم لنا مثالاً آخر على أن الصراع مع الإثنية وقمعها “الجزئي” يبني مقولات ” عالمية شأن مقولة “الأميركي”. وإن توكيد أندريا على أهمية العرق في تجسيدات اليهودية في عقد الأربعييات من القرن المنصرم، يعتبر مساهمة فريدة لدراسة نص الإثنية المتخفي .

ولكن هل تعتبر هذه التحولات الإثنية شكلاً آخر من الإثنية؟ماذا عن الإثنيين الذين لا يرغبون في أن يتم تعريفهم على أنهم إثنيون؟ لقد قدمت الألمانية سابين غول، صاحبة الإثنية الصامتة، في اختبار شفاف لذاتها، لما يمكن أن يكون “لا إثنيا”. ليس لأن الألمان اعتبروا أفضل الأميركيين الإثنيين، لأنهم ذابوا بالكامل في جرن الانصهار ذاك، ولكن بسبب تحويل الثقافة الألمانية إلى ثقافة شيطانية خلال الحرب العالمية الأولى والخزي الذي ارتبط بكون المرء ألمانيا بعد عرض فيلم “الشواه” (المحرقة). ولكن هل الإثنيون هم من يزعمون بأنهم تخطوا إثنياتهم ويحاولون التجاوز ببساطة؟

هذه المشكلة يواجهها هنري ستاتين في دراسته لريتشارد رودغريز الذي يقدم نفسه على أنه أميركي صالح، يناضل من أجل لغته وثقافته. ولكن، وكما يسأل ستاتين بألمعيته، ضد أية لغة وضد ثقافة من يتمرد رودغريز؟ وفي جميع الحالات هل العرق هو شيء كالإثنية؟ وهل يمكن للمرء أن يكون من عرق معين دون أن يكون إثنياً؟ أو أن يكون إثنياً على اعتبار انتمائه إلى هذا العرق أو ذاك؟ توضح قراءة باولا بينيت البارعة لقصائد فيليس ويتلي كم يصبح موضوع الذل مركباً في سياق الإثنية. تستحضر ويتلي عروس الشعر الأفريقية في شعرها الكلاسيكي الجديد كي تجعل مطلبها كامرأة سوداء، يقود الإرث الثقافي للعالم الذي وجدت فيه نفسها. لكن تلك القيادة كانت قد تجذرت في إحساسها بالاختلاف. ولكن هل كانت ويتلي تشق طريقها على الصعيد الثقافي؟ أم هل كانت تسيطر على عروس شعرها الأفريقية في عملية الكتابة؟

ولكن ما هي اللغة التي يكتب بها الكاتب الإثني؟ وهل هناك من لغة إثنية؟ هل يحتاج الكاتب الأفريقي الأميركي أن يكتب بالأيبونيك ( لغة أفريقية أميركية) أو هل يحتاج الكاتب من أصول أميركية لاتينية أن يكتب بالإسبانية؟ وهل يعني بحث الكاتب الإثني عن لغة مناسبة أن بعض اللغات أكثر إثنية من اللغات الأخرى؟ هل تعتبر “اللاكوت”ا لغة إثنية؟ أو هل يجب على الأميركي من أهل البلاد الأصليين أن يكتب بالإنكليزية حتى يصبح من الإثنيات؟ وهل العامية أو اللهجة تكفيان؟ أم أن هذا كثير جداً؟

بالتأكيد إن نصوص جويل تشاندلر ونصوص فينلي بيتر وأسطوانة جو هايمان كانت باروديا (محاكاة) للهجات إثنية. ولكن ماذا عن نصوص زورا نيل هيرستون أو نصوص ليوورستن؟ هل تصبح النصوص أقل محاكاة عندما يكون الكتاب إثنيين؟ هل محاكاة الإثني بغض النظر عن الكاتب، عملية إثنية أم هي غير ذلك؟

وهل تصبح الكتابة بالألمانية الأدبية أو الهندية أو اليابانية دلالة على الإثني في أستراليا أو البرازيل أو جنوب أفريقيا؟ وهل تعتبر سيرورة المثاقفة – التي يبتعد فيها الكتّاب ومن خلفهم عن أصلهم المشترك وهم يراقبون ثقافتهم تنتحل تلويناً إثنياً- دليلاً على الإثني؟ أحياناً يعتبر الطعام المعقل الأخير للثقافة الإثنية. في تعليق له على المجتمع الأميركي (وعلى المجتمع الغربي بشكل أوسع) يؤكد أوكتافيو باز أن “وظيفة النماذج السوية في ظل سيطرة الإيروسية لا تختلف عن دور الطبخ ’الصحي’ فيما يتعلق بفنون الطعام. فكلاهما تعني إزاحة أو فصل ما هو أجنبي، ومختلف، وملتبس، ومهجن”. وبالفعل عندما يظهر الأناناس على البيتزا أو شرائح لحم الخنزير على خبز الطماطم المجففة مع المايونيز، تصبح الثقافة الإثنية ثقافة العالم.

ولكن هل الكتابة الإثنية بالضرورة كتابة جيدة؟ هل هي كتابة أفضل لأنها إثنية؟ قد تكون الجودة شيئاً هامشياً. وبالرغم من ذلك فهي معيار يستحضره أولئك الذين يتخلصون من الإثنية. إن أولئك المعارضين بشدة لنقاشات الإثنية في دراسة الأدب وتلقينه – غالباً ما كنت أسمع منهم ذلك عندما برز هذا الموضوع الخاص- فهم يعتقدون أن الإثني يمثل مناشدة خاصة، ويحط من قدر دراسة الأدب “الحقيقي”. ولهذا، كتب ريتشارد ليسنر في المجلة المحافظة “يونيون ليدر”:

” إن النزعة المسيطرة في السنوات الماضية كانت في إزالة المناهج الحقة المطلوبة والسماح للطلاب بتقرير مناهجهم الدراسية الخاصة بهم. في هذه الخطط يتمكن الطلاب من إدخال المناهج المعاصرة في الدراسات النسائية، ودراسات الشاذين جنسياً، والدراسات المتعلقة بالسود وتلك المتعلقة بنزعة التعددية الثقافية بالإضافة إلى رواسب لمختلف نشاطات الصواب السياسي، بينما يتجنبون التعرض لشكسبير وميلتون ونيوتن والحضارة الغربية والتاريخ الأميركي أو الجغرافيا الأولية.”

وتلك هي المناشدة التي ترى التأكيد على الإثني على أنه جزء من تدمير متعدد الثقافات للقيم.

“أنتم” يقولون مشيرين بسباباتهم، “… أنتم تريدون إحلال الإيديولوجيا والسياسات فوق الأخلاق. تريدون منا أن نركز على الإثني وأن نترك قيم الحضارة الغربية خلفنا”.

إن الإثنية بالتأكيد هي عدسة يمكن أن يقرأ من خلالها الأدب وحتى شكسبير. وكما أوضح جيمس شابيرو مؤخراً، فقد استخدم شكسبير اليهود ليجسد ما هو غير إنكليزي. وبالتأسيس على نفاذ دراسة شابيرو، تعيد ماري جانيل ميتسغار قراءة شخصية جيسيكا في “تاجر البندقية” بوصفها حلا “للمشكلة اليهودية”، كما تعيد قراءتها لجيسيكا كشخصية تعرض الصعوبات المتعلقة بقابلية التغير والتحول في تجسيدات شكسبير. إن الدور الذي يلعبه اللاهوتي في بناء “يهودي” شكسبير يكشف بأن معيارأً مختلفاً يجب نشره لاكتشاف بناء الإثني عبر الزمان والمكان. و بمستوى الأهمية ذاته، تُظهر مقالة لميتسغر كيف أن نقطة التقاء الإثنية والجنوسة يمكن أن تقدم إعادة لقراءات معقدة للنص القانوني.

نستطيع القول وبكل جلاء إن الإثنية تتولد كمركب وسلسلة من التعريفات شأنها شأن أي مصطلح نقدي آخر. أو لنكن دقيقين أكثر، يُعرف هذا المصطلح بوضوح أحياناً ويُطبق بشكل ملتبس. بكلمات أخرى، يُتعاطى مع هذا المصطلح مثل أية أدوات نقدية في الدراسات الأدبية. إنه مفهوم (أو مجموعة من المفاهيم المتناقضة والمتشابكة) تمكن دارسي الأدب من أن يتأملوا في كيفية سردهم للقصص، هم وثقافتهم. وهذا ليس بالإنجاز الهيّن.

في قراءة نافذة لعمل بيري توماس، تتماهى مارتا إي سانشيز مع ” تشيكانا”، التي تطور وعياً سياسياً وأكاديمياً في عقد السبعينيات. فهي تستخدم إحساساً بذاتها ومنظوراً نسوياً خاصاً لتزويدنا بقراءة معاكسة للنص منذ أواخر عقد الستينيات.

مثل هذه القراءات لا تغلق الإمكانية لرؤية العمل في بيئات أخرى أكثر عالمية، لكنها تضرب المثل على قوة الإثنية كمقولة تحليلية للقارئ والكاتب المحترف.

بعد أن أمضى كاتب هذه السطور قرابة عام بين علماء الاجتماع، وجد بأن القصص التي يرويها دارسو الأدب تشي بالكثير مما هو مثير وآسر، وذلك أكثر مما يرويه علماء الاجتماع أنفسهم. إننا نناضل – وبعاطفة ثرة- من خلال مفاهيم شأن الإثنية. وإذا كان هناك ما يميز العلوم الإنسانية عن المجالات الأكاديمية الأخرى، خصوصاً دراسة الأدب والثقافة، فهو أن دارسي العلوم الإنسانية ليس بإمكانهم أن يبعدوا المشاعر من عملهم. وهذه المشاعر، سيئة كانت أم خيرة، تنمي القوة الكامنة وراء مقولات الشأن الإثني.

ساندر ل. جيلمان هو الرئيس السابق لمجمع اللغات الحديثة ورئيس قسم الدراسات الجرمانية في جامعة شيكاغو.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق