إخراج الهوية مما يتنازعها بالقتل والموت / وضاح شرارة

انقسمت آراء الذين سبقت لهم معرفة وبعض إلفة بالرائد الأميركي، الفلسطيني النسب والأهل، نضال مالك حسن، قاتل قاعدة فورت هود العسكرية بتكساس. فقال بعضهم ان تحفظه عن حربَي العراق وأفغانستان لم يدعهم الى توقع إقدامه على ما أقدم عليه، صباح الخميس في اليوم الخامس من تشرين الثاني، وقتله 13 جندياً، وجرحه 31، كانوا يعدون العدة للرواح الى العراق. وقال أهله وأقرباؤه انه طبيب ملتزم آداب الطبابة ومسلم ورع. وذهب شقيقه الى ان شقيقه المظنون، على ما عرفه، «مسالم ومشفق، وانصرف الى التطبيب ومساعدة الآخرين، ولم يرتكب يوماً عملاً عنيفاً، وعُرف مواطناً صالحاً وملتزماً القانون». وأعلن جد الرائد والطبيب النفسي من البيرة الفلسطينية، اسماعيل مصطفى حمد (88 عاماً) ان حفيده الطبيب «يحب اميركا»، و«الفضل» في تحصيله علم الطب، وبلوغه رتبة ميجور في الجيش، «يعود الى الولايات المتحدة». فليس من علة للعمل المميت والغادر غير الجنون، أو ما يعلمه «إلا الله». وهو، في الأحوال كلها، ليس «السياسة». والسياسة، في المعرض هذا، هي «الإسلام». وحسم إمام مركز الاتصال الإسلامي في سيلفر سبرينغ بميريلاند، الشيخ محمد عبدالله، مسألة المسؤولية المعنوية عن فتح النار على جمع آمن من الزملاء، فقال في مسلمين أمّهم في صلاتهم: «الإسلام ليس مسؤولا».

وقال آخرون، فيهم زملاء دراسة وخدمة عسكرية وفيهم مسلمون ناشطون، ان عنف الرائد الطبيب والمسلم لم يفاجئهم. فروى عثمان دنكاش، وهو أسهم في إنشاء مركز ميريلاند الإسلامي، ان نضال مالك حسن انتقل من طور كان فيه هادئاً ومسالماً الى طور لاحق «لم يكن فيه على طبيعته». فنعى على المسلمين «قتال بعضهم بعضاً بأفغانستان وباكستان وفلسطين». وهي مسارح حروب «اميركية»، على وجه أو آخر، على قول «إسلامي» غالب ورائج. وطلب لنفسه، ولمن هم مثله، الحق في رفض الخدمة في مسارح الحروب هذه وميادينها، في صفوف القوات الأميركية وتحت لوائها. والتمس من عثمان دنكاش تزكيته الى «إمامة» الصلاة في القاعد العسكرية بفورت هود. ولكن اضطرابه وقلقه الباديين حملا الشيخ النافذ على الطعن في ترشحه إلى الإمامة. وهذا قرينة على حدس في عنف الرجل.

[هوية اثنينية

وزملاؤه أقوى قطعاً وتهمة. فأخبر بعضهم ان القاتل المظنون كان يرى الحربين الأميركيتين بالعراق وأفغانستان «حرباً على الإسلام». وهو ما يراه ربما معظم المسلمين. وقد لا يراه مسلمون وغير مسلمين على هذا النحو، أي «حرباً على الإسلام»، ويطعنون في صوابه، وحقيقة الذرائع التي تذرع بها السياسيون الأميركيون وغيرهم من سياسيي أوروبا وآسيا الى خوض «الحروب» على الجماعات الإرهابية. وقد ينكرون سياسة «الحروب» ونهجها وأسلحتها وكلفتها وارتجالها وبعض مفهوماتها. وخلص المظنون من رأيه في الحرب، ومن جمعه بينها وبين اقتتال المسلمين، الى تعريف نفسه، أو هويته، «مسلماً أولاً وأميركياً ثانياً»، على قول زميل طبيب.

ومعضلة هوية المهاجرين من الجنوب، وقاراته، وأقوامه، الى الغرب الأوروبي الأطلسي (أو حوض المحيط الهادئ شأن استراليا ونيوزيلندا)، باعث قوي على اضطراب علاقة المهاجرين هؤلاء ببلدان المقصد المضيفة، وسبب في التباس علاقة مجتمعات هذه البلدان ودولها بالمهاجرين. ولم يعدم مهاجرون كثر، في فرنسا وغيرها، فرصاً انتهزوها وتذرعوا بها الى إعلان تنصلهم من البلد المضيف. فعلا صفير شطر غير قليل من جمهور كرة قدم جزائري حين عزف النشيد الوطني الفرنسي بعد النشيد الوطني الجزائري في لقاء رياضي بين فريقي البلدين، قبل أعوام قليلة. وحين قتل مسلم هولندي المخرج فان غوغ جزاء ما حمله القاتل على «إساءة» الى «الإسلام»، استظهر على القانون الهولندي الوطني بالشريعة، وبعقوبة القذف، على زعمه. والقاتل مولود بهولندا، شأن الميجر نضال مالك حسن.

وتقديم رابطة الاعتقاد، وأحكام الشرع في الدماء وغيرها من فروعها، على رابطة الدولة الوطنية والسياسية، والتزام القوانين من مترتباتها، يقود على الأغلب الى التنصل من الدولة الوطنية والسياسية، والانحياز الى «الملة»، اعتقادية أم عرقية أم أهلية. فالرياضيون السود الذين فازوا في مباريات دورة الألعاب الأولمبية بمكسيكو (1968)، واعتلوا منصات الفائزين، ورفعوا قبضاتهم حين عزف النشيد الوطني ونكسوا رؤوسهم، أرادوا التنديد بشعائر اللحمة الوطنية المشتركة، وهم لا يرونها مشتركة، وإعلان انتسابهم الى رابطة أخرى، وأمة أخرى هي «أمة السود» المضطهدة والمظلومة والأجنبية.

وقد يقود ترتيب الهوية، وترتيب وجوهها على هذا النحو، الى «الحرب»، مجازاً وحقيقة. فالقاتل المظنون ـ وهو قضى سنوات يعالج جرحى الحربين، وبعضهم اصيب إصابات ثخينة اقتطعت منهم اجزاء جعلتهم عالة عاجزة وقلبت موازين حياتهم ـ مزج (احتمال) إرساله الى القتال بأفغانستان أو العراق، حيث عليه ان يقاتل «إخوة إيمانه» وشركاء هويته الأولى ويقتلهم على غرار ما يفعلون في انفسهم نزولاً على داع أجنبي أميركي، مزج هذا بجواز موته وهو على حاله هذه. ويقول ابن عمه برام الله، نادر حسن، ان نضال قضى الأعوام الخمسة المنصرمة تحت وطأة «كابوس مزعج» مصدره احتمال إرساله الى أحد الميدانين «المسلمَيْن»، واضطراره الى الإسهام في قتال يراه كفراً، وقتلاً للنفس وتغريراً بها. وإلى هذا، يقول ابن عم آخر نقلاً عن الضابط الطبيب، انه لم يحظ بإقرار زملائه وأقرانه به نداً «أميركياً» ومواطناً مساوياً.

وإذا صح انه لم يطلب التسريح من الجيش إلا قبل اسبوع واحد من الحادثة الفاجعة، فقد يكون تأويل طلب التسريح المتأخر إيقانه بوقوع الواقعة، على أوجه الواقعة المخيفة كلها: احتمال الموت او الإصابة الثخينة وهو يقاتل «إخوة» مسلمين يحملهم «الأميركان» على القتال والاقتتال، وفي صفوف رفاق سلاح يشاركهم هويته الثانوية ولا يقرون له بنديته وإسوته بهم. وما يذهب إليه محققون في الحادثة من ان جهازه الإلكتروني حفظ آثار رسائل كتبها الى «متطرفين»، وآثار تصفح مواقع إسلاميين، ومسودات مقالات تحض على عمليات انتحارية إلى ما ذهب إليه عثمان دنكاش من قبل وما نقل من بعد عن مديح الشيخ الداعية القاعدي أنور العولقي اليمني «بطولة» الميجور المظنون ـ، قد يكون قرينة أولى على ازدواج الرجل، وترجحه بين هويتين متنازعتين في معرض شديد التأزم والاحتداد.

وهو، في ما قد يبدو إخراجاً مسرحياً للازدواج هذا، ذهب الى محل تسوق في القاعدة صباح المقتلة لابساً «دشداشة» بيضاء، ومعتمراً قلنسوة، وتبضع، وقفل عائداً الى مهجعه، وراح الى القاعدة العسكرية الكبيرة، وفتح النار من مسدسين على جنود مجتمعين في قاعة تجهيز، ثم على جمع يحضر توزيع شهادات. وروى شهود ان الضابط الطبيب كبّر وهو يفتح النار على ضحاياه. ولكن الجزء هذا من الخبر غير ثابت ولا محقق، شأن جزء آخر حسب ان مصدر النيران ليس واحداً بل ثلاثة أو اثنين، قبل ان يقر الرأي والشهود على ان لا شريك لنضال مالك حسن في ما ارتكب.

وتكاد قصة الضابط الأميركي المتحدر من عائلة فلسطينية ومسلمة مهاجرة الى الولايات المتحدة منذ نيف وأربعة عقود (هي سن الرجل)، أو ما هو معروف منها الى اليوم قبل استجوابه، تكاد تكون كناية تعليمية عن أحوال الغلاة من دعاة «جهاد» أهل الكفر والنفاق والاستكبار والخلاف والظلم، وقتال الأهل هؤلاء كلهم. ولعل نواة هذه الكناية، وهي نواة «وقائع» القصة في آن، هي ازدواج الهوية والخشية المرعبة من غلبة الهوية الظرفية والثانوية المدنية والوطنية، على الهوية الدينية الجوهرية. وأشد ما يرعب اثنينيُ الهوية هو تمكن الهوية المدنية والوطنية، واستقواؤها بذراع القوة القاهرة، والقوانين «الوضعية»، وبالميل الأكثري الى سياسة ملزمة لا رجوع عنها إلا بميل أكثري آخر. فإذا حصل هذا، وهي حال الولايات المتحدة وسياستها في العراق وأفغانستان، وفي «حروب الإسلام والمسلمين»، لم يجد اثنينيي الهوية بداً من مكابدة أزمة وتنازع حادين.

فهو ميدان قتال داخلي على صورة القتال الدائر، على ما يحسب، بين أهله وإخوة إيمانه «المسلمين» الذين يقتلون ظلماً وعدواناً ويقتتلون، وبين أعدائهم وقتلتهم ومفرّقيهم «الأميركان». والكفتان غير متكافئتين ولا متساويتين. فتشده الى هويته الإسلامية روابط الأخوة والأصل والحياة والمصير والكيان العام، بينما تقتصر روابطه الوطنية، في أضعف الأحوال، على «المواطنة الصالحة والتزام القانون»، على قول شقيقه اياد في بيانه، وعلى دَيْنه بـ «فضل» الولايات المتحدة عليه في «ما هو عليه»، على قول جده الفلسطيني المسن، في أحسنها وأقواها. فإذا أنكر عليه أهل رابطته المدنية والوطنية الحق الأول الذي تمنحه الرابطة هذه المرتبطين بها، وهو «الحق في المساواة»، وأثبتوه (على حسبانه) مواطناً ثانوياً فيما هم يدعونه، من طريق الدولة، الى التعرض للموت دفاعاً عن الأمة الأميركية وأمنها، ويقرونه على قتال «إخوته» في هذا السبيل، فلا عجب إذا وجد الرجل انهم يكلفونه ما لا يحتمل ويشتطون.

[الجالية والمَهاجر

وليس معنى رصف حلقات المعاني هذه وسلسلتها، ان ما فعله الضابط الفلسطيني ـ الأميركي «مفهوم». فما يوكل الجد «علمـ(ه) إلى الله»، او يحمله على «الجنون» أو «الأعصاب» ثم على «الاستحالة»، وهو الفرق بين العلل المتضافرة وبين ما لا يتصور في صورة نتيجةِ العلل إلا بعد حصوله ووقوعه، هذا الفرق لا قاع له، ولا يسبر غوره وعمقه. وفي كل مرة يصل امرؤ (أو امرأة) ضفة العلل والأسباب بضفة النتيجة، ويَقتل ويُقتل، فمرد الأمر الى «المرء»، أي الى «مفترق الأشياء الفريد» (انطونان آرتو) الذي كانه أو كان المفترق هذا.

والقول بالفرادة لا يضعف القول الآخر بالكناية ولا تجريدها وعمومها، وتالياً عقلها. فمن حالهم حال الفلسطيني ـ الأميركي المظنون، ومن يذهبون مذهبه في اثنينية الهوية وترتيب وجهيها او مستوييها، هؤلاء (وهم كثرة أهل المجتمعات العربية ـ الإسلامية) يرون الى انفسهم جماعة أو أمة من الضحايا والمستضعفين وأهل الذمة. وواحدهم يرى انه يكني كناية حادة ووافية عن صليب الازدواج أو الاثنينية، وما يترتب عليه من استضعاف وذمية. ولا تقود الحال هذه الى القتل، ولا الى العمليات الانتحارية، ولا الى الانتصاب للدعوة، إلا في أندر الأحوال. وهذه تكاد تكون صفراً في ميزان العدد والإحصاء. ولكن اعتقاد الاثنينية، والبناء عليها وليس على اعتقادها المكتوم وربما المكبوت وحسب، يقودان الى حال اجتماعية عريضة هي حال الجالية. والجالية هي الجماعة المهاجرة الى بلد اجنبي وغريب، والنازلة بأهل البلد ودولته وأعرافه وسننه، والمقيمة على معتقداتها وسننها وأعرافها ومراتبها وذاكرتها، ولحمتها ما وسعها الأمر، وتدبير هذه اللحمة أي سياستها.

وتبرز جاليات المهاجرين الكبيرة والمحدثة في المَهاجر الغربية وحواضرها المشكلات الناجمة عن جمع المهاجرين الانخراط الاضطراري في المجتمعات الجديدة الى رغبتهم القوية في الحفاظ على تقاليدهم وانتسابهم الى امة اعتقاد ومعاملات معاً. وهذه المشكلات بعيدة من النزوع منزعاً واحداً والدخول تحت باب مشترك ومتصل. ولا ريب في ان اتساع الهجرة من شرق آسيا وجنوبها ومن الشرق الأوسط وشمال افريقيا العربيين والإسلاميين في العقود الثلاثة الأخيرة، المضطربة والمنقلبة سياسة واقتصاداً، الى مجتمعات يشكو معظمها قصوراً سكانياً حاداً ومزمناً، وتشعر بتردي مكانتها وضعف تماسكها ـ عظَّم الاتساعُ وجه الجالية أو حالها، وأظهر قسماته ناتئة وفي الأثناء اتخذ بعض افراد أو آحاد هذه الجاليات الولايات المتحدة وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا من قبل على نحو مختلف، وهولندا، مسارح اعمال إرهابية واغتيال فاقعة. وكانت البلدان هذه مصدر أعداد كبيرة من الانتحاريين المتطوعين الذين هجموا على ميادين الحروب المشتعلة بأفغانستان وباكستان والعراق، وعلى مقادير أقل بكثير بلبنان وفلسطين. وشطر آخر قدم من البلدان المجاورة القريبة ودخل ميادين الحروب هذه، وصب بعض الزيت على نارها الأكول.
ولكن التمثيل العنيف والمسرحي الفاجع على محنة حال الجالية المسلمة في المهاجر الغربية، وشبك بعض أفراد الجاليات وآحادها «يقظتهم» على هويتهم بطلبهم الموت والقتل طوعاً واختياراً، لا يقصر حال الجالية، ومحنتها، على جاليات المَهاجر الأجنبية، الغربية و «المسيحية». فجماعات (أو افراد) من المسلمين حسبت نفسها غريبة في بلاد كفر وحرب «علمانية»، «تعبد» وثن الدولة الوطنية، وتحكم مجالسها التشريعية وحكوماتها بغير «شرع الله»، منذ استقرار الاحتلال الاستعماري في الهند (الجزء الباكستاني لاحقاً) وأطراف الجزيرة العربية وما لم يكن يعرف بعد بالشرق الأوسط الضيق ولا العريض. وعاد الى سيد قطب، الإخواني المصري الراديكالي، في مصر الناصرية، تسمية ما عليه «المسلمون» في عهد «فرعون» المستأنف الأول بالأسماء التي تقدمت (بلاد الكفر الجاهلية، ووثن الدولة، وحاكمية الشرع الإلهي…). وقطب هو وارث منازع إخوانية وأصولية سلفية سبقته بعقود. والمنازع هذه بدورها نشأت في جماعات وبيئات اهلية ومحلية كان التدين بدين الهجرة والجالية، أو دين المفاصلة، سلمها وطريقها الى تحصين هويتها. فوصلت هذه الهوية بنسب أصيل، وعلقتها على جذع النسب وألحقتها بجذوره. وهي، أي الهوية الفرعية، على حالها من الانتحاء والانكفاء.

ويجمع بين الجماعات والبيئات الأهلية والمحلية، المتدينة بدين الهجرة والجالية والمفاصلة، إقامتها في مَهاجر. فهي تحمل أوطانها ومواطنها على مَهاجر أو دار هجرة، وهي (وآباؤها) راسخة في الأوطان هذه منذ قرون. فدار الأطهار أو الأنقياء، أي باكستان، نشأت دولة إسلامية في قلب الهند. وهي اقتطعت من الهند الهندوسية وأخرجت من دولتها وأقاليمها واتحاد أقوامها، لتكون مقصداً أو مثابة يقصدها مسلمو أقاليم الهند الأخرى. فيحلون بين أهاليها، «مهاجرين» (على ما يسمى اهل البنجاب الى اليوم) إلى دار إيمان ومعاهدة. والهجرة هي «الى الله ورسوله»، بحسب العبارة السائرة والمرضية. ويترك المهاجر داراً هي دار غير المؤمنين، ويفزع الى حيث «لا يُفتن عن دينه». و«المهجر» الباكستاني هذا هو مختبر دعوة المفاصلة، وتركِ المجتمع المختلط ودولته الوثنية الى الحاكمية الإلهية وولايتها المطلقة.

والمدرس الشاب في الإسماعيلية اواخر عشرينات القرن العشرين، حسن البنا، صاحب «جمعية الإخوان المسلمين» ودعوتها الى حمل المجتمع على الإسلام، حين حل الإسماعيلية يومها حلَّ مدينة من مدن قناة السويس وشركتها «الدولية» ورأسمالها «الكوسموبوليتي»، تسود أهلها أحكام ليست أحكام دولة الإسلام وداره، على ما قال. فدعا مؤمني مصر، والإسماعيلية «البريطانية» استعارة لمصر الغريبة قسراً عن هويتها ورسوم إيمانها، الى «مغادرة» الدار الفاسدة والمفسدة الى دار الإيمان الصادق وأخوّته وصحنه. والمغادرة هذه قد لا تكون انتقالاً من محل الى محل. وهي ربما عنت تبديل المرء المؤمن جلده، على ما ذهب إليه سيد قطب غداة رحلته الأميركية، على مثال بروتستانتي وصوفي (على غرابة المثالين في هذا المعرض). ويقود تبديل الجلد الى وحدة النفس، وقرارها على هويتها المجتمعة والعميقة، وعلى جوهرها الصافي.

ولا يبلغ المؤمن محجته هذه فرداً أو واحداً، بل جماعة أو جمعية تمثل على الأمة، وتندب نفسها الى القيام مقامها، إذا رأت داعياً الى ذلك. ودعوات الهجرة الكبيرة هي دعوات «سياسية»، وفي مبتدئها دعوات اجتماعية وأهلية. وصفتاها هاتان، إذا صحت التثنية، تستبطنان التدبير العام والمشترك، وتوزيع الأمر والقوة والمراتب والمصالح، أي انهما تستبطنان «السياسة» وتصريفها. ويجمع اصحاب «الجمعية الإسلامية» الباكستانيون، ودعاة التيارات الإخوانية العربية، والخمينيون في إيران و«ولاياتها» العربية، و«الجهاديون» على اختلاف فرقهم وبلادهم ومَهاجرهم، يجمعون على توحيد سياستهم ودينهم، وواحدهما في الآخر، على قولهم. (ويلتحق بهم «القوميون» العروبيون وغيرهم، على اختلاف نحلهم. والحق ان حركاتهم ومنظماتهم تكونت كلها تقريباً في غضون حرب الثلاثين عاماً الأوروبية، 1914 ـ 1945، من القرن العشرين، وهي العقود التي حضنت المنازع القومية والاجتماعية والامبريالية المتطرفة وحروبها).

[تبديد الواسطة

والانشقاقات الأهلية الدينية أو المذهبية والطائفية، وحروبها أو «فتنها»، تنزع لا محالة الى إنشاء مَهاجر تستقر فيها جاليات من المؤمنين المتآخين والمرابطين في ثغورهم، والمقاتلين دون دارهم او «مدينتهم». ولعل الجماعة الحوثية بشمال اليمن، المترجحة بين الزيدية وبين الإمامية الإثني عشرية، من آخر ولائد هذا النازع على المسرح السياسي والعسكري العربي. فيذهب عبدالملك بدر الدين الحوثي، قائد الجماعة الأهلية، البلدية والمذهبية والقرابية اليمنية الشمالية، جواباً عن سؤال أبو بكر عبدالله (النهار اللبنانية، 11 تشرين الثاني 2009) لماذا لا ينشئ حزباً سياسياً، الى ان «المشروع الذي (ينادي) به، سلمياً هو العودة الى ثقافة القرآن الكريم وتعاليمه وعطائه التربوي والروحي والسياسي والشامل لكل مناحي الحياة». فـ «سياسة» الجماعة الأهلية المقاتلة أبعد من السياسة، وأشمل منها و «أعمق».

وهي تصدر عن ركن كلي، كياني إذا جازت العبارة أو وجودي وإنشائي. وهذا يسبق السياسة، على معنى جزئي يتناول تدبير جماعة من الجماعات في إطار كيان سياسي مختلط ومتنازع على هذا القدر أو ذاك. ويشرح «الشيخ»، وهو داعية ومرجع فتوى ومقدَّم القوم وعقيد قتالهم ولسانهم، ما يريده بـ «ثقافة القرآن الكريم»، فيقول إن الكتاب «ليس مشروعاً لحزب، ولا فكرة لفئة، ولا رؤية لجماعة، وإنما هو هدى الله للعالمين، ولهذا يستحيل تأطيره في مشروع حزبي». وحمل الكتاب على ما يحمله عليه المقاتل الحوثي «القرآني»، من غير وسائط دنيوية وعينية بينه هو وقومه وبين التنزيل، يبدد الوسائط السياسية ويلغيها. فلا تتماسك عوامل مثل الجسم القبلي أو «القومي» (من قوم)، والنسبة الى موضع وبلد، والمعتقدات التي تنسب القوم الى تاريخ وروابط وعداوات، والمصالح التي تقرب من جماعات أو تبعد من أخرى. ولا تحتسب هذه العوامل في ميزان الوسائط والوسائل ولا في ميزان المقاصد والغايات. وعلى مثال ثابت وعام يترتب على نصب «المرجع الإلهي» حاكماً مباشراً في الطبائع والشؤون كلها. وينيط القائد الأهلي بالحاكمية معالجة شؤون الدنيا والآخرة تلقائياً، ومن غير تدبّر ولا نظر ولا اجتهاد ولا خلاف ولا تردد أو اختبار: «ونرى ان كل شؤون الحياة لا تصلح ولا تستقيم إلا باتباع تعاليم الله التي هي منطلق رحمته وحكمته وعلمه، وهو ملك السموات والأرض. ومع اختلاف الأمة الثقافي، فإن ما يحل هذا الاختلاف (…) هو العودة الى القرآن الكريم، كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه».

ويتضافر القول بعصمة «القرآنيين» المفترضين وهم، في قول يضمره عبدالملك الحوثي، «المعصومون» المتحدرون من خلق نوراني وغير طيني وهذه صفة ائمة الشيعة الإمامية ـ مع نقد سياسي دنيوي وعملي: «… السلطة لن تسمح نهائياً بنشاط حزبي جدي وفاعل يصل الى نتيجة صحيحة». والنعوت التي يغدقها المتكلم على «حزبه»، وهي الجدية والفاعلية والصحة، تجعل «الحزب» صنواً لـ «ثقافة القرآن»، وللدعوة الإمامية في عصر ما بعد الغيبة وظهور «إمام الزمان». فالحزب ليس حزباً سياسياً، على معنى الجزء السياسي والاجتماعي من مجتمع شامل ودولة وطنية، بل هو أمة، أي جماعة دينية اعتقادية وسياسية و «أخوية» أو طريقة، على المعنى الصوفي، وعشيرة. ويسوغ ما يذهب إليه عبدالملك الحوثي اليوم، تأريخ أبو بكر عبدالله (النهار، 12 تشرين الثاني 2009) لخلاف والده وجماعته، مطلع ثمانينات القرن الماضي، على الدولة والحكم اليمنيين. فالشيخ الزيدي أنكر على الحكم اليمني الجديد، غداة استيلاء العقيد علي عبدالله صالح على الحكم بصنعاء وإطاحة روح الله خميني الشاه وانتصار «الثورة الإسلامية»، دعوته علماء الزيدية ومراجعها الى التخلي عن «شروط الولاية» ونصها على الإمام بـ «الاسم» أو النسب، وهي شروط الولاء للحاكم والدولة تالياً. ويترتب على التخلي هذا توحيد الهوية السياسية الوطنية، وتقديم تعريفها بالدولة وكيانها المعنوي والتاريخي والحقوقي، ومن طريقها، على تعريفها بواسطة الجماعات الجزئية أو الفرعية، القومية النسبية أو الاعتقادية أو المحلية، أو هذه مجتمعة في هوية أهلية متضافرة.

وعلى هذا، يصدق في حركة آل الحوثي بصعدة اليمنية وجوارها فوق ما قاله نضال مالك حسن الى زميل دراسته الضابط الطبيب بفرجينيا من انه «مسلم أولاً وأميركي ثانياً». فمقاتلو الحركة «مسلمون (إماميون) أولاً وأخيراً». وأخرج اضطرار الضابط الفلسطيني (المسلم) ـ الأميركي الى ترتيب هويتيه، أو وجهي هويته، تحت طائلة السفر الوشيك الى مسرح حرب لا مناص له فيها من ان يكون «عبدالله القاتل» أو «عبدالله المقتول»، أخرجه من ترجحه بين الوجهين. فحسم صدارة الوجه غير المركب، الإسلامي الفلسطيني كلاً وجميعاً، في حربه على الوجه المركب، السياسي الوطني الذي يتشارك فيه مع مواطنين كثيري المصادر الاعتقادية و«العرقية». وهو أقدم على الحسم في «ثورة» لا ندري بعد عواملها ولا مقوماتها الشعورية والذهنية، ولا تُبلغ إلا من طريق الرجل نفسه. وتشترط معرفتها كلامه، وعودته الى نفسه، وتذكره ما صنع. وهذه، الكلام والعودة والتذكر، قد تكون «ذهبت»، على معنى قول العربية في المجنون انه مذهوب العقل، وتقوضت في الفعل، وهوت كسراتها ونتفها البكماء والضريرة في لجة الاختلاط الماحقة.

ويقيد المقارنة، المضمرة أو المعلنة، بين فعل «الميجر» نضال مالك حسن، وبين قتال الحركة الحوثية، وبين حسم الضابط الفلسطيني ـ الأميركي ازدواج هويته وبين حسم الحوثيين الإماميين واليمنيين نسبتهم السياسية والاعتقادية، حملُها على واحد فرد في حال وعلى جماعة وقوم في حال أخرى. وهذا يبطل المقارنة، على المعنى الدقيق. وما يودي بصاحبه في حال الواحد الفرد الى الانهيار والتصدع، يجلو الجماعة حركة سياسية وطائفية مقاتلة ومجاهدة، ويبلو أفرادها، وقد يوجب واقعاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً يفضي الى انتصاب كيان «وطني» مستقل أو «سلطة ذاتية» يقر مجتمع الدول بحقيقتها. وإلى هذا، أو ما يشبهه، أفضت حركات أو منظمات أهلية سبقت «نادي الشباب المؤمن» (الحوثي) الى النشاط مثل «حزب الله» في لبنان وحركة المقاومة الإسلامية («حماس») في فلسطين. وحاول «جيش المهدي» الصدري في العراق، وربما «المجلس الأعلى الإسلامي» في العراق كذلك، بلوغ هذه الحال. فما كان، ابتداءً، «هذياناً» أو أشبه بالهذيان، لم يمتنع انقلابه واقعاً وحقيقة حين أخذت به جماعة، واستدلت به، وقاتلت دونه وقتل بعضها عليه.

وما ينأى بالأفراد، أو بجماعتهم، من الهذيان، ويجمعهم على «السياسة» والشقاق الأهلي، وربما على تولي الحكم، يقودهم إذا هم بقوا افراداً، وأقاموا على حالهم هذه، إلى ما قاد إليه العسكري الفلسطيني – الأميركي، ولا نعلم الى اليوم على وجه الدقة والضبط ما هو وما يكون. ويجوز ربما القول، من غير تعليل وظيفي وغائي، ان الحركات الأهلية الانفصالية والاستقلالية الأهلية، على شاكلة تلك التي مر إحصاء بعضها، «تنقذ» الأفراد الآحاد من المصير الذي صار إليه قاتل فورت هود، وتؤمّنهم من اثنينية الهوية وتنازعها المدمر. وفي مستطاع الحركات الأهلية الاضطلاع بهذا طالما لم تحل المجتمعات السياسية الشاملة بين الجماعات والحركات وبين حسم اثنينية الهوية من طريق ترجيح هوية الجماعة الأهلية على الهوية الوطنية. فتنزع الجماعات وحركاتها الأهلية الى الغلبة، وتخرج تعريف هوية الأفراد الآحاد من الترجح، وتدمجهم في هوية واحدة «قوية» يدل بها أعيان الجماعة الجدد والشبان (فيقول واحدهم: «نحن الأقوى»، مادحاً ومنتشياً).

وإذا حال المجتمع السياسي الشامل، والدولة المدنية راعيته، دون الاثنينية، لم يلغِ الهوية الدينية أو الثقافية أو «العرقية»، بل فصلها من التعريف السياسي المشترك، وخصها بدائرة على حدة. وكان الإقرار بـ «حرية الضمير» الديني والاعتقادي غداة الحروب الدينية والأهلية الأوروبية والحق يقال، الإيذان بالفصل والتخصيص هذين. وترتيب المعتقد الديني أولاً والوطنية الأميركية (أو غيرها، بديهة) ثانية، والبناء على هذا الترتيب وتحكيمه في واجبات المواطن وحقوقه، ينتهك الفصل والتخصيص. وإذا صادف الانتهاك سياقة مأزومة، وامتحنت السياقة هذه الأفراد الآحاد امتحاناً عسيراً يتطاول الى معاني حياتهم وموتهم، فالأرجح ان يخلخل الامتحان الأفراد، ويهزهم هزاً عنيفاً ينجم عنه قصف بعضهم وتصديعه.

[ «الذوات»

وترتيب وجوه الهوية على مرتبتين، واحدة سياسية غالبة ومشتركة وأخرى «ضميرية» أو «وجدانية» نفسية وذاتية يفترض «تبلور» الوجدان «الداخلي» والذاتي، وحِدَته (أو قيامه على حدة) من الهوية الجماعية بعض الشيء، واستقلاله عنها. وهو ما تكني عنه الفردية، أو نصب الأفراد الآحاد «ذواتاً» حقوقية وسياسية ونفسية واقتصادية مجردة، وقائمة بنفسها، ويأتلف المجتمع وإرادته العامة من تعاقدها الحر، ويدوم مؤتلفاً ما أوجبت إرادته العامة، المستفتاة في الأمر، دوامه. ويجعل هذا الأفرادَ في اصل الدولة ـ الأمة. فلا تسبق «الأمة»، على المعنى القبلي الأهلي ولا على المعنى الاعتقادي العضوي والهلامي، الإرادات الحرة والمتعاقدة التي أنشأتها. وإرساء الدولة ـ الأمة، وليس الأمة التي تسبق أواصرها وروابطها الرحمية والفطرية استواءها اجتماعاً سياسياً، إرساؤها على المثال الفردي، افتراضي وتقديري، تترتب عليه نتائج إجرائية هي الحقوق الشخصية والفردية (في الحصانة والأمن والحياة الخاصة والتملك والاعتقاد والتنقل والقول…) والحقوق السياسية (في الولاية والتشريع وانتداب ولاة الأمر والمدبرين والنقض عليهم…) والحقوق الاقتصادية والاجتماعية أخيراً (زمناً).

وليس هذا الإرساء تاريخياً ولا «واقعياً» تقريرياً أو وصفياً: فالأفراد، على المعنى الحقوقي وبما هم «ذوات»، لا أثر لهم في المحفوظات والأخبار. وهم ثمرة إنشاء وإيجاب اجتماعيين وثقافيين تاريخيين ومحدثين. وافتراضهم في اصل الاجتماع، وهم محصلة متأخرة من محصلاته المتفرقة والمتباينة، يدعو إليه ويسوغه إرساء حقوقهم وإجراء هذه الحقوق والتزامها، على ركن منطقي متماسك ومنسجم. فالفروع العملية والإجرائية التي تنص على حقوق الإفراد وحرياتهم وتضمنها، وترعى أحوالهم ومعاملاتهم، ويُجتهد في توسيعها، ويقترع عليها، لا تقوم (أو هي لم تقم الى اليوم) إلا على تقدير أصول فردية مفترضة و «متخيلة». وتترتب على الأصول الجماعية و «التاريخية»، على المثالين الإيراني «الإمامي» والسوري «القومي» والعراقي من قبل، تترتب على مثاليهما الجماعيين والتاريخيين في الولاية «السياسية» (والاجتماعية والثقافية والأمنية والشخصية…) النتائج المشهودة والمعروفة. وتنكر الأصول الجماعية على الأفراد الآحاد الحق في حقوق ثابتة تنهض بإزاء «حقوق» السلطان الجماعي المتجسد أو الحال في «أولي الأمر» «المكتَشفين» أو الإلهيين، على قول الأولياء الفقهاء في انفسهم، أو على ظن عبدالملك الحوثي في نفسه وفي والده. والمجالس الإيرانية المتفرقة (مجلس الخبراء، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الأمن القومي)، ومرشد الثورة في وسطها او القلب منها، تهيمن على المراتب المنتخبة، وتقيدها وتعطلها، وتبطل نتائج الانتخاب والاقتراع الإراديين والحرين.

ومن ثمرات تقدير «الذوات» الأفراد وافتراضهم اصلاً حقوقياً، ومصدراً تشريعياً وسنداً اجتهادياً ومسوغاً إجرائياً، «تحريرهم» من التقليد الذي يسري في السرائر والطوايا والجوارح على نحو ما يسري في العبارة (اللغة) والتأويل ووصل الحوادث وحلقاتها على شاكلة تأريخ عام أو سيرة فردية. فتجري رواية السير الفردية، ومصائر الأفراد الآحاد، على مثالات أو رسوم وأنحاء غير متوقعة، وتتفتق عن معان غير معروفة ولا مسبوقة. و«الذات» التي تتعقبها الرواية، أو يتعقبها التأريخ وتقوم به، تتربع ذاتاً فردية وروائية أو مروية، فتجري على رسوم غير متوقعة ولا معروفة وإنما مفهومة ومتماسكة معاً، على ما هي الحال في العمل الروائي و«فنه». وهذه «الذات» هي وليدة ذوات متفرقة ومتنازعة أو منقسمة، أو هي انا قلقة (على المعنى المكاني) مجتمعة من أنوات كثيرة، ومن معان وأوقات يتغير ترتيبها واختلاطها على الدوام. ويضبط النفسَ «الشعاع» (على قول قيس بن الملوح العامري) أي المتصدعة والمتفرقة خيوطاً في اتجاهات مبعثرة، مبان مرصوصة وجامعة تتولى الضبط والتوحيد على مقادير متفاوتة. ولكنها تقر للنفس، و«للذوات»، بكثرتها وانقساماتها وتنازعها وجري حوادثها على رسوم ومثالات غير محسوبة ولا مقيدة سلفاً وبالسلف.

ونضال مالك حسن رتب «نفسه» المتنازعة والمنقسمة ترتيباً قدم اعتقاده الجماعي والملزم، وأخَّر علاقته الوطنية والسياسية التعاقدية، والملزمة من طريق التعاقد وليس من طريق الأمر والنهي والصدوع بهما. ويقضي هذا الترتيب الناجم عن الهجرة، وعن الإقامة على الجالية وآصرتها و«ثقافتها»، بإبطال الكثرة والمنازعة، وإنكار حقهما في العمل في «الذات» وصوغها. وعلى حين ان صدارة المعنى الوطني السياسي، أو المعنى «الجمهوري المدني والوطني»، لا ترتب إلغاء المعنى الاعتقادي والديني بل تثبته معياراً مقبولاً تتفرع عنه الخدمة المدنية أو يتفرع عنه «اعتراض الضمير»، تلزم صدارة المعنى الاعتقادي والديني بإبطال وجوه النفس الأخرى، و«طبقات» تاريخها، وجواز كثرتها واختلاطها.

فيسوغ الزعيم الدرزي (اللبناني) وليد جنبلاط خروجه من الوطنية اللبنانية بالتزامه العروبة وفلسطين واليسار. وهي أسماء مسمى مضمر هو الجماعة الأهلية المهددة. وينكر أحد مساعدي الزعيم الدرزي على الصف السياسي الوطني والمختلط الذي كان جزءاً منه (أي على «14 آذار») «تدخله» في شؤون الجماعة الأهلية، ومناقشة أنصار زعيمها الرأي في مسائل اختُلف فيها. فالوطنية اللبنانية، في صيغتها الجمهورية المدنية والوطنية الناشئة، لا تنكر على الجماعات الأهلية، درزية أو مارونية أو شيعية او سنية… تواريخها وكثرة طبقات هذا التاريخ وتنازعها في «نفوس» أهل الجماعات وهوياتهم، تنكر الآصرةُ الأهلية على اللبنانيين التواريخ هذه، وتعيب عليهم كثرتها وتنازعها فيما هي تنصب «الوطنية» فكرة خاوية ومن غير يد (أو يدين) أو موجبات غير يد السلاح «الإلهي» (أو «القرآني»، في لغة عبدالملك بدر الدين الحوثي) وموجباته العسكرية والأمنية والاستخبارية والذرية.

وعلى هذا، ينادي الحوثي الابن، وخالفُ والده على جماعته وأهله، بـ «مشروع ثقافي شامل على ضوء القرآن الكريم (…) نقدمه ضمن دروس ومحاضرات مع خطوات عملية سلمية منها شعار (الله أكبر ـ الموت لأميركا ـ الموت لإسرائيل ـ اللعنة على اليهود ـ النصر للإسلام)، والدعوة الى مقاطعة البضائع الأميركية والإسرائيلية، والتوعية النشطة في مواجهة التضليل الإعلامي، والتسمم الثقافي، والمسخ الأخلاقي، والفساد الاقتصادي الذي يشنه اعداء الأمة عليها». والبرنامج الجامع هذا، يسع جماعات اهلية مشرقية الأخذ به، وتعليق برامجها على أغصانه الوارفة. وسذاجة البرنامج وصراحته لا تتستران على «تقدمية» المطالبة بكتاب تاريخ وتربية مدنية واحد يسمي الانعزاليين بالاسم والصفة، ولا على راديكالية ثورة على الفساد تنصب جنرالاً وعماداً أسبق رئيساً مسيحياً حقيقياً، ولا على مصالح قومية استراتيجية تقضي باستتباع سلطان أهلي وأمني قاهر دولة ومجتمعاً مدنيين. فهذه كلها، وغيرها مثلها، تكرر الرسم المميت الذي صدر عنه «الميجر» الفلسطيني (المسلم) ـ الأميركي نضال مالك حسن.

عن جريدة المستقبل 22/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق