إخوان الصفاء والبحث عن مدينة الإنسان

كان العام 2007 بالنسبة إلي عام أخوان الصفاء، عكفت على قراءة رسائلهم باستمتاع معمق، كنت أبحث من خلال رسائلهم عن الإنسان، الإنسان في صلته بالعالم، كيف يبدو الإنسان والعالم؟ العالم الذي تحت القمر والعالم الذي فوق القمر. كيف ينسجم ما فوق القمر مع ما تحت القمر؟ كيف يرتفع الإنسان فوق نفسه بالفلسفة؟

كانت رسائلهم إلى الإنسان وعالمه، حتى رسائلهم عن الحيوان والمعدن والنبات، كان مركزها الإنسان، همومه وقضاياه وطبائعه وحقيقته وروحه وعقله وجسده. لقد كتبت كل رسالة على مثال الإنسان. تمثل كل رسالة فصلاً من فصول الكون الذي هو إنسان كبير، رسالة الحيوان هي فصل من فصول الكون، ورسالة النبات هي فصل من فصول الكون، ورسالة المعدن هي فصل من فصول الكون. كيف تنسجم هذه الفصول لتشكل كتاب العالم؟

إنها تنسجم بنسبتها الشريفة من الواحد. النسبة هي هارموني الانسجام بين الحيوان والنبات والإنسان والمعدن وكل ما هو تحت القمر، وبين الغيب والملائكة والكواكب والسماء والأبراج وكل ما هو فوق القمر. والواحد هو رقم رياضي يدخل في تكوين كل الأعداد، وفي الوقت نفسه الواحد ربّ خالق في كل مخلوق من مخلوقاته تجلّ منه.

الموسيقى المثال الأبين للنسبة الشريفة عند إخوان الصفاء، وقد جعلوا منها مثالاً لفهم النسبة الشريفة في الإنسان والعالم وكائناته. واستعانوا في فهمهم لهذه النسبة بعلوم الرياضيات والهندسة. بقدر ما يتحقق فيك من نسبة الموسيقى تتأله وتعلو إلى رتبة ما فوق القمر.

النسبة هي علاقة بين الأشياء، هي ليست شيئاً، لكنها تحكم كون الأشياء في العالم، يرى إخوان الصفا أن العالم مؤلف ومركب وفق هذه النسبة. والإنسان يصل إلى مرتبة التألّه بتحقيق هذه النسبة فيه، والتفلسف محاولة لتحقيق هذه النسبة في الإنسان.

يكتمل الإنسان بتحقيق هذه النسبة فيه، أي بقدر ما تحضر فيه الموسيقى بنسبتها المثالية في الانسجام، يمكنه أن يتفلسف ويكتمل، وكان إخوان الصفاء يرون في آلة العود الموسيقية وتركيبه مثالاً مكتملاً للانسجام في الموسيقى، هكذا سيكون جسم العود بأوتاره الأربعة الأنموذج الذي يحاكيه الإنسان، للوصول للأنموذج الأعلى للنسبة الشريفة (النسبة الموسيقية) التي تجد منتهاها في موسيقى حركة الأفلاك التي فوق القمر. بقدر ما تُحقق فيك من النسبة الشريفة، يتحقق فيك الكلام، وتكون متكلماً وفيلسوفا ومُتجاوزا. تجعل هذه النسبة كائنات العالم، تتكلم وتقول وتريد وتعشق وتحب وتتضاد وتتشابه وتأتلف وتختلف. العالم واحد بهذا الانسجام المختلف، العالم متصافٍ بهذا الانسجام المختلف.

كنت أصغي إليهم وهم يصوغون قوانين الطبيعة بمفاهيم الحب والعشق والأنس والألفة ومضاداتها “إن طبيعةً تألف طبيعةً، وطبيعةً تناسب طبيعة أخرى، وطبيعةً تلصق بطبيعة، وطبيعة تأنس بطبيعة، وطبيعة تقهر طبيعة، وطبيعة تقوى على طبيعة، وطبيعة تضعف عن طبيعة، وطبيعة تلهب طبيعة، وطبيعة تحب طبيعة، وطبيعة تطيب مع طبيعة، وطبيعة تفسد مع طبيعة، وطبيعة تُبيّض طبيعة، وطبيعة تًحمّر طبيعة، وطبيعة تهرب من طبيعة، وطبيعة تبغض طبيعة، وطبيعة تمازج طبيعة” رسائل إخوان الصفاء،ج2،ص104

طبيعة العالم مكونة من هذه الطبائع، والعالم منتظم النسبة بهذه الطبائع، فعليك أن تبحث عن طبيعتك التي تأتلف معها، وتتناسب وفقها، وتأنس لها وتتقوى بها، وتتمازج فيها. هكذا يتوازن العالم وفق نسب هذه الطبائع، وهكذا تتوازن أنت باكتشافك لطبائعك التي تلهبك وتقويك وتبيضّك.

النسبة الشريفة تتحقق بتأليف هذه الطبائع المتنافرة، ومشروع إخوان الصفا هو تأليف العالم وفق هذه النسبة، باكتشافها فيه، أو بصناعتها فيه. والتأليف لا يعني إلغاء التنافر، فالتنافر في بعض العالم، يحقق انسجاماً في كل العالم.

يفهم إخوان الصفاء العالم وكائناته من خلال الإنسان وطبائعه، فالحجر مثلا كائن من كائنات العالم، وتخضع طبعته لطبائع الإنسان في الألفة والاشتياق. وكي تعرف أنت أيها الإنسان هذه الألفة والاشتياق، على طبيعتك أن تَرُقَّ، حينها تستطيع أن تستمع إلى لطائف الكثائف، أي حينها تستطيع أن تنفذ إلى روح الأجسام التي لا تتكلم.

الإنسان كي ينسجم مع العالم ويتآلف معه، أي كي يُكوّن هو والعالم طبيعة متآلفة، فإنهم جعلوا من الإنسان عالماً صغيراً، وجعلوا من العالم الكبير إنساناً صغيرا، هكذا صرنا نرى العالم من خلال الإنسان، صرنا نفهم المدينة من خلال الإنسان ونفهم الإنسان من خلال المدينة، جسد الإنسان مخلوق على مثال المدينة، والمدينة مُصمّمة على مثال معمار الإنسان. وقد خصَّص إخوان الصفاء فصلا من رسالة (في تركيب الجسد) لمجاز الإنسان/المدينة.

حين تفقد المدينة تركيبها الحضاري المجعول على نسبة معمار الإنسان، تفقد المدينة إنسانيتها، لا تعود مدينة، تصبح أقل من مدينة فتتوحش. في الإنسان سوق يختلف عالم الإنسان فيه، وفي المدينة سوق يختلف العالم إليه. لقد خلق الإنسان السوق على مثاله، ومتى فقدت السوق مضاهاتها لجسد الإنسان، فقدت إنسانيتها وصارت متوحشة، يأكل فيها الكبير الصغير، وتقهر فيها طبيعة الكبير طبيعة الصغير. تعمر السوق ليس ببضائعها فقط، بل بمضاهاتها للإنسان، وذلك بأن تكون صورة من الإنسان.السوق إنسان كبير، كما الإنسان سوق صغيرة.

هل تشبه مدننا اليوم إنسان إخوان الصفاء؟ هل فيها شيء من نسبته الشريفة؟ هل طبيعتها تألف طبيعة الإنسان، أم أنها تنافر طبيعة الإنسان وتقهرها وتستقوي عليها؟

كنت أقرأ إخوان الصفاء بحثاً عن مدينتي غير الفاضلة، كنت أريد أن أقرأ مدينتي الحاضرة المُزيّفة أو المتوحشة من خلال مدينتهم التي استوعبت تراث العالم الحضاري لحظتها. سوق مدينتي ليس عامراً بظلال الإنسان، هو قاحل بخواء التوحش.

نشرت في جريدة أوان في 2/3/2008

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق