إحسان نراقي.. مفكر وعالم اجتماع اختار أن يحيا بين الجماهير / مصطفى خلاجي

توفي عالم الاجتماع الإيراني البارز إحسان نراقي في الساعات الأولى من صباح يوم 2 ديسمبر (كانون الأول) في طهران عن عمر يناهز 87 عاما، ومن المثير للاستغراب أنه لم يتم السماح بدفن جثمان الكاتب والعالم المعروف في قسم المخصص لكبار الشخصيات من مقابر «بهشت زهرا»، بل تم دفنه في القسم العادي رقم 233، بعد إصرار رئيس مجلس مدينة طهران مهدي جمران – الذي ورث شهرته من شقيقه مصطفى جمران – على رفض إصدار ترخيص بذلك، على الرغم من أن إدارة الثقافة التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية كانت قد وافقت على دفنه في القسم المخصص لكبار الشخصيات.

 

وينتمي عالم الاجتماع والفلسفة إحسان نراقي إلى نسل عالمي الدين الشهيرين الملا أحمد نراقي والملا مهدي فاضل نراقي، ومع ذلك فلم تكن لديه ميول نحو الدين، وقد شارك في خمسينيات القرن العشرين في تأسيس «معهد الدراسات الاجتماعية»، وهو مركز أبحاث علم الاجتماع الأول والوحيد في إيران. ويقول عالم الاجتماع غلام عباس توسلي: «ينبغي أن نشيد بمبادراته في دراسات العلوم الاجتماعية». ويقف اسم نراقي على قدم المساواة مع أكبر علماء الاجتماع الإيرانيين من الجيل الأول، وقد أخذ على عاتقه دراسة المشكلات الاجتماعية في وقت لم يكن فيه أحد في إيران قد شرع في ذلك بجدية على الإطلاق.

 

عقلانية نراقي

 

وفي خضم أيام الاهتياج الشديد التي أعقبت تنازل رضا شاه عن العرش في أغسطس (آب) عام 1941، حينما كان معظم الساسة الإيرانيين والكثيرون من جيل الشباب يعتنقون آراء يسارية متأثرين بآبائهم، ذهب نراقي بعد تخرجه في مدرسة دار الفنون وكلية الحقوق بجامعة طهران إلى سويسرا ليواصل دراسته بها. وقد كانت الدراسة في سويسرا و«متعة العمل الأكاديمي هناك» وتكوين فهم أكبر لليساريين هو ما جعله ينأى بنفسه تماما عنهم، مما حوله إلى قومي مؤيد لمصدق بعد عودته إلى إيران في أواخر الأربعينيات. ويقول نراقي: «كنت محظوظا للغاية بأن كرهت شكل النظام السوفياتي وأنا في سن 22 عاما، وهي تجربة نادرة الحدوث بين أبناء جيلي». وقد تعرف بعد عودته إلى إيران على القوميين وآية الله كاشاني، ومع انطلاق مشواره كأستاذ جامعي، بدأ في اكتشاف الأخطاء التي وقعت فيها الحركة القومية الدينية من فصل كاشاني عن مصدق، حيث يقول: «أدركت أن بعض الناس القريبين من مصدق لم يفهموا دور كاشاني وأهميته. لم يكونوا على وعي بأن انكسار كاشاني سوف يعني انكسار الفرع الأساسي الذي يجلس عليه مصدق. لم يدركوا أن فصل كاشاني عن مصدق سوف تكون له عواقب مدمرة بالنسبة للحركة، لأن أي خلاف سوف يؤدي إلى إضعاف الاثنين معا».

 

وقد كان نراقي واحدا من أولئك المفكرين الذين استغلوا علاقاتهم السلمية والوثيقة بالنظام الحاكم من أجل النهوض بأحوال المجتمع، حيث استغل ببراعة صلاته بالملكة فرح ورئيس الوزراء من أجل تأسيس «معهد الدراسات الاجتماعية»، كما وجه الدعوة إلى عدد من الأفراد من خلفيات مختلفة، مثل أبو الحسن بني صدر وحسن حبيبي وبرو ورجاوند، من أجل التعاون مع المعهد. وعلى الرغم من أنه كان ينصح الشاه بمنع اندلاع الثورة، فقد ظل محافظا على استقلاليته الفكرية إلى درجة أنه عندما سجن عام 1979 للسبب نفسه، كان الشيء الوحيد الذي برأه وأنقذ حياته هو الحوارات التي كان جهاز استخبارات الشاه المعروف باسم «السافاك» يسجلها له مع الشاه ومع رئيس «السافاك» السابق الجنرال بكراوان.

 

وقد وقف نراقي ضد الثورة، حيث حاول أن ينصح الشاه بمنع حدوثها، غير أن هذا لا يعني أنه كان مؤيدا للملكية، بل لقد كان إصلاحيا ومفكرا واقعيا يؤمن بالليبرالية وبالإصلاحات التدريجية، وكان يرى أن هناك علاقة قوية بين أصحاب السلطة والشعب في ضرورة إجراء حوار، وأن الثورات تفرق وتلغي إمكانية الحوار، كما كان يؤيد إقامة صلات مع القوة الحاكمة واستغلالها لمصلحة المجتمع، وبالتالي فهو لم يتحول أبدا إلى خصم جاد للنظام الإسلامي الإيراني، على الرغم من تعرضه للسجن 3 مرات لمدة 3 سنوات تقريبا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، حيث كان يفضل إصلاح ما حققه الشعب بالفعل.

 

خصوم من جميع الجهات

 

وقد كان إصراره على منهجه الإصلاحي هو ما وسع من دائرة خصومه لتشمل مختلف الأحزاب السياسية وجماعات المعارضة، فقد كان اليساريون يكتفون بتحاشيه لأنه كان يعلن صراحة أفكاره المعادية للماركسية، وكان القوميون يقفون ضده بسبب شعورهم بالاستفزاز من انتقاداته الواقعية للأخطاء التي ارتكبوها في الماضي، حيث ذكر نراقي ذات مرة على سبيل المثال: «اليوم يمكنني القول بقدر كبير من الاطمئنان إن هزيمة الحركة القومية لم تكن نتيجة لمخططات سرية من السي آي إيه أو المكتب السادس فحسب، بل كانت أيضا نتيجة للتناقضات والخلافات الموجودة بين قادة الحركة». وبالإضافة إلى ذلك، فقد أثار انتقاده لشريعتي – وهو شخصية ذات تأثير لدى كثير من القوميين – شعورا بالسخط الشديد فيما بينهم، حيث لم يكتف نراقي بعدم الاعتراف بشريعتي كعالم اجتماع فحسب، بل أكد أيضا أنه مجرد شخص ضحل التعليم يكتب ويلقي خطبا لتضليل الشباب، كما وصف أيضا ادعاء شريعتي بمعرفته الشخصية لجان بول سارتر ولويس ماسينيون بأنها خدعة، مشيرا إلى أنه قد تحقق من كل هذه الادعاءات في باريس وتبين أنها مجرد هراء. ومن ناحية، فقد كان الملكيون يقفون ضده بسبب قبوله بالجمهورية الإسلامية، ومن الناحية الأخرى، كان أنصار الجمهورية الإسلامية ينظرون إليه دوما على أنه مؤيد للنظام الدستوري بسبب علاقاته السابقة بفرح وهويدا وبني صدر.

 

ولعل أكبر خطيئة أو جريمة ارتكبها نراقي هي أنه، على عكس معارضيه، اختار أن ينير طريق حياته بالمعرفة والنية الحسنة وليس بالانتماء الآيديولوجي، وكان المفكرون يصفونه بأنه «معاد للغرب»، في حين كان أنصار التقاليد يصفونه بأنه «مسمم بالغرب» (Westoxicated). ولكن في الحقيقة، فقد كان لدى نراقي ميل واقعي ومتبصر إلى كليهما، حيث ترجم أعمالا كثيرة لمؤلفين غربيين بارزين، وفي نفس الوقت كان لديه ميل نحو التقاليد، لذا فقد فضل البقاء في إيران على الرغم من منصبه الذي كان يشغله في منظمة «اليونيسكو». ويمكن القول إن نراقي كان بعيدا عن كل هذه التوصيفات، فقد كان مفكرا اختار أن يحيا بين الجماهير بدلا من الجلوس على قمة برج عاجي ومراقبة الناس من هناك، كما كان مخلصا وواقعيا في نصح الناس، وخاصة الشباب. وعلى حد تعبير مسعود بهنود: «لم يكن هناك من هو أقرب إلى جوهر الشباب من نراقي، ولم يكن هناك من لديه نية حسنة تجاه جيل الشباب بقدر ما كان هو».

 

ولعل ما يمثل طابعه الأكاديمي في أفضل صوره هو قول غلام عباس توسلي: «لا أحد ينكر دوره في تطور الدراسات الاجتماعية في إيران، وعلى الرغم من حالة الغضب العارم التي اجتاحت البلاد في الأعوام الأخيرة من حكم الشاه، فقد ظل يمارس وظيفته في الجامعات ويتابع أنشطته البحثية».

 

من مؤلفاته

 

إحسان نراقي، «من القصر إلى السجن: داخل الثورة الإيرانية» («آي بي توريس أند كومباني ليميتد»، لبنان، 1994).

إحسان نراقي، «نهاية حلم: نقد للماركسية» («سيلز للنشر»).

إحسان نراقي، «العلوم الاجتماعية وتطورها» («فرازان روز للنشر»).

قضايا ووجهات نظر ثقافية («وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي الإيرانية، إس إيه إم تي للنشر»).

مصطفى رحيمي، «ماركس وظلاله» (مقدمة بقلم إحسان نراقي).

إحسان نراقي، «الحظ المستحيل» («العلم للنشر»، 2013).

«تلك النوادر: حوار هرمز كاي مع إحسان نراقي» (شركة «حكايات غلام نوفين»).

إحسان نراقي، «الحرية: مجموعة حوارات ومقالات» («أفكار للنشر»، 2004).

إحسان نراقي، «ما كان يملكه بنفسه» («شاف للنشر»، 2004).

المجتمع، الشباب، الجامعة

الحرية، الحق، العدالة

 

عن المنتدى الثقافي 16/12/2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق