إخوان مصر المسلمون رجالات دولة أم طالبو حكم وسلطة

  الإخوان المسلمون تيار ديني عقائدي وفكري وسياسي عريض، له جماهيره العريضة، وله جذوره التاريخية في تربة كثير من المجتمعات العربية خاصة في مصر التي نشأت فيها أول حركة إخوانية دعوية على يد حسن البنا.. ومن ثم انتقلت وتوسعت في بلدان عربية عديدة، ولاقت قبولاً شعبياً لدى قواعد مجتمعية كبيرة خاصة بين شرائح وفئات الناس التي كانت تعيش غالباً في الأحياء المتدينة ذات النزوع الإيماني الإسلامي، حيث انجذبت إلى طروحات وشعارات الإخوان الجامعة بين الدين والدولة (خاصة شعارهم التقليدي: الإسلام دين ودولة)..
 
ولاحقاً لم يتمكن الإخوانيون -بالرغم من تحولهم إلى حركة وتيار شعبي واسع التأييد والحضور- من دخول باب السياسة العريض بصورة نظامية مرخصة قانونياً ومعترف بها طبيعياً بالرغم من محاولات نخبه العديدة التحرك على هذا الصعيد، حيث لم يتم تأمين الحضور السياسي الطبيعي لمعظم الحركات والتيارات المنتمية للتيار الأم على ساحة العمل السياسي ليس لأنهم لم يرغبوا به (وهم الغارقون حتى الثمالة في هموم السياسة الدنيوية قبل السياسة الدينية الأخروية)، وإنما لأن السلطات السياسية الحاكمة واجهتهم بداية بالرفض السياسي ومن ثم استشعرت بقوتهم وخطرهم فاستخدمت بحقهم كل أدوات ووسائل الإكراه والعنف المادي، من تفتيت وتحطيم وتشريد وسجن وقتل، حتى تمنعهم من التجمع والتوحد على الأرض، بما يمنعهم من الحصول على تراخيص نظامية للعمل كتنظيم سياسي فوق الأرض وفي ساحة الحياة أسوة بباقي التيارات والحركات السياسية العلمانية الأخرى.. وكانت حجة وذريعة السلطة السياسية في ذلك أن الإخوان حركة سياسية ماضوية تلعب على مشاعر المجتمع الدينية، وهي تستغل الدين للوصول إلى السلطة، وبالتالي فالقانون السياسي ذي الخلفية الثقافية (العلماني!) القائم يمنع القبول بهذه الحركة أو الاعتراف بوجودها السياسي لأنها تدخل الدين في عمق السياسة، وترفع لافتات وشعارات ومقاصد دينية بحتة.
طبعاً ولم ينفع الحركة كسب ثقة بعض شرائح المجتمع، ومد جسور التواصل الخدمي معهم ونجاحها في كسب ود الشارع الشعبي المتدين من خلال حركيتها الاجتماعية الناجحة على شكل خدمات وتقديمات اجتماعية إنسانية تمس جوهر معيشة وحياة الناس، في وقت فشلت حتى الدولة القائمة عن تأمينها بالنجاح الذي حققته حركة الإخوان التي كانت تصلها مساعدات مالية من هنا وهناك (أموال الفورة النفطية في السبعينيات) خاصة من رجالات أعمال كبار استثمروا واشتغلوا المال السياسي وغير السياسي.. 
 
وهكذا كانت الرغبة الجامحة الدائمة للإخوان في الاعتراف بوجودهم ومن ثم وصولهم للسلطة واضحة للعيان في أفكارهم ومبادئهم وسلوكياتهم على الأرض، وعلى كثير من تحركاتهم وعلاقاتهم وتحالفاتهم المثيرة للاستغراب في كثير من الأحيان، فجمال عبد الناصر -الإيديولوجي المخضرم ذي الخلفية الأمنية البحت- قمعهم وطردهم واعتقلهم وعذبهم ومنعهم من الظهور، لا بل وقتل بعض رموزهم، ولكنهم لاحقاً خرجوا أقوى، وتحالفوا في سبعينات القرن الماضي مع “الرئيس المؤمن: أنور السادات”، الذي استغلهم في لعبته السياسية الداخلية، وضرب اليسار بهم، فقط ليبقى الفرعون والزعيم الأعلى المتفرد بالحكم مع قليل من الملامح الديمقراطية البدائية من بعض إعلام حر مزيف وكومبارس سياسي برلماني وحزبي وغيرها..
 
وهكذا كان الأمر ذاته مع مبارك -غير الإيديولوجي- الذي كان يكن لهم نفس العداء التاريخي الناصري ولكن مع تجميل وإخراج سياسي أكثر حنكة وبراعة وبراغماتية سياسية، فرأيناه يسكت عنهم قليلاً في الظاهر، ويراقبهم بشدة في السر والباطن، مع رفض كامل لوجودهم كجماعة حزبية منظمة وكتيار سياسي مرخص واضح المعالم والتوجهات السياسية فوق الأرض..
 
ومع مرور الأيام وتزايد حدة المشاكل السياسية والاقتصادية العربية، ومع اشتعال ثورة تونس، وبدء موجة تسونامي التغيير وثورات الربيع العربي، وأيضاً مع تفاقم مشاكل مصر الاقتصادية والاجتماعية، خاصة على صعيد تعاظم مشاكل التنمية وفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق خططها التنموية، مع استشراء الفساد المالي والسياسي، وتثبين الاستبداد والقمع السياسي (ولو بصورة غير ديكتاتورية واضحة)، وتورط أسرة مبارك الحاكمة بقضايا الفساد الاقتصادي، ورغبة مبارك نفسه في توريث الحكم لابنه.. كل ذلك ضخم كرة ثلج الأزمات المصرية المتدحرجة نحو الأعلى، وراكم سلبيات الواقع فانفجرت الأمور واشتعل الشارع المصري بعد ثورة تونس، وبدأت حشود الشباب ومختلف القوى المدنية بالنزول إلى الشارع مطالبةً بالإصلاح والتغيير السياسي الشامل، وكان الإخوان جزءاً من هذه الحركة التغييرية بالطبع، ولكنهم بالتأكيد لم يكونوا من مشعليها ومفجريها، بل كانوا من مستثمريها ومستغليها وراكبي موجتها السياسية، فهم الأشد تنظيماً، والأكثر عراقة وخبرة، والأغنى مالياً، والأكثر حضوراً خدماتياً منذ زمن بعيد لدى الشارع المصري التواق للتغيير الشامل..
 
وبعد انعقاد الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الشورى التي حصد فيها الإخوان وحلفاؤهم السلفيون الغالبية العظمى من المقاعد في كلا المجلسين، هاهم يمضون قدماً ليؤكدوا شعبيتهم وتجذرهم المجتمعي من جديد من خلال ترشيحهم لاثنين من كوادرهم لانتخابات الرئاسة المصرية القادمة..
وقد أحدث هذا الترشيح موجة عارمة من الاستياء والاستنكار لدى مختلف الأوساط الفكرية والسياسية المصرية والعربية باعتباره نكثاً لوعود الإخوان المسلمين التي سبق لهم أن قطعوها لباقي الأفرقاء والقوى السياسية بعدم الانفراد السياسي في الحكم، والسعي إلى التوافق والمشاركة، ويؤكد أيضاً –في الوقت نفسه- قناعة الكثيرين بأن الإخوان هم أنفسهم كما كانوا في السابق، ولم تغيرهم أو تؤثر فيهم موجات التغيير العربية الأخيرة، والنتيجة هي عدم تغير فكر وسلوك الإخوان حتى لو باتوا جزءاً رسمياً من ساحة العمل السياسي، لأنهم يريدون “كعكعة الحكم” –إذا صح التعبير- كلها من دون قسمة أو مشاركة ومساهمة مع الآخرين، بما يدفع للقول -خاصة من هم في خانة أعداء الإخوان- بأن هؤلاء قادمون للتفرد بالحكم والاستئثار بالسلطة.. أي أنهم مثل الآخرين من نخب الفكر الديني عموماً أصحاب مشاريع “أخروية تبشيرية”، وليسوا رجالات دولة قانون ومؤسسات.. وأصلاً هم خالفوا ما وعدوا به من المشاركة مع الآخرين للنهوض بواقع مصر الاقتصادي والتنموي وغيره..
 
ويبدو لنا –نحن الذين راهنّا على أهمية وضرورة مشاركة هؤلاء الإسلاميين في السلطة من النافذة الديمقراطية، ودافعنا عن حقهم في هذه المشاركة من باب التشارك والانفتاح السياسي وليس من باب الاستئثار والتفرد- أن رموز ونخب الإخوان القادمين بقوة لحكم مصر سيدخلون من حيث خرج (أوأخرج) غيرهم من حكام الجور وزعامات الاستبداد والتسلط السياسي العربي.. هذا على الأقل ما يظهر لنا من خلال إصرارهم وعنادهم المنقطع النظير الظاهر لنا من خلال رغبتهم الجامحة في اكتساح كامل مستويات الساحة السياسية المصرية.. لأن سياسة العناد وقهر الخصوم من خلال ادعاء امتلاك الساحة السياسية ببعدها الشعبي، والتهديد بين وقت وآخر بإنزال حمولاتهم الشعبية إلى الميادين العامة، وكأن الناس ليس لها من شغل وعمل إلا التواجد في الساحات عند الطلب.. كل ذلك يدلل على أمرين خطرين، أولهما أن الإخوان –الذين يطغى عندهم الإيديولوجي على الواقعي والعملي- لم يعتبروا بتجربتهم السابقة التي ذاقوا فيها نار الاستبعاد والقهر السياسي الذي مورس بحقهم، وثانيهما، أن تجربة الفكر الديمقراطي لم تنضج بعد في وعيهم السياسي بالرغم من قدم وتاريخية تجربتهم في المعارضة منذ عقود طويلة.. وهذا يدفعنا للاعتقاد بأن الإخوان غير جادين بالعملية السياسية التداولية التي جاءت بهم إلى حكم أكبر وأهم دولة عربية التي هي بيضة قبان العرب جميعاً.. أو أنهم غير مقتنعين أصلاً بجوهر العملية الديمقراطية كآلية سياسية سلمية لتنظيم شؤون المجتمع السياسية وغير السياسية، بما فيها تنظيم الخصومات السياسية، والاحتكام الدائم للعمل السلمي وللقانون والنظام العام بعيداً عن الغلو والتطرف والإلغاء والعنف.. وفي الحالتين (عدم الجدية، وعدم القناعة) سنصل إلى النتيجة نفسها، وهي أن الإخوان المسلمين/فرع مصر، يريد ركوب موجة التغيير الديمقراطي السلمي للوصول إلى قيادة مصر، والتفرد بحكمها، وبدء مشروعه الدعوي الديني الأخروي القائم على مجرد وعد الناس بجنان الآخرة دون جنان الدنيا التي هي أعقد وأضخم من أن تحل عراها حركة سياسية بذاتها من دون المشاركة والمداولة والمساهمة مع الآخرين كشركاء حقيقيين في بناء الدولة والوطن، وتنمية المجتمع بصورة حقيقية وجدية..
 
وما سيزيد الطين بلة والمشهد انقساماً وتفككاً وتشظياً، ويجعلنا نرتاب أكثر من هذه الفورة والسخونة السياسية للإخوان، ونشك في معظم توجهاتهم وطروحاتهم، هو أنهم يتعاطون بكثير من الاستخفاف مع شؤون ومطالب واحتياجات الناس المعيشية التنموية، بينما يتعاملون مع الأمور الدينية بكثير من الجدية والاهتمام المبالغ بها في أحايين كثيرة.. أي أن الهم الفكر التبشيري الدعوي غالب على سلوكهم بالرغم من أنهم ركبوا موجة الخدمات الاجتماعية لكسب بعض أصوات الشارع هنا وهناك.. ولكنهم ينسون أو يتناسون بأنهم يعيشون في عالم أرضي نسبي، وواقع اقتصادي وسياسي واجتماعي مصري معقد، من الصعوبة بمكان التأثير عليه إيجاباً، وإيجاد حلول ناجعة لأزماته إلا بالاعتراف الحقيقي بوجودها، والاقتناع الكامل بأهمية دفع الآخرين للمشاركة في حلها.. وما أعنيه بالآخرين هنا هم كل القوى السياسية والمدنية التي شاركت بفعالية في إحداث التغيير السياسي المصري منذ أكثر من عام، وهي صاحبة المصلحة في بناء مجتمعاتها على الصورة الأجمل والأحسن اقتصاداً وتنمية وسياسية.. والمشكلة هنا تظهر لناً أن كثيراً من نخب ورموز الإخوان في مصر يعتقدون مخطئين، بأن مجرد استلامهم للحكم والسلطة، ستبدأ مشاكل الناس والمجتمع بالانحلال والذوبان من تلقاء نفسها، وكأنهم سحرة قادمون من عوالم أخرى!!.. من دون وجود برامج وخطط وعلاجات فعالة لأزمات مصر الهائلة التي زادت بعد نجاح ثورة 25 يناير 2011 خاصة لجهة قلة المال وضحالة الاستثمارات، وهروب رساميل مادية ضخمة للخارج، وضعف الحركة السياحية.. حتى بات بعض المراقبين يتحدث عن حالة إفلاس مصر.. فهل بالإصرار على تطبيق بعض التشريعات الدينية القديمة التي عفى عليها الزمن، مثل قانون حد السرقة “قطع يد السارق” سنحل مشكلة الفساد مثلاً.. وهل بالثأر والحقد والكيدية السياسية والعناد والتفرد بالسلطة، وتأجيج نيران الفتنة، واستحضار فتاوى (السلف الصالح!) نبني دولة العدل والقانون والمؤسسات؟!!.. وهل وهل؟!..
 
إننا نتصور أن فهم كثير من تيارات الإسلام السياسي، وخاصة منهم السلفيون وبعض فروع الإخوان المسلمين، والمتجسد أساساً في تقزيم صورة الدين، واختزال التدين في بعض المظاهر والطقوس المظهرية والشكلية الخارجية، مع التبسيط الشديد في فهم دور ومكانة الدين ذاته، وحالة الغيبوبة التامة من قبل أولئك عن تحديات الواقع ومختلف معطياته وأولوياته معاييره ونواظمه المتنوعة والمختلفة.. أقول هذا الفهم التبسيطي الساذج للدين لن يحل أزمتنا الوجودية المقيمة منذ عهود طويلة.. بل على العكس من ذلك سيكرس أزمات أخرى أشد خطورة من أزمات السياسة والاقتصاد، وهي أزمة تفسير وتأويل النص الديني ذاته، والاستغراق في متاهات ودهاليز التأويلات القديمة التي لم تقدم شيئاً في السابق سوى البؤس والإحباط وإشعال الحروب والصراعات الأهلية، مع وجود قناعة لدى تيار ديني سلفي واسع مؤثر على الساحة، بأن الاجتهاد والتجديد في الدين أو في فهم الدين هو أمر مرفوض ومدان وتجب محاسبة فاعليه..
 
فيا أيها الإخوان، اعتبروا بتجربة من تفرد بالحكم قبلكم، وأسقطه الناس لاحقاً.. واجعلوا شعاركم العملي التوافق والمشاركة مع باقي التيارات في البناء والتطور المجتمعي والدولتي.. وكونوا على ثقة كاملة بأن الشعب الذي ثار على غيركم ولفظه ولو بعد عقود طويلة من العذاب والقهر والاستئصال، هو ذاته سينفجر ضدكم وسيلفظكم يوماً ما من حيث تدورون أو لا تدرون إذا ما فشلتم في قيادة دفة سفينته –شبه الغارقة حالياً في بحور متلاطمة الأمواج- إلى شاطئ وبر الأمان السياسي والمجتمعي بصورة تشاركية بالطبع.. إنها فترة زمنية قصيرة جداً حتى لو دامت لكم سنوات عديدة.. و”لو دامت لغيركم ما وصلت إليكم”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق